تنويه غير واجب:
-رغمَ اختلافي الجَوْهَري البَيِّن مع بعضِ ثوابت وقناعاتِ وقِيَمِ ومبادئِ بعضِ مُبدعي إبداعاتِ هذا المسعى النقديِّ، على مستوياتٍ عِدَّةٍّ، العقائديُّ منها أو الأيديولوجيُّ أو الأخلاقي أو الإبداعيُّ؛ إلا إنني قد تناولتُ إبداعاتِهم النبيلاتِ المذكوراتِ، بتواضعٍ وجَرأةٍ وعِفَّةٍ- ويعلمُ اللهُ- حبًّا فقط، في الأدبِ ورُقِيِّه، وتقديرًا للإنسان وحريته. وإنني لم أخْتَر أعمالَهم الأدبيةَ المُتناوَلةَ لنقدِها؛ إلا لقناعتي الكاملةِ الراسخةِ، بأن النقدَ (بمفهومِ التقييمِ والتقويمِ)، لأي فعلٍ إنسانيٍّ في أي مَنحى- مهما كان اسمُ أو شأنُ صاحبِه -هو الحِصنُ الرئيسُ-إن لمْ يكُنْ الأولَ – للنهوضِ والسُّمُوِّ بالإنسانيةِ وبالأوطانِ؛ ما لَمْ يكُنْ هذا النقدُ نقدًا للنقض وحَسْب. وإنما إبداعٌ على إبداعٍ، فَحَسْب. واللهُ من وراءِ القصد. ض. ط
مهندس ضياء طمان
مَسْعًى نقدي ومُقارَبَات أظنُّها ناجزةً في النادر مِن أشعار العباقرة: صلاح جاهين ـ محمود درويش ـ أدونيس ـ لوركا ـ وفي النادر مِن قصص الجهابذة: يوسف إدريس ـ محمد المخزنجي ـ يحيى الطاهر عبد الله ـ ناتالي ساروت.
محمود درويش- رحمه الله
والآن .. آنَ الأوانُ لنتَطَرَّقَ إلى قصيدةِ “محمود درويش ” الذَّائِعَةِ الصِّيت شعرًا وغناءً: ” أحِنُّ إلى خُبْزِ أُمِّــي ” لِشَعبِيَّتِها، التي ساهم فيها -بالنصيب الأكبر – الفنان الكبير مارسيل خليفة، وأيضًا لِمَثَالِبِها التي أراها جَلِيَّةً كالشَّمس. ولا أعلمُ لماذا لَم يَــرَ تلكَ المَثَالِبَ سِواي حتى الآن؟! تُرَى هل نقدي وتقييمي المُجَرَّدُ لهذه الأسماءِ الكبيرةِ بأُطرُوحَةِ قياسِ الإبداعِ جاءَ مُنتَصِرًا للإبداعِ أم لِلْمُبْدِع ؟ فَلْنَـــرَ: ــ
” أحِنُّ إلى خُبْزِ أُمِّي
وقَهْوَةِ أُمِّي
ولَمْسَةِ أُمِّي
وتَكْبَرُ فِيَّ الطُفوُلَةُ
يَوْمًا على صَدْرِ يَوْمِ
وأعشَقُ عُمْرِي لأنِّي
إذا مِتُّ
أخجَلُ مِن دَمْعِ أُمِي
خذيني إذا عُدتُ يومًا
وشاحًا لهُدْبِك
وغَطِّي عِظامي بِعُشْبٍ
تَعَمَّدَ مِن طُهْرِ كَعبِك
وشُدِّي وَثَاقِي .. بِخُصلَةِ شَعرٍ
بِخَيطٍ يُلَوِّحُ في ذَيْلِ ثَوبِك
عَسَانِي أصيرُ ملاكا
ملاكًا أصيرُ
إذا ما لَمَسْتُ قَرَارَةَ قلبِك
ضعيني إذا ما رَجَعْتُ
وقودًا بِتَنُّورِ نارِك
وحَبْلَ غسيلٍ على سَطْحِ دارِك
لأنِّي فقٌدْتُ الوقوفَ
بِدُونِ صلاةِ نهارِك
هَرِمْتُ، فَرُدِّي نجومَ الطُّفُولَةِ
حتَّى أُشارِك
صغار العَصافيرِ
دَرْبَ الرُّجُوعِ لِعُشِّ انتِظارِك”
أرى أنَّ هناكَ إشكاليَّةً كبيرةً في بِناءِ هذه القصيدةِ، بَدْءًا مِن ” وتَكْبَرُ فِيَّ الطُّفولَةُ “. فلماذا يقول الشاعرُ- فجأةً- بعدَ حنينِهِ إلى خُبزِ وقهوة ولَمْسَةِ أُمِّه، (وتَكبَرُ فِيَّ الطفولة)؟، ولماذا وَضَعَ حرفَ الواو؟. وإن كانت واو استئنافية أو ابتدائية، فأين ذلك الاستئناف لمعنى ما قبلها. وأين ذلك الابتداء الذي جاءنا متأخرًا قسرًا. ورغم أن الواو الاستئنافية تأتي بجملة لا علاقة بها إعرابًا ولا معنى مباشرًا بما قبلها؛ إلا أنه لابد أن يكون لها علاقة بالمعنى المعنوي غير المباشر بشكل أو بآخر. وهذا الشرط لم يُستوفَ هنا كما نرى. حيث أرى الشاعر قد قفز بحنينه إلى الخلف وحده مرة واحدة، تاركًا المتلقي يستعد ليقفز معه إلى الأمام وفي دمه نكهة خبزة أمه هو ونكهة قهوتها ولمستها. وأعني بالأم هنا أم المتلقي وليس أم الشاعر. وأرجو ألا يتصور القارئ أنني أعني بالقفز للخلف أنه القفز للماضي ولا أن القفز للأمام هو قفز للمستقبل، وإنما قصدت بهما غير المتوقع والمتوقع. وباختصار.. فإن هذا السَّطرَ مُفتَعَلٌ وغيرُ مناسِبٍ في هذا المقام الشعري الإبداعي. فالشاعرُ بِدُونِ مُقدِّماتٍ سوى حنينِهِ يقولُ ــ عَنْوَةً ــ (و) تَكبَرُ فِيَّ الطفولة. ألم يكن أشعَر أن يقول أنا الآنَ طفلٌ بدلًا من وتكبرُ فِيَّ الطفولة؟ ( هي التفعيلةُ لا محالة). وقد يتحفظ البعض على تحفظي ذلك، وأنا معه بشروط، فلغويًّا وشعريًّا قد يكون هذا مشروعًا بعطف المعنى، لكن في هذا الموقع، فلا. فقد يستهل الشاعر قصيدته بأن يبدأها بقوله(وتكبر فيَّ الطفولة) بواو الابتداء بلا مقدمات، لأنها في هذه الحالة هي المقدمة ذاتها. بل ومن الممكن أن نعتبرها أيضًا عطفًا على معنًى باطني لم يصرح به الشاعر لمتلقيه. وقد يكون موقعها التي جاءت فيه مناسبًا؛ شريطة أن يسبقها ولو لفظة واحدة تمهد لمجيئها. لكن أن تأتي هكذا بواو أو بدون واو في هذا المكان، فهذا ما نصفه بلي ذراع السياق التدريجي للقصيدة بلا مبرر تِقني. وأعلم جيدًا لماذا تداعت في ذاكرتي الآن (ربنا ولك الحمد)، التي نرددها كمسلمين عند إنهاء الركوع بعد(سمِع الله لمن حمد). وكم تساءلت عن سبب وجود تلك الواو التي تسبق (لك الحمد)؟!.. وقد تحفظت على تلك الواو وما زلت، وآخر تلك التحفظات كانت في عُمرتي العام الفائت هاتفيًّا، داخل الحرم مع أحد شيوخ الإفتاء الموقرين، الذي أفادني بقبولها كذلك بلا أسباب، ولم أقبلها.

وما هي هذه الصورة الشعرية المُفتَعَلَة كذلك: “يومًا على صَدرِ يَومِ” ؟ وماذا أفادَت كلمة صَدر هنا؟ هل أدهشَتْنا مثلًا، أو أضافَت شيئًا؟ وماذا لو أصبحت صدر (حِجر أو ظهر أو حتى قلب). فأنا لا أقصد الكلمات في حد ذاتها وإنما الصورة والمعنى الناتج منها. وهل كان طبيعيًّا أن يتذكر الشاعر بعد تلك القفزة الخاطفة الخلفية المباغتة، طفولته يومًا على صدر يوم بهذا الهدوء وتلك السكينة في تلك القصيدة القصيرة المبتسرة في أكثر من موضع؟! وهو لم يُلمِح لنا بذكرى دقيقة واحدة من تلك الأيام والشهور والسنين العديدة التي تداعت في ذاكرته مع ذلك الحنين؟! وتأتي أيضًا (و) أعشقُ عمري لأني، على نفس المنوال وبنفس القفزة الورائية بدون المتلقي الحر وبنفس النتيجة. هذه الجملة كان لا بُدَّ أن يكون تركيبُها أكثرَ انسيابيَّةً. لكن المعنى لو فَصَلناهُ أو اجتزأناه من القصيدة فقطعًا يصبح البناءُ طبيعيًّا ورشيقًا ورائعا. لكن داخل القصيدة بما جاء قبلها وما جاء بعدها فلا. فالشاعر يقهر الكلمات والمعاني بأكثر من واو، لا محل لها من العطف أو الاستئناف أو الابتداء، مدَّعيًا صناعة فضاء شِعريٍّ يَظُنُّهُ جميلًا لكن الحقيقةَ لا، للأسف. ويعود ليبدأ من جديدٍ بسطرٍ يَصلُحُ لأنْ يكونَ الاستهلالَ لهذه القصيدةِ، برغم منطقية الاستهلال الأساسي الذي بدأ فيه بالحنين. لكنني أزعم أن القصيدة في مجملها تَمَّ عمل بعض التوفيقات لها مِن أكثر من قصيدة، أو مقاطع حاول فيها الشاعر الكبير محمود درويش دمجها في توليفة لم يقنعنا بها وبتراتُبِيَّتِها البديهية. وأرجو من مُريديه أن يتخيلوا أن قصيدة ” أحِنَّ إلى خُبزِ أُمِّي ” كُتِبَتْ بِدايةً مِن: “خُذِيني إذا عُدتُ يومًا” برغمِ أهميَّةِ السطورِ الأولى التي تَحَفَّظتُ عليها لانفصالِها التام موضوعًا عن بقِيَّتِها التي تبدأ بــ “خُذِيني إذا عُدتُ يومًا ” .
وتظلُّ القصيدةُ، حتى برؤيتي هذه التي أحاول فيها أن أجد أيَّةَ مُبرِّراتٍ فنيةٍ شعرية، قصيدةً مفَكَّكة، صورها غريبة، بمعنى شاذة، وليست غريبة بمعنى مدهشة. فلماذا تأخذُهُ أمُّهُ وشاحًا لهُدبِها؟ وما قيمةُ هذا الوشاح للهُدب؟ وهل يجوزُ للابن أن يقولَ لأمِّهِ
خذيني وشاحًا؟ أَم هي التي تقول له إنَّكَ يا بُني وشاحي، أو وشاحُ هُدبي؟ لكن أنْ يطالب الابنُ أمه شِعرًا بأن تأخذه مَداسًا أو حذاءً لها، فهذا لا شك، أوقعُ وأشرفُ وأجملُ وأشعَر.
ثم يستكمل الشاعر الكبير صُوَرَهُ الغريبة بـ “غَطِّي عِظامي بعُشْبٍ تَعَمَّدَ مِن طُهْرِ كَعبِك”، التي تحيلنا- بلا مناسبة وبلا مقدمات أيضًا- إلى(كعب أَخِيل) وأمه (ثيتس) الحورية التي عمدته في نهر (سيتكس)، ليصبح من الخالدين وهي تمسكه من أحد كعبيه، فيصير ذلك الكعب الذي لم يغمس في النهر هو نقطة ضعفه الوحيدة. والتي يستغلها (باريس) ابن ملك طروادة، فيقتل أخيل بسهم في ذلك الكعب؛ انتقامًا منه لقتله شقيقه (هكتور). وكأن الشاعر خلط بين كعب أخيل وهو نقطة ضعفه وبين كعب أمه الطاهر طبيعيًّا ودائمًا، باعتباره نقطة قوة. وأيًّا كان الخلط مقصودًا أو لم يكن كذلك، فهي صورة مزعجة وقلقة ومقعَّرة تقعيرًا أدّى إلى تشويه المعنى النبيل الذي أراده. بل لقد أدَّت إلى لا معنى لا محالة. وبعدها نأتي إلى(وشدي وثاقي بخصلة شعر).. لماذا تلك الماسوشية التي تحيل الشاعر إلى مَسخٍ لا إلى ملاك كما تمنى؟! وخصلة شعر من؟!.. المفترض أن تكون خصلة شعر أمه وليس أي شعر، فتكون(خصلة شعرك). وأي خيط هذا الذي يلوح في ذيل ثوبها في (بخيط يلوح في ذيل ثوبك)؟!. ويلوح بماذا؟!.. ويلوح لمن؟!.. ولماذا يلوح أساسا؟!.. أسئلة كثيرة ساذجة لا أبحث لها عن إجابة. هي إذن صورة في غاية الغرابة والصعوبة. وكل هذا لماذا؟!.. ( عساني أصير ملاكًا.. هل هذا معقول؟! أليكون الشاعر ملاكًا كما يريد، أكان عليه أن يعبر عن ذلك بتلك الصور المُريبة؟!، التي لا تناسب مردود القصيدة أو غايتها أو مضمونها؟!. ويعود الشاعر مكررًا- بوَهنٍ شعري- ( ملاكًا أصير).. متى؟!.. (إذا ما لمست قرارةَ قلبك). أيكون بكل الصور المجازية الغريبة الفائتة قد لمس قرارة قلب أمه؟!..كيف؟ ونلاحظ الانفصام الواضح بين ما قبل( عساني أصير ملاكًا.. ملاكًا أصير) وما بعدها. فمن المفترض أن يكون ما قبلها تمهيدًا ليكون ملاكًا، لكن الشاعر فصل فصلًا تعسفيًّا تامًّا بينهما لأسباب لا يعلمها إلا الله. فهو يطلب منها أن يكون وشاحًا لهدبها، لا أن تكون هي وشاحًا لهدبه، مع تحفظي الشديد على مقولة(وشاح الهدب). وأيضًا يطلب منها أن تغطي عظامه بعشب تعمد من طهر كعبها، وأن تشد وثاقه بخصلة شعر، فربما يصير ملاكًا- بعد كل ما طلبه- بلمسة من قرارة قلبها. ثم يعود ليبدأ من جديد بعد أن مهد لانتهاء القصيدة، فيقول: (ضعيني إذا ما رجعت وقودًا بتنور نارك).. لماذا بعدما يصير الشاعر ملاكًا يطلب من أمه أن تضعه- إن رجع- وقودًا بتنور نارها؟! وكيف؟!، فالتَنُّور هو الفُرن (وليس فرن النار، ولا تَنُّور النار) لكن هاجس إشباع التفعيلات الغالب عند الشاعر يسوقه لصور ومعانٍ ومضامين ملتبسة. أليس من البديهي والجميل والبسيط أن يقول (وقودًا بِتَنُّورك) “وحبلَ غسيلٍ على سطحِ دارِك” (بمعنى ضَعيني حبلَ غسيلٍ … إلخ) لماذا؟ .. “لأني فقدتُ الوقوفَ بدونِ صلاةِ نهارِك”. الشاعر يطلب من أمهِ أن تجعله أو تضعه حبلَ غسيل على السطح لأنه (فقد الوقوفَ بدونِ صلاةِ نهارِ أمِّه). لا أعلم سردًا أو شِعرًا كيف يفقد الإنسانُ الوقوفَ أولًا، ثم [يفقده بدون صلاة نهار أمِّه، (صلاة نهارِها فقط) ]. ثانيًا: أيّ وقوفٍ كهذا ؟ وإذا كان الوقوفُ يُفقَدُ بذلك الشَّكل، فهل يعني هذا أن تجعلهُ أُمُّهُ حبلَ غسيلٍ على سطحِها؟ بمعنى ما دام قد فقد الوقوفَ ، فالأفضلُ لهُ ولأُمِّهِ أن يكونَ حبلَ غسيل..
ثم يأتي درويش ــ رحِمهُ الله ــ بالطامة الكبرى ليضع سطرًا لا محلَّ لهُ من الإعراب ولا من الشِّعرِ ولا من شيء: “هَرِمتُ فرُدِّي نجومَ الطفولة”. فهذا السطرُ يناقض ويضرب معمارَ قصيدتِهِ في مقتلٍ مِن بدايتِها إليه. والتساؤل هنا: هل الشاعر تكبر فيهِ الطفولةُ، وكذا وكذا … أَم هَرِمَ فجأةً ؟ .. إشكالياتٌ معقَّدة في تراكيبِها، لكنَّها سهلةٌ في اكتشافِها وتقييمِها. ويزيدها غرابةً.. (“.. فَرُدِّي نجومَ الطفولةِ .. حتى أُشارِك.. صِغارَ العصافيرِ.. دَرْبَ الرجوعِ لعُشِّ انتِظارِك”) فهل من الطبيعي أن يُطالبَ الشاعرُ أُمَّهُ أن تَرُدَّ إليهِ نجومَ الطفولةِ بعدَ كُلِّ ما قاله؟!
في هذه القصيدة يُبَرِّرُ درويش (بلا مُبَرِّرٍ)، بعد كُلِّ ما قالَهُ سببَ طلبِهِ من أمهِ أن ترُدَّ نجومَ الطفولة، ذلكَ حتى يُشارِكَ صغارَ العصافيرِ دَربَ الرجوعِ.. عفوًا .. لا لِعُشِّها، ولكنْ لِعُشِّ انتظارِها. حتى تركيبة (عُشِّ انتظارِك) ليست مؤنِسَةً ولا جميلة؛ لأنَّ “عُشّ” جاءت مضافًا لِمُضافٍ إليه (مصدر) وليست مضافًا لمضافٍ إليه ( اسم ).
باختصار.. أرى أنَّ الشاعر الكبير محمود درويش لم يكن مُبدِعًا في هذه القصيدة مِن بدايتِها إلى نهايتها. فهي مجموعة من السطور غير الصالحة للاستخدام الشعري، أو مجموعة من المقاطع المجازيَّةِ الغريبة التي لم نعتد عليها منه، وأظنه هو الآخر لم يعتد كذلك عليها. حاولَ درويش صهرها معًا لِتُكَوِّنَ قصيدةً خالدة بقامةِ قصائِدِهِ الأُخرَيات الفارقات، لكنَّهُ لم ينجح بالنسبة لي وربما لغيري. وأظُنُّهُ قد (قَرَّرَ) أن تكونَ في أشعارِهِ قصيدةٌ للأُم، فعمِلَ (كولاج) لمقاطع كان قد كَتَبَها منفرِدةً ومُستقِلَّةً على فترات بلا رابط، كما يحدثُ لكُلِّ المبدعين، وعندما لم يأتِ الشِّعرُ انسيابيًّا للأُمِّ، أَتَى بِهِ هو تحتَ ضغط. وشَتَّان بينَ الشِّعرِ الذي يأتي طَوعًا، وبين ما نستدعيهِ كَرْهًا وقهْرًا وقَسْرًا.
ولِنقيسَ هذه االقصيدة بمقياسنا الذي نحن بِصَدَدِ تفعيلِهِ، نجد أنَّ المشكلةَ الرئيسةَ، أو المَثْلَبَةَ الرئيسةَ في الضمير الأدبيِّ أو الفنيِّ أو الصِّدقِ الفنِّيّ. فالصدق الفنيُّ أو الأدبيُّ في هذه القصيدة مَعدُومٌ تقريبًا، وكما ذكَرتُ أنَّ قمَّةَ إبداع المبدعين تكونُ في حالةِ تطابُقِ الضمير الإنساني والفني. لكن ” أَحِنُّ إلى خُبزِ أُمِّي ” قصيدةٌ ضميرُها الإنسانيُّ حاضِرٌ بوضوح، وضميرُها الأدبيُّ غائب. وكأنني أزحتُ الضمير للقصيدة وليس لمحمود درويش، وكأنني أقصِد أنَّ محمود درويش هو الجاني في كتابة هذه القصيدة؛ لأنَّ اللحظة، أو اللحظات، أو الشهور، أو السنين (وهذا جائز) التي كَتَبَ فيها هذه الشَّذَرات المُتفرِّقات السالبات، وجَمَعَها في” أحِنُّ إلى خُبزِ أُمِّي” جاءت درجةُ صِدقِهِ فيها ــ معًا ــ صفر% تقريبًا. لكنْ مُؤَكَّدٌ أنَّ كُلَّ مَقطَعٍ، أو كُلَّ سَطرٍ جاءَ بدرجةِ صِدقٍ مُعيَّنة للغرض الذي كُتِب له. فقد يكون بعضها مكتوبًا لغير الأم كما أتصور. لكنَّها أيضًا جاءت فظة وغير مستساغة.
وهَـأنَذَا ــ واللهِ ــ أقرأ قصةَ قصيدةِ ” أَحِنُّ إلى خُبزِ أُمِّي ” أو “إلى أمي” كما أطلق عليها محمود درويش، أقرأها الآن الساعة الواحدة ظُهْر الأربعاءِ الثامِن عشر مِن مارس عام 2020، التي أكَّدَتْ لي مضمونَ نقدِي وقياسي لإبداعِها السَّلبيِّ. فمجرد أن تنتابَ الشاعِر (محمود درويش) أوَّلُ مَشاعِرِ حُبٍّ فيَّاضَةٍ عامَ 1965، أي وعمرُهُ أربعةٌ وعشرون عامًا، تِجاه أُمِّهِ التي ظَلَمَها ــ على حَدِّ تعبيرِه ــ لأنه يشُكُّ في حُبِّها له، لأسبابٍ نفسيَّةٍ تخُصُّهُ وَحدَهُ، بتهميشِهِ بينَ إخوتِهِ، والتي ذابَتْ بمجرَّدِ زيارتِها لهُ في السجنِ بخُبزِها وقَهوتِها. هذه المشاعر الفيَّاضَة الجديدة المُفاجِئةُ لهُ والتي هي بمثابة اعتذار لأمه كانت مُربِكَةً لهُ ولإنسانيَّتِهِ، الأمر الذي قد أدَّى إلى تعلِيَةِ مَشاعِرِهِ وسُمُوِّها إلى أقصى درجةٍ، مِمَّا يُؤدِّي إلى درجةٍ كبيرةٍ تتناسبُ مع تلكَ المشاعِرِ طَردِيًّا مِن التناقضاتِ التي، بالضرورةِ لن تكونَ في صالحِ الإبداعِ، خاصَّةً إذا كتبها بمجرَّدِ انصرافِها بعد زيارتِهِ في السِّجن، بمَشاعرَ متناقضةٍ ساخِنةٍ مُلتهِبةٍ مُضطَرِبةٍ مُتَوتِّرة، كان من المُفتَرَضِ انتظارُها لتكونَ دافئةً تُمَكِّنُهُ مِن كتابتِها بالدمِ لا بالمِداد.
وبالأرقـــام:
1 ــ المُفرداتُ والألفـاظ 10%
2 ــ الـموسيقى: خارجية: 5%
داخليــة : 5%
3 ــ الجُمَل وتراكيبُها ومعانيها (مُرتبِكة) 2% من 10%
4 ــ الصُّوَرُ والأخيِلة: الكُلِّيَّـــة 5% من 5%
الجُزئيَّة (مُرتبِكة) 1% من 5%
5 ــ البِنـــاء: 10% من 40%
6 ــ الخبــرات: 10% من 10%
7 ــ الغايـــــة: 10% من 10%
وبذلك يكونُ الإجماليُّ = 58%
وليست أكثر من ذلك كما كنتُ أراها أنا شخصيًّا في وقتٍ سابق.
-ورغم كل السلبيات التي تضمنها تقييمي لهذه القصيدة؛ إلا أنني لا أنكر تفرُّدَ أسطر ثلاثة منها.. نعم ثلاثة فقط.. وهي:
“وأعشق عمري لأني
إذا مِتُّ
أخجل من دمع أمي”
ففيها إبداع محمود درويش الطبيعي العميق السلس المدهش الحصري، الذي لا التفاف فيه ولا حذلقة بلاغية شائهة ولا فذلكة في صور خيالية مُلفَّقة، لا يستقيم معناها المنطقي واللا منطقي كذلك، كبقية الأسطر الشعرية، التي تناولناها بموضوعية وشفافية؛ بحثًا عن حقيقة الإبداع بِحُرية دونما توجس من نقد النقد أو نقد الناقد. فالنقد في عمومه شهادة حق أمام الحق، الذي لا نخشى به لومة لائم. وإن كنت قد استثنيت تلك السطور الثلاثة من القصيدة المذكورة، ومدخلها الناعم الوجيه كذلك (أحن إلى خبز أمي وأخواتها)، فهذا لا يعني أنني راضٍ عنها تماما. حيث أرى إن المبدع الكبير محمود درويش لم يستثمر(المنطقية في لا منطقيتها) التي هي نِصْف خلاصة مفهوم البلاغة، باعتبار أن (لا منطقية الصورة في منطقيتها) هي النصف الآخر. تلك المنطقية التي تحولت إلى لا منطقية في( إذا مِتُّ أخجلُ). وهنا سر التفرد الذي كان على المبدع ألا يكتفي (بخجله من دمع أمه إذا مات). فخجل الابن هنا لا يكفي شعرًا. ودمع الأم على ابنها الميت لا يكفي شعرًا أيضا. وكان لتلك الرؤية الجديدة غير العادية، التي جاءت في بدايات القصيدة أن تتداعى وتتفجر وتتناثر هنا وهناك؛ ليتغير وجه القصيدة وقلبها، لتصبح غُرَّة على جبين وقلب أم الشاعر، التي أراد درويش تكريمها وتخليدها في حياته وحياتها. بل وغرة على جبين وقلب كل الأمهات. ولا أعلم إن كان من حقي أن أخطر القارئ الموقر، بأنني تمنيت وأنا أكتب هذه المقاربة، أن يكون محمود درويش- رحمه الله وطيب ثراه – حيًّا الآن، لأشرُفَ بلقائه أولًا، وأن أسمع رده ثانيا. وأن أسأله عن مُسَوَّدات هذه القصيدة التي أتوقعها عديدة.
لقراءة الأجزاء السابقة من المقال
مجرد مدخل لقياس الإبداع الأدبي (أو هندسة الوجدان) ( 1)
مجرد مدخل لقياس الإبداع الأدبي أو(هندسة الوجدان) (2)





