المجلة الثقافية الجزائرية

الروائي الجزائري حميد عبد القادر للمجلة الثقافية الجزائرية: الكاتب ليس معني بتحليل الأزمة الأمنية، بل برصد تحولاتها.. و أكتب لكي أتحمل الحياة !

يعد الروائي والاعلامي الجزائري حميد عبد القادر من الأسماء الأدبية الجزائرية المميزة، التي تحمل تجربة خاصة وثيمة خاصة أيضا.. لا يبدو متسرعا في العملية الابداعية، ربما لإدراكه أن العمل الجيد هو الأبقى.. في هذا الحوار تحدث الأديب حميد عبد القادر عن جملة من القضايا المهمة، والتي ترتبط بالمثقف/ الكاتب، في ظل هذا الركود الذي يقارب الرداءة في الواقع الثقافي الجزائري رغم وجود الكثير من الكوادر الأدبية والابداعية الرائعة، تحدث عن الكتابة، وعن مصطلح \”الأدب الاستعجالي\”، وعن \”الشللية\” التي تقتل الكاتب والمبدع على حد سواء.. نترككم مع الحوار كاملا:

 المجلة الثقافية الجزائرية: لو طلبت من حميد عبد القادر أن يتحدث عن نفسه، فماذا سيقول؟

حميد عبد القادر: التحقت بالصحافة بعد أن درست العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر . أعمل بيومية \”الخبر\” منذ أكثر من عشرين سنة. ترأست القسم الثقافي من عام 1993 إلى غاية جانفي 2011 ، استقلت بسبب متاعب صحية ناتجة عن التقدم في السن. والآن أنا صحافي عادي مكلف بإعداد الملفات، وأكتب مقال أسبوعي كل يوم خميس في ركن \”مرايا\”. وإلى جانب مهنة الصحافة أدرس في المدرسة الوطنية العليا للصحافة بجامعة الجزائر 3. أنا متزوج، وأب لبنتين.

المجلة الثقافية الجزائرية: أنت روائي وصحفي.. دعني أسألك كيف يلتقي الروائي بالصحفي عندك؟

حميد عبد القادر: العمل الصحفي يزعجني في كثير من الأحيان، ويؤثر على توجهي الروائي. تمنيت لو اخترت مهنة أخرى غير مهنة الصحافة، كأن أكون صيادا على قارب مثلا، فالوقت المتبقي لي للكتابة قليل جدا، الصحافة تلتهم الوقت، ورغم ذلك تجدني متمسكا بالكتابة ولو لفترة قصيرة في اليوم. فبالإضافة إلى الكتابة والعمل الصحفي، فأنا أدرس بالمدرسة الوطنية العليا للصحافة بجامعة الجزائر 3، مرتين في الأسبوع، فتخيل حاجتي الكبيرة للوقت. أما بشان اللقاء بين العالمين، دعني أقول لك أن الصحافة علمتني الالتصاق بالواقع، وتفضيل الأسلوب السهل، أو أسلوب السهل الممتنع. أمقت التعقيد، وإبراز العضلات، أنا أول من يقرأ ما أكتب، ويهمن أن أجد المتعة الشخصية في ما أكتب. ثم أني أعشق السينما الكلاسيكية كثيرا، وأقصد أفلام الأربعينات والخمسينات والستينات، لا بد أن أشاهد فيلما واحدا في اليوم، حتى أكون وفيا لطقوسي. وهذه السينما الكلاسيكية هي جزء من ذاكرتي. وهي هواء إبداعيا ثانيا أتنفسه، فقد ولجتها قبل عالم الأدب، بل هي التي حملتني إلى الرواية. طبعا هذا يتطلب مزيدا من الوقت، والسهر إلى غاية الواحدة صباحا، أو أكثر.

المجلة الثقافية الجزائرية: ألا تشعر أن الصحافة تستنزف قدراتك الروائية؟ 

حميد عبد القادر: تعج المشاريع الروائية في رأسي، وبي رغبة لكتابة أكثر من عمل، لكن كما قلت لك لا أجد الوقت الكافي. ثم أن مهنة الصحافة في الجزائر أصبحت مهنة بيروقراطية للأسف، أي أن الصحفي مطالب بالعمل ثمان ساعات في اليوم، وهذا يؤثر سلبا على الميول الأدبية التي تتطلب وقتا كافيا للتأمل.

المجلة الثقافية الجزائرية: سأنطلق من رواية \”مرايا الخوف\”، التي اعتبرها البعض \”قراءة\” لواقع جمعوي جزائري معقد وغير سهل الفهم..هل تشعر أن الكاتب الجزائري معني بتحليل الأزمة الأمنية التي مرت عليها الجزائر؟ 

حميد عبد القادر: الكاتب ليس معني بتحليل الأزمة الأمنية، بل برصد تحولاتها وانعكاساته عليه أولا كفرد في المجتمع، فكل ما كتبته كان نتاج تفاعلي مع واقع مأسوي عانيت منه كثيرا. لكن عملية التفاعل هذه تتم عندي حسب تصور فكري بالعودة إلى قراءات سوسيولوجية وتاريخية، أي أني أتجاوز تأثير الواقع، إلى مرحلة مفكر فيها. لا أنقل الواقع كما هو، بل أسعى لفرض تصور سوسيولوجي عليه. قراءاتي لروائي فرنسي مهم جدا، هو أونوري دو بلزاك، وتأثري به، أعطاني هذا الميل نحو الإبداع المرتبط بعلم الاجتماع والتاريخ. أحيانا أقرأ وثيقة سوسيولوجية، فتأتيني فكرة كتابة قصة قصيرة أو رواية.

المجلة الثقافية الجزائرية:وكيف قرأت الروايات الجزائرية التي تناولت الأزمة الأمنية الجزائرية تناولا روائيا؟ 

حميد عبد القادر: هي عبارة عن أعمال تؤرخ لمرحلة مهمة في تاريخ الجزائر. قرأتها قراءة نقدية ووجدت أنها خالية من البعد السوسيولوجي والتاريخي، لكن هذا لا ينقص من قيمتها الأدبية والجمالية، فالمعاناة الشخصية تصبح في كثير من الأحيان مادة إبداعية قوية يكون لها مفعولا كبيرا. 

المجلة الثقافية الجزائرية: لكن ثمة من كتب روايات جيدة ورائعة تناول فيها الأزمة الأمنية أيضا، ومع ذلك جمع بعض النقاد هذه الكتابات ضمن \”الأدب الاستعجالي\”.. أليس هذا تعميما مجحفا لنصوص روائية تحتاج إلى قراءات متأنية؟ 

حميد عبد القادر: أولا دعني أخبرك أنني لم أكتب أدبا استعجاليا، رغم كل ما قيل عني، فأنا أخذ الوقت الكافي لكتابة الرواية. لكن بعض الصحافيين العاجزين عن الكتابة هم من يريد تصنيف أعمالي في خانة \”الأدب الإستعجالي\”، هناك من يكتب هذه الأيام رواية كل عام، أي أنه يستعجل الكتابة، لكن لا أحد قال إنه روائي استعجالي.  بدأت روايتي الأولى \”الانزلاق\” سنة 1995، وانتهيت منها سنة 1998. أما رواية \”مرايا الخوف\” فاستغرقت في كتابتها ثلاثة سنوات. أنا لست معني بالأدب الإستعجالي الذي يتحدثون عنه، عندي عدة مخطوطات روائية وقصصية، بعضها بالعربية وبعضها الأخر بالفرنسية، منها رواية بعنوان \”le seigneur du mal\” ، أصور فيها تحولات المدينة الجزائرية منذ الاستقلال، لكني رفضت نشرها لأني غير مقتنع بها، ما زلت أشتغل عليها، ولن انشرها إلا بعد اقتناعي التام بها، وإن لم يحدث ذلك، فسألقيها للنار. 

المجلة الثقافية الجزائرية: في الجزائر يوجد أدب مكتوب بالعربية وأدب مكتوب بالفرنسية، أين يلتقي هذان الأدبان وأين يختلفان؟ 

حميد عبد القادر: يختلفان عند نقطة الالتزام. الأدب المفرنس أكثر التزاما من الأدب المكتوب باللغة العربية، وهو أكثر ميلا للنقد. لكن في المدة الأخيرة ظهرت أعمال روائية معربة بلغت درجة قصوى من النقد، وأقصد رواية \”دمية النار\” لبشير مفتي، وكذا رواية \”مذنبون\” للحبيب السايح. إضافة إلى أعمال محمد ساري وإبراهيم سعدي وبالأخص رواية \”الأعظم\”، وكذا أعمال أحميدة العياشي التي تعتبر أكثر الأعمال الإبداعية توغلا في الذاكرة. من يصنع الفارق هو القارئ، القارئ المفرنس هو أكثر قدرة على منح الفاعلية للنص الأدبي. 

المجلة الثقافية الجزائرية: كيف تفسر أن ينجح الكاتب الفرانكفوني في الانتشار في أوروبا (العديد من الأسماء الأدبية الجزائرية نجحت في الغرب وترجمت كتبهم إلى العديد من اللغات) أكثر من نجاح الكاتب العربي في الانتشار في الوطن العربي.. ما السبب في رأيك؟ 

حميد عبد القادر: لأن العالم العربي ما يزال لأسف ينظر إلى الأدب الجزائري من المركز، أي من خلال العاصمة الفرنسية باريس. لا يريد النظر إليه مباشرة دون المرور عبر الوسائط الغربية. ثم أن الأدب الفرانكفوني يتعامل مع مؤسسات ثقافية فرنسية قوية لها القدرة على التأثير والانتشار ولها أجندات سياسية تريد تحقيقها، على خلاف الواقع الثقافي العربي المهزوم أين نجد كل شيء مرتبط بالمصلحة الشخصية والزمالة. 

المجلة الثقافية الجزائرية: ما يبدو مثيرا للانتباه هو حالة \”الخصام\” التي يمارسها بعض الأدباء على بعضهم البعض، بحيث يخيل إلينا أن العديد منهم لا يحترم التجارب الأدبية الماضية..؟ 

حميد عبد القادر: عانيت من هذه الظاهرة شخصيا. ألا ترى أن ما كتبته، بما في ذلك كتبي في التاريخ (فرحات عباس، عبان رمضان، ولمين دباغين مؤخرا، إضافة إلى كتاب \”دروب التاريخ\”) لا يتناولها الصحافيين ولو بطريقة إعلامية، يحدث هذا فقط لأنني صحفي مثلهم، مع فرق تحولي إلى التأليف، هؤلاء لا يريدون أن يعترفون بي ككاتب. باستثناء الزميلة نوارة لحرش التي ترسل لي في بعض الأحيان طلبات للمشاركة في الملفات التي تعدها لجريدة \”النصر\”، يتعامل معي الصحافيين الآخرين وفق منطق إقصائي. وبخصوص عدم احترام تجارب الآخرين فهذه مأساة حقيقية، الكاتب الجزائري إنسان عديم الذاكرة لأسف، ودائما يريد أن يبني مجده الأدبي على حساب الآخرين. مع نهاية التسعينات كان يزورني بجريدة \”الخبر\”، طالب شاب في معهد الحقوق، كنت حينها رئيسا للقسم الثقافي، وكانت \”الخبر\” في أوجها، وبدون منافس، وكنت أستقبله في مكتبي، وكنت أول من نشر له قصائده الأولى، لكن بمجرد أن نشر روايته الأولى، وبدأ يسطع نجمه حتى أبدى سلوكا معاديا تجاهي، نسي كل شيء، تشجيعي له ومساعدتي وطريقة تعاملي معه، فكتب مقال من ثلاثة صفحات في أسبوعية صغيرة وقدم قراءة نارية وذاتية بخصوص رواية \”مرايا الخوف\”، واعتبرها رواية عديمة القيمة. وكتب المقال بتأثير من ظنون كانت به، زارني مرة بالجريدة، واعتقد أني رفضت استقباله. والحقيقة أني نسيته، واتضح أنه انتظرني مدة ساعتين، فانصرف غاضبا، وبعدها بأسبوع كتب مقاله الناري عن \”مرايا الخوف\”. الكاتب الجزائري إنسان حساس جدا، ويتعامل مع النص بهذه الحساسية المفرطة.

المجلة الثقافية الجزائرية: هل هذا الذي أدى إلى انشغال الكاتب ب\”مشاكل\” جانبية على حساب صناعة واقع ثقافي حقيقي وصحي لا يلغي أحد، ولا يسيء إلى أحد، ولا يمارس الشللية إزاء أحد؟ 

حميد عبد القادر: الواقع الثقافي في الجزائر أصبح فعلا قائما على \”الشللية\” التي تتحدث عنها. وأصبح يسير وفق المجاملة. وبالفعل تكونت في السنوات الأخيرة جماعة صغيرة أصبحت مؤثرة بفعل امتلاكها لقنوات التأثير، وهذه الجماعة تستجيب أكثر للمصالح، فإن كنت كاتبا وتملك دارا للنشر في نفس الوقت مثلا، فأعلم أنك ضمنت إعجاب الكتاب الآخرين من حولك، أما إذا كنت كاتبا بدون دار للنشر، فكان الله في عونه. أعتقد أن واقع الكاتب الذي رفض منطق \”الشللية\” صعب للغاية، هناك كتاب جيدين رفضوا الانخراط في هذه اللعبة لكنهم لا يلقون الرواج والاهتمام الكافي، وبإمكاني الحديث عن كاتب مثل فارس كبيش، قرأت مجموعته القصصية \”تصبحون على خير\” فوجدت أنها بلغت قيمة جمالية عالية، وهي حسب اعتقادي أهم مجموعة قصية ظهرت في السنوات الأخيرة، لكن النقد تجاهلها تماما. إننا أمام ظاهرة جديدة، وهي أن الكتاب الجدد يحومون حول من يملك دارا للنشر طمعا في النشر، أما المهندس فارس كبيش فهو لا يملك سوى نصه القصصي، فوجد نفسه مغيبا. 

المجلة الثقافية الجزائرية: هل ترى أن آلية التعاطي مع الكاتب تحتاج إلى ثورة حقيقية لأجل استعادة كرامته إزاء ما يكتبه، قبل نقده على ما يكتب؟ 

حميد عبد القادر: الكرامة التي تتحدث عنها صعبة المنال بسبب ما آل إليه الوضع الثقافي عندنا. لكن دعني أقول لك أن الرضا الوحيد الذي يبحث عنه الكاتب هو رضا الانتهاء من كتابة رواية أو سيرة ذاتية أو كتاب فكري، هذا ما يهم، أما اعتراف الآخرين فقد يأتي يوما، أو قد لا يأتي. أنا شخصيا أكتب لأن بي حاجة لذلك، أكتب لكي أخفف عن نفسي مثلما ، والتخلص من وطأة الكوابيس ودرجة الخوف الذي ملئ حياتي منذ كنت طفلا صغيرا. فالكتابة عندي عبارة عن محاولة للبحث عن الخفة. أكتب لكي أتحمل الحياة. 

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأ الآن؟

حميد عبد القادر: انتهيت من قراءة رواية \”سخط\” لفليب روث، وأنا بصدد إعادة قراءة رواية \”وكالة عطية\” للروائي المصري الراحل خيري شلبي. وبعدها أريد أن أتفرغ لإعادة قراءة ثلاثية محمد ديب الأولى في ترجمة جزائرية أنجزها المترجم أحمد محمد بكلي من غرداية. وإلى جانبي كتب تنتظر القراءة منها سيرة ذاتية ضخمة حول \”فرانز فانون\” بعنوان \”حياة\” كتبها الأمريكي \”دافيد ماكي\”.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تكتب؟ 

حميد عبد القادر: أنا منشغل بتأليف كتاب تاريخي بالفرنسية حول مجموعة الستة التي فجرت الثورة. وفي نفس الوقت أشتغل على رواية بعنوان \”رائحة التوابل\” (بالعربية)، ربما سأنتهي منها عام 2012 إن شاء الله. كما أستعد لنشر كتاب بالفرنسية حول \”العقيد هواري بومدين وحرب التحرير\”.