تنويه غير واجب:
-رغمَ اختلافي الجَوْهَري البَيِّن مع بعضِ ثوابت وقناعاتِ وقِيَمِ ومبادئِ بعضِ مُبدعي إبداعاتِ هذا المسعى النقديِّ، على مستوياتٍ عِدَّةٍّ، العقائديُّ منها أو الأيديولوجيُّ أو الأخلاقي أو الإبداعيُّ؛ إلا إنني قد تناولتُ إبداعاتِهم النبيلاتِ المذكوراتِ، بتواضعٍ وجَرأةٍ وعِفَّةٍ- ويعلمُ اللهُ- حبًّا فقط، في الأدبِ ورُقِيِّه، وتقديرًا للإنسان وحريته. وإنني لم أخْتَر أعمالَهم الأدبيةَ المُتناوَلةَ لنقدِها؛ إلا لقناعتي الكاملةِ الراسخةِ، بأن النقدَ (بمفهومِ التقييمِ والتقويمِ)، لأي فعلٍ إنسانيٍّ في أي مَنحى- مهما كان اسمُ أو شأنُ صاحبِه -هو الحِصنُ الرئيسُ-إن لمْ يكُنْ الأولَ – للنهوضِ والسُّمُوِّ بالإنسانيةِ وبالأوطانِ؛ ما لَمْ يكُنْ هذا النقدُ نقدًا للنقض وحَسْب. وإنما إبداعٌ على إبداعٍ، فَحَسْب. واللهُ من وراءِ القصد. ض. ط
مهندس ضياء طمان
مَسْعًى نقدي ومُقارَبَات أظنُّها ناجزةً في النادر مِن أشعار العباقرة: صلاح جاهين ـ محمود درويش ـ أدونيس ـ لوركا ـ وفي النادر مِن قصص الجهابذة: يوسف إدريس ـ محمد المخزنجي ـ يحيى الطاهر عبد الله ـ ناتالي ساروت.
– صلاح جاهين- رحمه الله
-ولنَرَ الآن- عمليًّاـ ما هي نسبة الإبداع في رباعيَّة المارد “صلاح جاهين” الأولى التي يقول فيها:
“يا طير يا عالي في السَّما .. طُزّ فيك
ما تفتكــرشي ربنــــــا .. مصطفيـك
بَــرضَـك بتــاكُل دود وللطيــن تعــــود
تمُــصّ فيه .. يا حلو ويمُــصّ فيك”
عجبي
ومعًا نرصُدُ الآنَ ضمير صلاح جاهين وخبراتِهِ في هذه الرُّباعيَّة لنُحَدِّدَ نسبة إبداعِهِ فيها:
1ـ الضمير (ض): أ ـ ضمير إنساني؛ رؤى وسلوك صلاح جاهين مُتَّسِقة تمامًا وكبيرة، طبقًا لسُمعَتِهِ الشَّريفة الطيِّبة بين زملائِهِ وتلاميذِهِ ومُريديه.
ب ـ ضمير فني: شكل + جوهر
شكل: ألفاظ (كلمات) + موسيقى داخلية + موسيقى خارجية 10%
[%10] الألفاظ (الكلمات ـ بدون المُكَرَّر منها، وبدون الحروف)، مجموعُها: يا طير (1) + عالي (2) + السما (3) + طُزّ (4) + فيك (5) + ما تفتكرشي (6) + ربنا (7) + مصطفيك (8) + برضك (9) + بتاكل (10) + دود (11) + للطين (12) + تعود (13) + تمُص (14) + فيه (15) + ياحلو (16).
وهي غزيرة وثريَّة
[%5] الموسيقى الداخلية: السما ـــ ربنا
دود ـــ تعود
[%5] الموسيقى الخارجية (الوزن والقافية): مكتملة أركان قالب موسيقى الرباعية(بحر السريع).. وجاءت القافية: فيك ــ طفيك ــ فيك
[%10] الجُمَل والتراكيب اللفظية
[%10] الصور والأخيـِـلة: أ ــ الصورة الكلية: في مخاطبة الطير المرتفع، والمعنِيّ به الإنسان المغرور أو المتكبر، أو صاحب الجاه أو السُّلطة أو ما شابَه.
ب ــ الصورة الجزئية : غير موجودة، وقد أثَّرَ اختفاؤها سلبًا على الرباعية، إذ لو كانت موجودة لأدى ذلك إلى تعميق وتجسيد وترسيخ المعنى الذي يريد الشاعر توصيله بنسبة أعلى.
[%40] البنـــاء : هو معمار العمل الإبداعي ( الرُباعية) في مَنْطَقَةِ أحداث الرباعية غير المنطقيَّة في هذه الرباعية. فقطعًا الشاعر هنا ليس سيدنا سليمان ليتحدَّثَ إلى الطائر، ومع ذلك قبلنا تلك الصورة الكلية ومعناها النبيل. إلا أنَّ معمار الرباعية المكوَّن من أربع شطرات ( أوطوابق، بلغة المباني)، أراهُ قد أصابَهُ خَللٌ لا يمكن تجاوزُهُ؛ فالرباعيةُ تصل إلى اكتمال معناها في الشطرة الثالتة بعد تغيير كلمة (للطين) إلى (للدود) بحيث تصبح كالآتي:
” يا طير يا عالي في السما .. طُزّ فيك
ما تفتكرشي ربنـــــــا .. مصطفيـــك
برضك بتــاكل دود .. وللدود تعــود “
أمَّا إذا سلَّمنا معًا بضرورة استكمال الشطرة الرابعة للرباعية، لاستكمال وإشباع قالبها الموسيقي، فإنه لا يمكن أن يعود الطير بعد الشطرة الثالثة ، أي بعدَ: (برضك بتاكل دود وللطين تعود) ــ (علشان) ــ يمص الطير فيه .. أي في الدود ؛ فـ (برضك بتاكل دود) جاءت أولًا ، والمفترض أنَّ الطائر سيعود في يومٍ من الأيام ــ بعد موته ــ (علشان) يمص الدود وليس (الطين) فيه، وبالتالي يجب أن تُعَدَّل الشطرة الرابعة لتصبح: (يمص فيك يا حلو …)، وتستكمل الشطرة بمفردات أخرى مثل: (يمص فيك يا حلو .. ويشَفِّيك) أو (يمص فيك يا حلو إنت وأبيك). هذا.. إضافةً إلى تكرار كلمة (فيك) في الشطرة الأولى والشطرة الأخيرة من الرباعية كقافية ؛ فمعناهما واحدٌ كما هو واضح، واستخدام الكلمة المقفَّاة نفسها بالمعنى نفسِهِ مرتين خلال ثلاث شطرات مَثْلَبَةٌ لا يمكن تجاوزها أيضًا ، إذ إنَّها أضعفت الرباعية التي مِن أساسيَّات شروطِها، كما علَّمَنا أستاذُنا الجليل صلاح جاهين، الإثراء بمفردات كثيرة لصياغة معنًى عميق وكبير جدًّا في أقل أسطُرٍ شعريةٍ ممكنة.
وقد يتصور البعض أنَّ كلمة (فيك) في الشطرة الرابعة والتي أنهى بها صلاح جاهين رباعيَّتَه تعني الفم، ويكون ذلك هو المبرر الشرعي الوحيد لتكرار (فيك) مرتين في قافية أربع شطرات، وهذا غير صحيح، لأن صلاح جاهين لو أرادها بمعنى الفم لقال تمص (فاه أو فوه) يا حلو ويمص (فيك) ، ليبرهن لنا من خلال (فاه أو فوه) أنَّ (فيك) هي الوجه الآخر لـ (فاك أو فوك)، بغضِّ النظر عن عربيَّتِها الفُصحى وموقعها الإعرابي أو عربيَّتِها المصرية التي اشتُهِرَ مُعَلِّمُنا الجليل بِدَمْجِهِما بمُنتهى النعومة والانسيابيَّة.
[%10] الخِـبــرات : خبرات الشاعر الكبير صلاح جاهين الزمانيَّة والمكانيَّة في هذه الرُّباعية، خبرات كبيرة وضخمة أدَّت إلى تهذيب المعنى الكبير جدًّا، الذي اختزله إلى هذه الأسطر الأربعة، والذي قد يأخذ عند شعراء ومبدعينَ آخرِين صفحاتٍ عديدة.
وتَتَّضِح هذه الخبرة من رِقَّة وعُذُوبة وخِفَّة دم التناول والتراكيب اللفظية، وبرغم استخدام كلمات نابية مثل (طُزّ فيك) إلا أننا لم نستهجنها مطلقًا، بل إنَّ استخدامها في هذه الرباعية دليلٌ دامِغٌ على خبرات مصرية غاية في الذَّكاء والحِنْكة.
[%10] الغاية من الرُّباعية : نبيلة وسامية ومُوحِية. وقد أدَّت إلى تأكيد مفهوم توخي الغرور والتعالي الذي أراد صاحبها توثيقَه.
وكما هو موضَّح، تمَّ تقدير عناصر الإبداع بجزئيَّاتِها كالآتي:
1ــ المفردات والألفاظ تمثِّل 10% من 10%
2 ــ الموسيقى .. خارجية 5% من 5%
داخليـــة 5% من 5%
3 ــ الجمل وتراكيبها اللفظية 7.50% من 10%
4 ــ الصور والأخيلة .. الكلية 5% من 5%
الجزئية 2.5% من 5%
5 ــ البِنـــــاء 20% من 40%
6 ــ الخبرات 10% من 10%
7 ــ الغايــــة 10% من 10%
وقد يتحفَّظُ البعضُ على هذا التقدير بالزيادة أو النقصان، وهنا ــ قطعًا ــ يكون للتحفُّظِ وجاهتُه، فقد تكون نسبة الصور والأخيلة عند ناقِدٍ تمثِّل 20% من القصيدة، وقد يكون البناء عند آخَر60% ، لكن يظلُّ تقييم الجميع بعد تثبيت نِسَب عناصِرِ الإبداع عند كُلِّ مُقيِّمٍ أو ناقد للأعمال الإبداعية لمُبدعٍ واحدٍ، أو لأكثر من مبدعٍ، تقييمًا عادِلًا لا محالة. فالعِبرةُ بتثبيتِ النِّسَبِ من وجهة نظر الناقدِ للإبداعِ وليس بقيمتها ما دامت لن تتغير عنده من عملٍ لعمل، أو من (شاعرٍ لشاعر).
وأرى أنَّ تقدير الناقد لنِسَبِ عناصِرِ الإبداعِ من وجهة نظرِهِ هو نقطة قوَّةٍ لا ضَعف، كما قد يتراءى للبعض، لأنَّها تؤكِّد مُرونةَ قياسِ الإبداعِ الأدبيِّ، باعتبارها وجهة نظر نقدية عند كلِّ ناقدٍ، ما دام الناقدُ ذاتُهُ سيستخدم النِسَبَ نَفسَها لكلِ الإبداعات التي يتولَّى تقييمَها، مِمَا يدفعه لِتَحَرِّي العدل الذي بِهِ وحده يستعيدُ المُبدِعُ ثِقَتَهُ في نُقَّادِهِ أينما ثُقِفُوا.
وإنْ كنتُ قد قدَّرتُ كُلَّ العناصرِ بنسبة 10% عَدَا البناءِ الذي قدَّرتُهُ بـ 40% ، فلهذا مِنطِقُهُ الهَندسِيُّ عند المُهَندِسين، إذ تُعتَبَرُ تكاليفُ الهيكلِ الخرسانيِّ للمُنْشَأ ومبانيهِ في حدودِ 40% من تكاليف المُنشَأ كَكُل. أي إنَّ الهيكلَ الخرسانيَّ والمباني تُمثِل 40% من إجماليِّ المبنى، وبقية الأعمال (التشطيبات بحذافيرها) تساوي 60%.
ومجازًا اعتبرنا أنَّ مجموع هذه التكاليف تُمثِّلُ إجماليَّ قيمةِ الإبداع، وبالتالي جاءت قيمةُ البناءِ في الرباعية 40%، وبقية عناصرِ الإبداع 60% . وبالعودة إلى تحديد نِسَبِ إبداعِ عناصر الرباعية، نَجِدُ أنَّ إجمالِيَّها 75% ، بعدما قدَّرنا نسبة الجُمل والتراكيب اللفظية ومعانيها بــ 7,5% ، وبعدما قدَّرنا الصور بــ 7,5% ، وبعدما قدَّرنا نسبة البناء بـ 20% . وبذلك تكون الرباعية قد فقدت رُبعَ نسبة التراكيب، ونصفَ نسبة البناء.
هكذا تَمَّ تقييم رباعيَّة (الطير العالي) بنسبة مئوية 75% ، بعد أن فقدَت 25% . وبالمقاييس نفسِها نبدأ في تقييم رباعية :
“البَطّ شـــال.. عَـــدَّى الجِبـــال والبحـــور
يامـــا نفسي اهِجّ أحــج ويَّــــا الطيـــور
أوصيك يا ربِّي .. لمَّـــــا امــوت والنبــي
ما تودِّنيش الجنَّــــة للجنَّـــة ســـــــور “
عجبي
فهذه الرباعية الشائكة التي نقضها كثيرٌ من المتلقِّين وبعض النقاد من الوجهة الدينية، لما فيها ــ في تصورهم ــ من تجاوزٍ في مخاطبة الخالق سبحانه وتعالى، هي التي دفعتنا لتناولها في أطروحة قياس الإبداع الأدبي أو “هندسة الوجدان” التي بين أيدينا، لا لنشاركهم ذلك النقد، بل لننقد وننقض نقدَهم ونقضَهم لها مع قياس قيمتها الإبداعية ذائعة الصِّيتِ وشهرتها لتكون أنموذجًا للقياس المذكور.
وإنْ كنَّا سنبدأ بالدفاع الدينيِّ عنها فذلك لِحُسنِ ظَنِّنا بالفارس الرقيق الإنسان صلاح جاهين صاحب الخُلُقِ الرفيع الذي شهِدَ لهُ بِهِ مُعارضوه قبل مُريديه. فمن يخاطب ربنا بهذا الود وهذه الحميمية، ويسعى للحج في رباعيته، ويُوصِي ربَّنا معترفًا بِرُبوبيَّته، وبالجنةِ وبالحجِّ وبالنبيِّ مُحَمَّدٍ عليه الصلاةُ والسلام، كما هو مفهوم في السياق، يوصي ربنا بعدم إدخاله الجنة لأنَّ لها سُورًا. ومن وجهة نظري أنَّ هذه القربى إلى الله، وهذا الوداد من أديبٍ مُبدِعٍ كصلاح جاهين لربِّه بعد كُلِّ تلك المفردات الإيمانيَّةِ التي ذكرناها، برغم تحفُّظِه ــ بِرِقَّةٍ ــ على دخول الجنَّةِ لأنَّ لها سُورًا، لا ولن تنفي إيمانية صلاح جاهين الشاعر أبدًا.
وإنْ كانَ صلاح جاهين المؤمن الذي لا أُزكِّيهِ على الله ، تركَ العِنانَ لإبداعِهِ في هذه الرباعية الجميلة دون أن يحُدَّها سقفٌ، ودونَ أن يُقِرَّها بعقلِهِ بعد أن كتَبَها وأقَرَّها بوجدانه، فللأسف كان من المُمْكنِ، بمُراجعةٍ وتدقيقٍ بسيط، أن يُخلِّدَها وتُخلِّدَهُ لا عند مريديهِ المُلحِدِينَ فقط؛ بل وعند مُريديهِ المؤمنينَ كذلك. لكنْ يبدو أنَّ انبهارَهُ بها وبفِكرتِها وبصياغتها الانسيابية، ومُغايَرَتِها لِجُلِّ رُباعياتِهِ، قد دفعَتْهُ دَفعًا لاستساغتِها كامِلَةً. لكنْ هكذا كانَ قَدَرُهُ وقَدَرُنا، ربما لنتدخَّلَ في تقويمها الأدبيِّ عَلَنًا، والذي بِدَورِهِ قد يؤدِّي إلى اهتمام المُبدِعينَ بتدقيقِ إبداعاتِهِم وإقرارِها عقليًّا بعد إقرارِها وجدانيًّا، أثناءَ وفَورَ الانتهاءِ من إبداعاتِهِم، مِمَّا يُعطيهِم ويُعطينا الفرصةَ لإثباتِ حُسنِ نواياهم، وإثباتِ حُسنِ نوايا النُّقَّادِ أيضًا،؛ أيًّا كانت أَيْدِيولوجياتُهم أو معتقداتُهم
وباستخدام المُقَوِّماتِ والعناصرِ نفسِها التي استخدمناها في تقييم رباعية “الطير العالي” ، جاء تقديرُنا لها باختصار كالآتي:
1 ــ المفردات والألفاظ: 10%
2 ــ الموسيــقــى: خارجيَّــــة 5%
داخليَّــــــة 5%
3 ــ الجُمل وتراكيبها اللفظية: 5% من 10%
4 ــ الصُّوَر والأخيِلة: الكُلِّيَّـــــــة 5%
الجُزئيَّــــة 5%
5 ــ البِنـــــــاء: 20%
6 ــ الخِبــرات: 10%
7 ــ الغايــــــة: 10%
الإجمــــــالي = 75%
تمامًا كنسبة الرباعية السابقة، لكن مثالِب هذه الرباعية جاءت في الجُمَلِ وتراكيبِها اللفظية ومعانيها وفي البناء ، بينما كانت مَثالِبُ الرباعيةِ السابقة في الجُمَلِ والصًّور والبناء. ويعلمُ اللهُ أنني لم أتعمَّد تَسَاوِي قِيمَتَي الرباعيَّتَين، لكن هكذا ــ بأرْيَحِيَّةٍ ــ جاءت. لكن ما يُهِمُّني ويُهِمُّكم الآن هو ماهية مثالِب هذه الرباعية الإبداعية بعيدًا عن لَغَطِها الدِّينيِّ المُلتَبِس على الكثير.
فإنْ كان ” البط شـــال.. عَدَّى الجِبـــال والبُحـــور “
فهذا جميلٌ ومُفتَتَحٌ فاتِنٌ لرُباعيَّةٍ يجعل مُتَلَقِّيها في شَغَفٍ لِما هو آت.
وإنْ كان ” يا ما نفسي اهِجّ.. أحِجّ وَيَّـــا الطيور “
شَكلًا مقبولة، لكن موضوعًا ليست كذلك. فالشاعر تكلَّمَ عن البط في الشطرة الأولى في الرباعية، فلماذا يأتي بالطيورِ جميعِها الآن؟ ، مع يقيني تمامًا بأنَّ البطَّ من الطيور، أم هو الخروج من الجُزءِ إلى الكُلِّ؟. حتى إن كان ذلك هو المقصود، فهل هذا يعني أنَّ الشاعرَ ذاتَهُ طائرٌ من الطيور الأخرى وليس البط؟ إذَن ما المغزَى هنا من هذا الجُزءِ وذاكَ الكُل؟ ألم يكن “(القلب) شال عَدَّى الجِبال والبحور” أَوْلَى، أو أي كائنٍ حقيقيٍّ أو معنَوِيٍّ آخَر؟ وإذا تجاوزنا تلك التركيبة، واعتبرنا البط هو طائر الخصوصية عند صلاح جاهين، لماذا لم يؤكِّدْ في الشطرة الثانية على ذلك؟ أو يُضِفْ معنى الحرية الذي مَهَّدَ له بــ أهِجّ و أحِجّ . وكأنَّه كان من الأجدى والأجدر أن يفتَتِحَ رباعيَّتَهُ بــ ” ياما نفسي اهِجّ .. أحِجّ ويَّــا الطيور ” ويستكمل الرباعية بالتيمةِ نفسِها دون الدخول في أسماء الطيور المختلفة ( البط أوالصقر أو غيرهما). أو كان من المُمكِن أن تتحول الرباعيَّة إلى ثلاثيَّة إنْ أرادَ، برغم أنها لن تكونَ مُشبِعةً كما يريد. وبِرَغمِ ذلك فبِبَعضِ التصرُّفِ والتُؤدَةِ، كان من المُمكنِ والبديهيِّ أن يقولَ في الشطرة الثانية: (يا ما نفسي اهِجّ أحِجّ ومعاه أثور) مثلًا. بذلك يكون المعنى الذي أراده صلاح جاهين قد تحقق، فلا هو أغفَلَ البط في الشطرة الثانية، بل أكَّدَ أنَّهُ هو، ولا هو خرجَ من الجُزءِ إلى الكُلِّ بلا ضرورةٍ فنِيَّة. بل جاءت كلِمَتا (ومعاه أثور) أي (ومع البط أثور) بِمِا لـ (أثور) من دَلالةٍ على الحرية المُطلقة التي يريدها الشاعرُ لنفسِه حتى لو كانت في الجنة.
وتجيءُ بعد ذلك الشطرةُ الثالثة :
” أوصيك يا ربِّــي.. لَمَّا اموت.. والنَّبي “
بهذا الضَّعفِ وهذا الرَّجاءِ، وهذه العفوية وهذه الانسيابيَّةِ، بل وهذا الإيمان تمهيدًا لقُنبُلةِ الرباعيَة في خاتمتِها عندما يطلبُ من الخالِقَ ــ جَلَّ شَأنُهُ ــ ألَّا يُدخِلَهُ الجَنَّةَ ، فلها سُور. وهنا خَلَلٌ كبيرٌ في بناءِ الرباعيَّة، إذ قَرَّرَ هذا الإنسانُ الضَّعيفُ الذي يسعى للحُرِّيَّة أنَّ الجَنَّةَ لها سُور، بِرَغمِ أنَّه لم يَرِدْ ما يُثْبِتُ ذلكَ في القُرآنِ الكريم أو في السُّنَّةِ، أو حتَّى في اللغة؛ فالسُّورُ للحديقةِ وليس للبُستانِ أو الجَنَّة. ومع ذلك، فالشاعرُ لهُ أنْ يَشُكَّ في وجودِ هذا السُورِ مِن عَدَمِهِ، لكنْ أنْ يُؤَكِّدَ ذلِكَ في: “لِلْجَنَّة سُور “، إذَن لماذا كتب صلاح جاهين هذه الرباعية لك ثم لنا ما دامَ واثِقًا من أنَّ الجَنَّةَ لن تكونَ مكانًا للحُرِّيَّةِ والحياةِ والخُلُود الذي يستحِقُّهُ الإنسانُ الصالحُ كصلاح جاهين بإذنِ اللهِ وحَولِه. واعتراضي على هذه الجُزئيَّةِ في بناءِ هذه الرُّباعيَّةِ ليس لأنني واثِقٌ مِن أنَّ الجَنَّةَ ليسَ لها سُورٌ، بل لأنَّ هذا البِناءَ أنقَصَ الفضاءَ الشِّعريَّ المفتوحَ وقَلَّصَهُ بِهذا السُّور الذي اطَّلَعَ عليهِ الشاعر صلاح جاهين وحده دونَ غَيرِهِ، إذْ في الوقتِ الذي يسعى فيهِ المُبدِعونَ لإنتاجٍ أدبِيٍّ مُغايِرٍ غير مُحَدَّدَةٍ خواتيمُهُ، يقومُ الشاعر صلاح جاهين بطَلَبٍ غريبٍ لسبَبٍ أغرب: ” ما تودِّنيش الجَنَّـــة.. لِلْجَنَّـــة سُـــور “. وأتساءلُ في براءةٍ شديدة: ألم يكن من الأجدَى والأجدرِ؛ بل والأشعر، أن تنتهي الرباعيةُ بــ (ما توَدِّنيش الجَنَّة .. لَو لِيها سُـــور) ألم يكُنْ بذلِكَ قد احتفظَ بالحُسنَيَيْنِ مَعًا؛ دينًا وإبداعًا؟ وتكونُ النِّهايةُ ، على أيَّةِ حالٍ، رَحبَةً كما يُحِبُ كُلُّ المُبدِعِين. لقد جاءَ تَحَفُظِي على بناءِ هذه الرُّباعيَّةِ وتراكيبِها شِعرًا لقياسِها الإبداعيِّ، وليس لقياسِها الدِّينِيِّ، كما ذَكَرْت.
“أحب أعيش ولو أعيش في الغابات
أصحى كما ولدتني أمي وأبات
طاير.. حِوان.. حشرة.. بشر بس اعيش
محلا الحياة حتى في هيئة نبات”.
عجبي
هذه الرباعية المدهشة شكلًا، رباعية ضعيفة البناء. باختصار ودونما إسهاب أتساءل.. عسى أن يكون سؤالي إجابة.. هل النبات هو أقل وأحقر شيء في الخلائق التي خلقها الخالق سبحانه وتعالى؟! والتي جاءت كلمة (حتى) في الشطرة الأخيرة من الرباعية، دليلًا على تلك القلة والحقارة.
ألم يكن من الطبيعي والبديهي أن تكون الحشرة هي أقل وأصغر وأتفه مخلوق في نظر أي إنسان طبيعي؟ وأي شاعر حتى صلاح جاهين
مع إيماني التام، بكمال كل الخلائق، أيًّا كان حجمها وشكلها وأيًّا كانت هيئتها ووظيفتها. ألم يضرب الله سبحانه وتعالى بالبعوضة.. هذه الحشرة الصغيرة الضعيفة مثلًا في سورة البقرة الآية 26، في قوله:(إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا
ما بعوضة فما فوقها)؟. وقوله سبحانه وتعالى(لا يستحيي) التي جاءت لتؤكد شدة ضعف وضآلة تلك الحشرة، التي يستهين بها كل البشر؟
وإن جاء النبات في ذيل قائمة الخلائق التي تمنى عملاقنا الكبير صلاح جاهين- حبًّا في الحياة والخلود- أن يكون في هيئته لقناعة ما، لباركْتُ ذلك دون أدنى تحفظ. لكن في مثل هذه القناعات الغريبة(المشروعة)، وجَبَ على صاحبها المبدع أن يوحي لنا بها، بشكل فني طبعًا. لذا.. فالشك أولى بألا تكون الحشرة أرقى وأجمل وأبقى من النبات عند الجميل النبيل صلاح جاهين، بل ولا عند غيره من البشر كما أتصور.
وإن كانت القافية هي التي أوْدَت بتلك الرباعية إلى قصورها وأدت إلى تلك الأسبقية في الترتيب؛ فإقرارها منه على ذلك الوضع إقرار غير موفق.
وعليه.. تكون درجات قياس هذه الرباعية 75 درجة شعرية من مائة، حيث لم يُنتقص منها في جميع محدداتها سوى 25 درجة شعرية فقط من درجات البناء .
عفوّا أستاذي الأعظم صلاح جاهين.. هكذا أرى رباعيتك الخالدة بمفهومك، بعد ترتيب بنائها:
“أحب اعيش ولو أعيش في الغابات
أصحى.. كَمَا.. ولدتني أمي وأبات
بَشَر.. حِوان.. طائر.. نَبات.. بس اعيش
وحتى لو حشرة الحياة شربات.” (تُنطَق كلمة شربات بترقيق حرفيِّ الشين والباء، لتتضاهى مع قافية الرباعية تماما)
وتحضرني في هذا المقام رباعية خرافية من عيون رباعيات القدير صلاح جاهين، والتي أراها إحدى درر رباعيات الشعر العربي والمصري على إطلاقهما، وهي:
“أعرَف عيون هِيَّه الجمال والحسن
واعرف عيون تاخد القلوب بالحضن
وعيون مخيفة.. وقاسية.. وعيون كتير..
وبحس فيهم كلهم بالحزن.”
عجبي
آه وألف آه.. ما هذا الحزن الدفيء الوثير؟ ما هذا الجمال الودود؟ وما هذه الرؤية الساحرة؟ التي تبعث فينا روح عذابات صلاح جاهين وعذوبته، وما تلك(العيون الكتير)؟،التي اكتمل بها البناء، بمنتهى الشمولية والحصرية الكاملة للعيون على اختلاف نوعياتها ورؤيوياتها، التي عرفها الشاعر الأسيف، ويعرفها كل المتلقين، ربما بلا استثناء. تلك رباعية حريرية الملمس، زلزالية الصدى، رغم إنها ليست من الرباعيات الشهيرة لرباعيات الكبير صلاح جاهين. ويبدو أن سبب رصانة ومتانة وصفاء هذه الرباعية عائد لبنائها المحكم المؤسَّس على قواعد هندسية لا تشوبها ثغرة. ذلك البناء الذي يؤكد أطروحتِي لضميرَيِ المبدع، اللذَينِ تطابقا تطابُقًا تامًّا، لسمات صلاح جاهين الشخصية، التي يعتريها الشجن والحزن النبيل. بخلاف الرباعية الفائتة الفَرِحَة التي لم يتطابق فيها ضَميراهُ الإنسانيُّ والأدبيُّ التطابقَ المطلوب. ولا يعني ذلك اللا تطابق أن الشاعر البريء صلاح جاهين، ادَّعى حبه للحياة في الرباعية المذكورة، وهو غير قانعٍ بذلك قناعة كاملة- على الأقل وقت كتابة الرباعية-، وإنما هي قناعة نسبية مغلّفة بالألم العام والخاص، الذي تنضح به جُلُّ إبداعاته. والدليل على ذلك؛ أنه تمنى أن يكون أيَّ كائنٍ من الكائنات الحية، لا كإنسان فقط. وقد يتصور البعض أن ذلك التمني هو الدليل على حبه الجامع الشامل للحياة، أيًّا كانت هيئة الشاعر، وهذا مستحيل. فالإنسان الذي يحب الحياة لابد أن يحبها كما هو. لكن من الجائز والطبيعي والبديهي إن لم يحبها، ألا يحبها كما هي. بمعنى أنه لو أبدع تلك الرباعية بما يفيد حبه للحياة شريطة أن تكون حياة تناسب طموحاته وأحلامه، لكان لها شأنٌ وتوجهٌ آخر. لذا.. عذرًا.. كان من الطبيعي أن أعيد ترتيب الكائنات- كما ترون- ترتيبًا منطقيًّا تقويمًا للبناء؛ ليحتل البشر الأولوية، لكون الشاعر بشر، ثم الحيوان فالطائر فالنبات. وحتى لو لم نُعِد الترتيبَ بالأولوية المذكورة بحذافيرها، كان لزامًا أن تكون الأولوية للبشر والأخروية للحشرة كما ذكرنا. لكن لا بأس إن جاء ترتيب الكائنات الأخرى الثلاث بأي ترتيب آخر، رغم قناعتي بترتيبي الموضح، خاصةً وأن كلمة نبات جاءت قبل نهاية الشطرة الثالثة، مما يساهم في تنشيط موسيقى هذه الشطرة، التي تسمى قافيته (بِالعارِجَة)، وهي من شروط موسيقى الرباعية، التي تعرج بالقارئ أو المستمع- في الشطرة الثالثة- لقافية أخرى بعيدة كل البعد عن قافية الرباعية الرئيسة، ثم تعيده إلى قافية الرباعية الأصلية مرة أخرى في الشطرة الرابعة والأخيرة؛ مما يجعل من ختام الرباعية مِسكًا في تشكيل موسيقاها، مع مسك الختام كذلك في مضمونها ومغزاها. وكأن هذه العارجة تمهد للمتلقي شكلًا وتثيره؛ ليستعد ويتحفز لمضمون خاتمتها المدهش الحاسم، الذي ينتظره على أحر من الجمر. والذي يضع حدًّا نهائيًّا لأسرارها وخفاياها، في نفس لحظة العودة لقافيتها الأصلية مرة أخرى، والتي هي ذروتها.
أما عن عدم احتلال رباعية (العيون) الفاخرة- التي ذكرتها استدلالًا على الفرق بين الرباعيتين- الشهرة الواجبة، فقد يعود ذلك للعمق الشفيف الخافت الكامن في ثناياها، إضافة إلى قافيتها الساكنة المكتومة لحرفين من ثلاثة (حُسْنْ- حُضْنْ- حُزْنْ)، بخلاف الرباعيات المشهورة الأخرى، مثل رباعية(أنا قلبي بالأمر المحال اغتوى) و(يا عندليب ما تخافشي من غنوتك) ذات القافية المفتوحة المتحركة، وغيرها من الرباعيات الفخمة العديدة؛ مما أدى إلى تراجع موسيقاها، والتي من المفترض أنها من أهم السمات الرئيسة للرباعية، لغالبية مريديها الأفاضل.
يتبع..





