المجلة الثقافية الجزائرية

الثورة الجزائرية قصة كفاح 

خديجة مسروق

من الصعوبة بمكان أن نختزل تاريخ الثورة الجزائرية في بضعة سطور. وهو التاريخ الحافل بالمحطات الشاهدة على فظاعة الإحتلال الفرنسي للجزائر, وعلى بسالة الشعب الجزائري واستماتته من أجل تحرير أرضه من براثن هذا العدو الغاشم, منذ أن وطئتها أقدامه في الخامس من شهر جويلية من سنة 1830 إلى غاية الخامس من جويلية 1962 وهو التاريخ الذي لوّحت فيه الحرية الحمراء لواءها بفضل تضحية الوطنيين الأفذاذ بالغالي والنفيس لأجلها.

عملت القوات العسكرية الفرنسية على قمع الشعب الجزائري وإذلاله بشتى الطرق, وتفننت في جرائمها في حق هذا الشعب. غير أنها لم تكن تهنأ في كل عملية إجرامية تقوم بها. الجزائريون لم يدخروا أي جهد في التصدي لها, وإن كانت وسائلهم بسيطة فرب السماء كان يمطرهم بالعون, وماضاع حق يوما ووراءه مطالب.

بدأ فتيل الثورة الجزائرية بالانتفاضات الشعبية عبر القرى والمداشر. كان الجزائريون يقومون بثورات محلية وتفجيرات في مراكز العدو يتكبد فيها كثيرا من الخسائر المادية و البشرية..

و كان العدو الفرنسي قد استغل حالة الأمية أو الجهل الذي كان يجثم على عقول أغلب الجزائريين, فحاول إقناعهم بأن الجزائر فرنسية وأن فرنسا دخلت أرضهم من أجل خدمتها وإصلاحها. وكل ذلك من أجل طمس هويتهم الوطنية. وبذلك يتراجع الجزائريون عن محاربتها والإذعان لقراراتها.

غير أن المصلحين وأهل العلم من أبناء الجزائر حملوا على أكتافهم مهمة توعية الشعب وتنويره. وهبت رياح الحركة الاصلاحية مع الشيخ عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي والطيب العقبي وغيرهم من رواد الاصلاح.

وانطلقوا في الدروس التوعوية من المساجد والزوايا لبناء عقل الإنسان الجزائري. وذلك بتصحيح المفاهيم الخاطئة التي رسمتها السياسة الاستعمارية ونشرتها بين أوساط الجزائريين قبل طرح فكرة الاستقلال, ونشر الوعي و شحذ الهمم في نفوس المواطنين ليكونوا أكثر استعدادا لمقاتلة العدو, واقناعهم بأن ما أخذ بالقوة لا يستردّ إلا بالقوة.

وأشرقت شمس اليقظة على الجزائريين المخلصين, الذين تأكدوا أن فرنسا لا تريد خيرا للجزائر, وأن القوة هي الحل الوحيد لإخراجها من بلادهم. فاثبتوا أنهم كالبنيان المرصوص لا تزعزعهم رياح و لا أعاصير. 

وتشكلت لجان للتخطيط لأعظم ثورة يشهد لها التاريخ. فانطلقت الاتصالات السرية بين الثوار والمناضلين في جميع أنحاء الوطن, للاتفاق على تفجير شرارة أول نوفمبر من العام 1954. فأشعلوا فتيلها في زمن واحد في كل بقعة من أرض الجزائر. إنها اللحظة الحاسمة في تاريخ الجزائريين.

الفاتح من نوفمبر كان البرزخ بين مرحلتين فاصلتين انتقلت فيها الجزائر من مرحلة المقاومة الشعبية إلى مرحلة الكفاح المسلح تحت لواء حزب جبهة التحرير الوطني الجزائري.

التفّ الشعب الجزائري حول الثورة. وقد قال في هذا الصدد الشهيد العربي بن المهيدي مقولته الشهيرة ‘القوا بالثورة إلى الشارع يتلقفها الشعب’. واتخذ الثوار من الجبال معاقل لهم للتربص بقوات الاستعمار. وتحصلت الجزائر آنذاك على الدعم المعنوي والمادي من الدول الشقيقة والصديقة مساندة للثورة ودعمها بالسلاح و العتاد. فشكَّلَ المجاهدون قوة ثورية ضد جحافل العدو الفرنسي, التي زعزعت وجوده وقوته التي ظنها أنها لا تقهر. 

سبع سنوات ونصف من القتال الدامي المتبادل بين المجاهدين وعساكر الاحتلال ــ وقد عدّ الدارسون أطول استعمار عرفته الانسانية هو الاستعمار الفرنسي للجزائرــ عرف الشعب الجزائري خلال هذه الحقبة ‘الاستعمارية’ أبشع أنواع القهر والإذلال من قبل المحتلين. مازاد هذا الشعب إصرارا وعزيمة على التحدي في مواصلة القتال لتحرير وطنهم من الوجود الاستعماري.

وكانت قوات العدوتقابل تحديهم بمحاولة القضاء عليهم. منهم من يتعرض للموت فيلاقي ربه شهيدا, ومنهم من يتم القبض عليه فيزج به في مراكز الإعتقال. وتفنن عساكر فرنسا في تعذيب الجزائريين الموجودين داخل هذه المراكز بأساليب لا علاقة لها بالانسانية , باستعمال الكهرباء والماء وعمليات غسيل المخ, وتجريد المساجين من ثيابهم والتجول بهم وسط الشوارع, وانتهاك أعراض محارمهم أمامهم وغيرها من أنواع التعذيب التي كان يمارسها الاحتلال لبث الرعب في نفوس المواطنين ومحاولة كسر عزيمة المجاهدين والثوار..

سجون فرنسا بالجزائر التي مورست فيها عشرات بل مئات من العمليات العقابية الفظيعة ضد المعتقلين الجزائرين ــ وهناك كثير ممن استشهدوا تحت التعذيب ــ لا تزال شاهدة إلى اليوم على جرائم فرنسا. كسجن ‘سركاجي’ الذي نفذت فيه مئات العمليات الإجرامية ضد الشعب الجزائري, وهناك مركز ‘بني مسوس’ و’مركز موران’ وغيرهم من معاقل التعذيب التي لازالت إلى اليوم موجودة كمعالم تاريخية كبيرة تشهد على بشاعة الاحتلال..

جرائم فرنسا ضد الانسانية لم تنته بخروجها من أرض الجزائر, بل إلى اليوم الخطر يحدق بالأرض والإنسان والحيوان في كثيرمن مناطق الجنوب والصحراء بأكملها. بسبب الألغام التي دستها في هاته البقاع الشاسعة من الصحراء الجزائرية التي كانت ولا تزال تؤرقها, كيف لا وقد احتلت الجزائر من أجلها للإستيلاء على الخيرات الموجودة بها. ولما بات حلم فرنسا وهمًا تأكدت من استحالة تحقيقه, استعملت سياسة الأرض المحروقة بالقيام بالتجارب النووية على هذه الأراضي, التي تسببت في مقتل عشرات المواطنين و ذإصابة كثيرمنهم بعاهات مستدامة بسبب الإشعاعات النوووية.

وإذا كانت فرنسا ترفض الاعتراف بجرائمها التي ارتكبتها في حق الشعب الجزائري أيام الاحتلال, فإن التاريخ حافل بالشواهد التي تؤكد على ذلك وبعض الشواهد موجودة في عقر دارها. يكفي أن متحف باريس يضم عشرات من جماجم الثوار الجزائرين الذين قامت بقتلهم ولم تكتف بذلك, بل قامت بفصل رؤوسهم عن أجسادهم وتهريب تلك الجماجم لتضعهم كقطع تذكارية في متحف باريس الكبيريتحلق الزائرون له حولها, وكأنها تؤكد للعالم عن عدائها للإنسانية. وكانت الدولة الجزائرية قد استردت مؤخرا بعضا من هذه الجماجم ليحويهم تراب أرضهم الطاهرة الذين ضحوا بكل شيء من أجله..

حين لم تنجح فرنسا في كل مخططاتها العسكرية وأيضا السياسية التي حاكتها ضد الجزائر من أجل البقاء على أرضها. اضطر شارل دوغول مرغما بعد عجزه في التصدي لمقاومة الشعب الجزائري الباسل على الموافقة على مبدأ تقرير المصير, بعد فشله في تطبيق سلم الشجعان الذي ينص على واجب تخلي الشعب الجزائري عن الثورة, وأبرمت اتفاقية إيفيان في 18 مارس من العام 1962 لتعلن الجزائر عن وقف القتال. ورغم استفزازات العساكر الفرنسية للجزائريين إلا أنها لم تحرك فيهم ساكنا حيث استطاعوا أن يحافظوا على مبدأ وقف اطلاق النار. ويتم الإعلان عن قيام دولة مستقلة ذات سيادة. ويلوح العلم الوطني بألوانه الثلاثة خفاقا في كل التراب الوطني, وتعلن الجزائر عن احتفالاتها بالاستقلال الرسمي في الخامس من جويلية 1962, والجزائريُّ ينتشي طعم الحرية والاستقلال في شموخ وهو الذي كان ولا يزال يرفض أن تنحني هامته لغير الخالق..

فالسلام على أبناء الجزائر الذين ضحوا من أجل الحرية بالغالي والرخيص وعقدوا العزم أن تحيا الجزائر. فكل عام ووطني الجزائر ينعم بالسلام و الحرية والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار…

*كاتبة من الجزائر