المجلة الثقافية الجزائرية

الحقّ في الاختلاف أو هل هناك حقيقة مطلقة؟

الأستاذ طيب الفحلي

متى يكون للاختلاف معنى؟ يكون للاختلاف معنى عندما يكون حول القضايا الجذرية، مثلًا: الاختلاف في المعتقد، أو التصوّر، أو الإيديولوجيا، أو الرؤيا الاستراتيجية أو السياسية؛ فلا معنى له عندما يكون حول أمر بسيط.

لماذا يتمّ رفض الاختلاف؟ فرغم ادّعاء قبوله قولًا، يتمّ رفضه فعلًا وسلوكًا. ويتمّ هذا الرفض عندما يعتقد الإنسان أنّه يمتلك الحقيقة المطلقة غير القابلة للنقاش. فإذا أخذنا مثلًا الشخص المسلم، نجده يدّعي امتلاك حقائق مطلقة، مسلَّمات، حول مفهوم الله/النبي/الرسول/القيم/الأخلاق… وبالتالي يرفض معتقداتٍ أخرى تختلف عن معتقداته ومقارباته ورؤاه. وينطبق الأمر نفسه على الشخص اليهودي الذي يصنّف نفسه باعتباره من شعب الله المختار، والذي تمّ اصطفاؤه دون سائر الناس الآخرين، ولذلك يعتقد أنّه مالك للحقيقة.

في هذه الحالات نكون أمام أشخاص لم يفهموا بعد الطرح الذي قال به الفيلسوف الألماني كانط (Emmanuel Kant)، الذي اعتبر أنّ الناس سواسية، ولا أفضلية لأحدهم على الآخر، لأنّ الإنسان غاية في حدّ ذاته، يستحقّ التقدير والاحترام لامتلاكه العقل، كما أنّه لا ينبغي التمييز بين الناس على أساس المعتقد أو الإيديولوجيا أو العرق أو اللون…

إنّ ما يجعل الشخص يرفض حقّ الآخر في الاختلاف عنه هو اعتقاده أنّه يمتلك الحقيقة المطلقة. ولكن هل هناك بالفعل حقيقة مطلقة؟

ما لا يدركه هؤلاء هو أنّ الحقيقة نسبية، وأنّه ليست هناك حقيقة مطلقة. فحتّى في العلوم الصلبة، المعروفة بنتائجها العلمية الدقيقة والموضوعية، لم تعد هناك نظرية تمثّل حقيقة مطلقة. ذلك أنّ النظريات العلمية لم يعد يطبعها التراكم كما هو الحال في العلم الكلاسيكي، وإنّما يطبعها التجاوز. فالنظرية لم تعد صالحة دائمًا، أي لكلّ زمان ومكان، وإنّما تظلّ صالحة داخل سياق زماني ومكاني محدَّد. كما يجب أن تكون قابلة للتكذيب والتفنيد، وإلّا لما عُدَّت نظرية علمية. وهذا ما تحدّث عنه كارل بوبر (Karl Popper) عندما طرح معيار القابلية للتكذيب باعتباره المعيار الذي يمكننا من معرفة مدى صدق وصلاحية النظرية العلمية. ولا تُعَدّ نظرية علمية، حسبه، إلّا تلك النظرية التي يمكن تكذيبها وتفنيدها في المستقبل. وهكذا، فالنظرية لا تمثّل حقيقة مطلقة وثابتة يمكن اعتمادها بصفة قطعية ونهائية.

وفي مجال الفلسفة نجد الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (Friedrich Nietzsche)، الذي يرى أنّ ما نسمّيه حقيقة ليس سوى أفكار كرّستها الطبقة المسيطرة في فترة زمنية سابقة، ولأنّنا توقّفنا عن إعمال العقل فيها، أصبحنا نعتبرها حقائق مطلقة. فليس هناك حقائق، وإنّما توجد تأويلات فقط:

(Il n’y a pas de faits, seulement des interprétations).

وحسب المقاربة البراغماتية لوليام جيمس (William James)، يمكن القول إنّ الحقيقة مرتبطة دائمًا بالمنفعة؛ فما هو مفيد بالنسبة لي يمثّل الحقيقة، وما هو غير مفيد يمثّل اللاحقيقة. وبناءً على ذلك، فالحقيقة نسبية، لأنّ ما هو نافع لي قد يكون غير نافع لغيري، وبالتالي فهو يمثّل الحقيقة بالنسبة لي واللاحقيقة بالنسبة لغيري.

إذن، عندما ندرك أنّ الحقيقة نسبية، يصبح من الضروريّ أن نقبل بحقّ الآخر في الاختلاف عنّا في المعتقدات والإيديولوجيات والمواقف والتصوّرات… ونحن، في الفلسفة، تدرّبنا على هذا المنهج، لأنّ أيّ أطروحة نشتغل عليها تقتضي منّا أن نبيّن قيمتها الفلسفية والفكرية والعلمية والتاريخية من جهة، وأن نكشف نواقصها وحدودها من جهة أخرى. وتُعَدّ هذه المقاربة الفلسفية النقدية حجر الأساس في الدراسات الفلسفية، إذ لا يوجد تصوّر يمثّل حقيقة مطلقة تدعونا إلى الإيمان بها، لأنّ العالم لا ينبغي أن يؤمن، وإنّما أن يفكّر، وأن يبني ويهدم في الآن نفسه: يهدم التمثّلات والأحكام المسبقة، ويبني معرفة علمية رصينة بالاعتماد على مناهج مضبوطة، مع قابليّة هذه المعرفة دائمًا للمراجعة والتطوير، وأحيانًا للتجاوز.

الأستاذ طيب الفحلي:

• كاتب مغربي؛

• أستاذ الثانوي التأهيلي، تخصّص الفلسفة؛

• باحث في الفلسفة والقانون.