رحال كريش
في أحد أيام شهر رجب، كانت السيدة زينب بنت مصطفى، زوجة القاضي السابق للبلدة، تستقبل الناس في قاعة بيتها الواسع. ومنذ اثني عشر عامًا وهي تمارس ما تسميه “الرقية المباركة”؛ تجمع وصفاتها من كتب صفراء ورثتها عن جدها، وتضيف إليها ما تراه من أوراد وأدعية. وعلى الطاولة أمامها مصحف عتيق مذهب الأطراف، ودفتر مكدّس بالوصفات، ومسبحة كهرمانية طويلة لا تفارق يدها. وعلى الجدران تتدلى في أطر خشبية صور لشيوخ زهدٍ كبار، وصورة للشيخ عبد الهادي، الذي تعزو إليه زينب خلاصها من الأطباء “الدجالين” ومعرفتها للحقيقة.
في الممر يجلس المرضى على مقاعد من القش، أكثرهم من الفلاحين البسطاء، شاحبة وجوههم من شدة العوز وقلة الحيلة. وقد خلعت النساء نعالهن على العتبة، بأمر زوج السيدة، خشية أن تنقل الأقدام الموحلة رائحة الروث إلى أروقة البيت.
استقبلت زينب عشرة أشخاص، وها هي تنادي على الحادي عشر:
محمود بن ياسين
لكن الذي يدخل هو مصطفى بن عبد القادر، جارها، أحد الملاك المفلسين. شيخ نحيل الجسم، متهالك الخطوات، يتأبط عمامة مهترئة ويضع عصاه في الزاوية. يتقدم، ثم يهوي فجأة على ركبته أمامها، ويرفع يديه نحوها كما لو كانت وليّة من الأولياء.
فتشهق السيدة زينب واحمرّ وجهها:
– ما هذا؟ ما هذا يا مصطفى؟! أرجوك، اجلس!
يقبّل الرجل طرف ثوبها متمتما:
– لن أنهض ما حييت! دَعِ الناس يرونني راكعًا بين يديك، يا نور الفقراء، يا أمل البائسين! أنت التي رددتني إلى الحياة بعدما كدت أُدفن حيًّا!
فتتورد وجنتاها وتقول بخجل:
– أنا سعيدة… سعيدة جدًّا أن أسمع هذا. لكنك في الأسبوع الماضي كنت تشكو عجزًا شديدًا!
فيتنهد:
– آه! كان وجعي كالحديد المذاب في عروقي. عشر سنين وأنا أتعذب بالتهاب المفاصل. ما تركت طبيبًا إلا قصدته، ولا بلدة إلا شددت الرحال إليها. لم أترك شيئا إلا جربته، فلم يزدني ذلك إلا ألمًا على ألم. هؤلاء الأطباء ليسوا إلا تجارًا يبيعون الأوهام! حتى جفّت ثروتي ولم يبق لي إلا الخراب. ثم جئت إليك، وأخذت منك أوراق النعناع تلك، وقلت في نفسي: “كيف ستنفع هذه الأوراق اليابسة؟” لكن ما إن وضعتها في فمي حتى أحسست أنني أُبعث من جديد! عدت إلى بيتي، فرأتني زوجتي منتصبًا كالنخلة، فصاحت: “يا الله! أهذا أنت حقًّا؟” فسجدنا معًا نشكر الله أن أرسل إلينا بركتك!
يمسح الرجل دموعه بكمه، ثم يواصل وقد ارتجف صوته:
– لكن يا سيدتي… شيء واحد يعذبني: فقر اليد. ما قيمة الصحة إذا كان بيتنا عاري الجدران؟ المطر ينهمر من السقف، والبرد ينهش أجساد أولادي، وليس عندي ما أشتري به الخشب.
فتقول زينب وهي تمسح جبينها بمنديل حريري:
– سأعطيك خشبًا يا مصطفى. اجلس.
ويتهلل وجهه، ثم يضيف بطمع:
– وابنتي يا سيدتي… تريد أن تلتحق بمدرسة البنات في المدينة، لكنهم يطلبون توصية من أصحاب الجاه…
– سأكتب لك توصية.
ويخرج بعد قليل محمّلًا بالوعود: خشب للبيت، شوال قمح، بقرة حلوب، وخطاب توصية. وفي غمرة تأثره يخرج منديله، فتسقط معه ورقة ملفوفة على الأرض من غير أن يشعر.
وبعد أن تودّعه زينب، تلمح الورقة، تلتقطها، وتفتحها، فإذا بداخلها أوراق النعناع نفسها التي أعطتها له الأسبوع الماضي، لم تُمسّ بعد!
تحدّق فيها مذهولة، ثم ترفع نظرها إلى صورة الشيخ عبد الهادي وتهمس:
– غريب… لم يذقها أصلًا! فما الذي شفاه إذن؟!
ولأول مرة منذ اثني عشر عامًا من الممارسة، يتسلل الشك إلى قلبها. وحين استقبلت بقية المرضى، رأت الأمر يتكرر: كل واحد منهم يبدأ بالثناء على بركتها، وسبّ الأطباء، ثم يعرّج على طلبه الخاص: قطعة أرض، صرّة قمح، إذن للرعي في مزارعها.
تنهدت السيدة زينب، وتطلعت بعين دامعة إلى صورة الشيخ التي تملأ صدر الحائط… وأحست أن حقيقة أخرى أكثر قسوة انبجست أمامها:
ما أخبث الإنسان… وما أسهل أن يُقَدّس ما يُغذي حاجته


