د. حسن غريب أحمد
إن ظاهرة الحقد والكراهية بين الأدباء والشعراء والكتّاب، تعتبر بوصفها ظاهرة نفسية وثقافية متجذرة في البنية الداخلية للمبدع من جهة، وفي المنظومة الاجتماعية التي تحكم الحقل الثقافي من جهة أخرى.
إنها مقاربات من علم نفس الإبداع وسوسيولوجيا الثقافة، انطلاقًا من مفاهيم مثل “الأنا الإبداعية”، “رأس المال الرمزي”، و“الاعتراف الأدبي”، وصولًا إلى اقتراح سبل لتأسيس ثقافة نقدية أكثر نضجًا وعدلاً.
أولاً: مفهوم الحقد الأدبي:
تُعدّ ظاهرة الحقد الأدبي من الظواهر المسكوت عنها في النقد العربي، على الرغم من حضورها الفاعل في تاريخ الأدب العالمي. فالكثير من الصراعات الأدبية التي بدت “جمالية” في ظاهرها، كانت في حقيقتها صراعات نفسية على الاعتراف والخلود الرمزي.
إن الحقد الأدبي لا ينشأ في فراغ، بل يتغذى من الغيرة الفنية التي تتحول، حين تفقد توازنها، إلى عداء صريح. فالكاتب لا يحقد على الضعيف، بل على من يراه مهدداً لصورته الخاصة في المرآة الثقافية.
ثانياً: الأنا الإبداعية وآليات الدفاع النفسي
يرى سيغموند فرويد في كتابه الأنَا والهو أن الإبداع يمثل sublimation (تساميًا) للطاقة الغريزية، ولكن هذه الطاقة نفسها قد تتحول عند بعض المبدعين إلى تنافس عدائي.
فالأنا التي تنتج الجمال قد تتحول إلى أنا دفاعية عندما تواجه خطر “تفوق الآخر”.
من منظور علم النفس الأدبي، تنشأ الغيرة الأدبية عندما يصطدم المبدع بإنجاز فني يهدد صورته عن ذاته. وهنا يستخدم آليات دفاعية مثل:
الإنكار الجمالي: نفي القيمة الفنية للآخر.
الإسقاط النفسي: نسب نواقص الذات إلى المنافس.
التحقير الرمزي: محاولة تشويه صورة المبدع المتفوق.
هذه الميكانيزمات النفسية تجعل العلاقة بين الأدباء حقلًا من الصراع اللاواعي بين الرغبة في التقدير والخوف من التلاشي.
ثالثاً: التنافس الثقافي ومفهوم رأس المال الرمزي
يشير بيير بورديو في كتابه قواعد الفن: نشأة وبنية الحقل الأدبي (Les Règles de l’art, 1992) إلى أن كل حقل ثقافي يقوم على صراع بين من يمتلكون “رأس المال الرمزي” (الاعتراف، الشهرة، المكانة النقدية) ومن يسعون إلى انتزاعه.
وهذا ما نراه في المشهد الأدبي العربي، حيث تتحول المؤسسات الثقافية والجوائز إلى ساحات صراع على الشرعية، فيُقصى المبدع الجديد لصالح المكرَّس، ويُشوَّه الموهوب حين يهدد النظام القائم.
تتجلى الكراهية هنا كـ نتيجة لصراع على الهيمنة الرمزية، لا على القيمة الفنية فقط.
رابعاً: اضطراب التوازن النفسي بين الإبداع والاعتراف
يرى إريك فروم في تحليله لشخصية الفنان أن المبدع يعيش حالة من التوتر الدائم بين “الرغبة في التفرد” و“الحاجة إلى القبول الاجتماعي”. وعندما يُحرم المبدع من الاعتراف، تتولد لديه حالة من الاغتراب الفني، قد تتحول إلى حسد وعداء تجاه من نال التقدير الذي حُرم منه.
أما كارين هورني فتصف هذه الحالة بأنها “قلق المقارنة”، حيث يشعر الفرد بأن الآخرين يهددون صورته الذاتية، فيحاول تعويض ذلك بتقليل شأنهم.
وهكذا تتحول الغيرة الإبداعية إلى اضطراب نفسي ينعكس على سلوك الأديب داخل الوسط الثقافي، في صورة نقد مغرض، أو صمت عدائي، أو محاولات طمس وتهميش متعمد.
خامساً: مظاهر الحقد الأدبي في الخطاب الثقافي
تأخذ ظاهرة الحقد بين الأدباء عدة مظاهر عملية، منها:
النقد العدائي المقنّع: استخدام لغة نقدية ظاهرها علمي وباطنها تشويه.
التجاهل المنهجي: إقصاء الأسماء الموهوبة من الدراسات أو الفعاليات.
نشر الشائعات الأدبية: التشكيك في الأصالة أو الاتهام بالسرقة.
المحاباة النقدية: تضخيم أعمال الرديئين لاعتبارات شخصية أو مؤسسية.
وقد أشار أدونيس في مقالاته عن المشهد الثقافي العربي إلى أن “الأدب العربي المعاصر لا يعاني من فقر الإبداع بقدر ما يعاني من فقر الاعتراف”، حيث تتحول الساحة الأدبية إلى شبكة مصالح تقمع الأصوات الحرة باسم “النقد”.
سادساً: نحو ثقافة نقدية ناضجة
إن تجاوز ظاهرة الحقد الأدبي يقتضي إصلاحاً مزدوجاً:
نفسياً: عبر تنمية الوعي الذاتي لدى المبدع بحدود الأنا، وقبول وجود الموهبة لدى الآخر.
مؤسسياً: من خلال بناء منظومة نقدية عادلة تقوم على الكفاءة والمعيارية لا على العلاقات الشخصية.
كما أن إحياء قيم “التكامل الجمالي” — أي الإيمان بأن الإبداع فضاء مفتوح يسع الجميع — يمثل الخطوة الأولى نحو بيئة ثقافية صحية.
فالأدب لا يزدهر في بيئة تناحر، بل في فضاء اعتراف متبادل.
الخلاصة :
إن الحقد بين الأدباء ظاهرة مركّبة تجمع بين الاضطراب النفسي والتنافس الرمزي، وهي تكشف أزمة أعمق في الوعي الثقافي العربي الذي لم يتحرر بعد من “ذهنية الإقصاء”.
إن إصلاح المشهد الثقافي يبدأ حين يتحول النقد إلى بحث عن القيمة لا عن “الخصومة”، وحين يدرك المبدع أن خلوده لا يتحقق بإطفاء نور غيره، بل بصدق تجربته الفنية.
وحين نصل إلى هذه المرحلة من النضج، يصبح الإبداع فعلَ إنسانية خالصاً، لا ساحة لتصفية الحسابات.
المراجع والإشارات :
Pierre Bourdieu, Les Règles de l’art: Genèse et structure du champ littéraire, Éditions du Seuil, 1992.
Sigmund Freud, The Ego and the Id, 1923.
Erich Fromm, The Creative Attitude, Harper & Row, 1959.
Karen Horney, Our Inner Conflicts, W. W. Norton, 1945.
أدونيس، زمن الشعر، دار العودة، بيروت، 1980.
صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1992.
عبد العزيز حمودة، المرايا المحدّبة: من البنيوية إلى التفكيك، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1998.
حسن غريب: ناقد روائي شاعر





