المجلة الثقافية الجزائرية

بين سقفِ الأمس وقاعاتِ اليوم: عن النهاياتِ التي لا تحتاجُ إلى معارك

بقلم: وهيبة جمال عبد الكريم

 

في البدء، لم يكن الأمر سوى قلبين اتسعا لحلمٍ واحد.

كانا شخصين يغزلان من الأيام بيتاً مشتركاً؛ تفاصيل صغيرة، صور متبادلة، وعود دافئة، وأسماء أطفالٍ لم يولدوا بعد، لكنهم عاشوا في خيالهما طويلاً. كان كل منهما يرى في الآخر الأفق والامتداد، والنهاية السعيدة لقصة تعب العمر لتبدأ.

ثم، في غفلة من العاطفة، حدث شيء ما.

تراكم العتب كالغبار، واتسعت المسافات الصامتة. راحت الأشياء الصغيرة تموت في الخفاء واحدة تلو الأخرى، حتى استيقظا ذات صباح على سؤال مرير. لم يعد السؤال: «كيف ترمم ما انكسر؟»، بل أصبح: «كيف ينجو كل منا من الآخر؟».

وهنا تحديداً، تبدأ الحكاية الأكثر قسوة؛ حين ينطفئ الحب، وتدق طبول الحرب.

فجأة، تتحول التفاصيل الحميمة إلى أسلحة. الرسالة القصيرة التي كانت تفيض وداً تصبح دليلاً وإدانة. الصمت المنهك يُفسر كمؤامرة. المكالمة العابرة تُقرأ كتهديد. والكلمة التي قيلت في لحظة غضب عارم تُنبش من ركام السنوات لتغدو عنواناً للقضية.

ثم يضيق السقف، فيدخل الأهل، ويصعد المحامي، ويصبح لكل طرفٍ روايته الخاصة، وشهوده، ونسخته المجزأة من الحقيقة. وفي نهاية المطاف، يجلس من تقاسما يوماً وسادة واحدة، على مقعدين متقابلين في مكتب بارد، يحاول كل منهما أن يثبت للغرباء أن الآخر هو الشيطان الذي دمر الجنة.

مؤلم؟ نعم، لكن الأشد إيلاماً أن هذه المعارك الشرسة لا تُخاض من أجل الانفصال، بل لمعاقبة الطرف الآخر عليه. كأن الرحيل وحده لم يعد كافياً لشفاء الغليل، فلا بد أن يدفع أحدهما ثمن الخيبة كاملاً.

المشكلة الكبرى أننا مجتمعات تتقن بدايات العلاقات وتجهل نهاياتها. نتعلم كيف نحب، كيف نحتفل بالزواج، كيف نؤثث البيوت، وكيف نستقبل الأطفال. لكن، عندما يهتز البيت ويتداعى، نجد أنفسنا أمام موقف لم نتدرب عليه يوماً: كيف نغادر المكان دون أن نكسر جدرانه فوق رؤوس الجميع؟

المجتمع، بتركيبته الحالية، لا يرى في الانفصال نهاية طبيعية لرحلة تعثرت، بل يراه حلبة مصارعة يجب أن يخرج منها طرف منتصراً والآخر مهزوماً. يُشحن الرجل بعبارات مثل: «أتتركها تهزمك؟»، وتُعبأ المرأة بالقول: «أتتنازلين له؟». فيتحول الطلاق من قرار شخصي بين روحين، إلى مباراة جماهيرية صاخبة، يملأ مدرجاتها مشجعون ومتفرجون. الأهل يبحثون عن كبرياء ابنتهم، وأهل الزوج يدافعون عن عناد ابنهم، والأصدقاء يحللون ويفسرون وكأنهم كانوا شركاء في الفراش والقرار. أما الزوجان، اللذان يعلمان وحدهما سر البداية ووجع النهاية، فيجدان نفسيهما غريبين ومحاصرين وسط روايات الآخرين وضجيجهم.

وفي غمرة هذا الصراخ، يظهر الأطفال.

هنا، يجب أن ينصت الجميع للصمت المخيف. فالطفل لا يملك في قاموسه معنى «الحياد» حين يرى والديه في حالة حرب. هو لا يفهم لماذا انشطر العالم الذي يعرفه إلى نصفين، ولا لماذا تحولت الزيارات إلى مواعيد رسمية جافة، ولماذا يُراد منه أن يكون ساعي بريد يحمل رسائل مغلفة بالسم: «أخبر أباك أن…»، «قل لأمك إن…». الطفل الذي كان يجب أن تثقله الحقيبة المدرسية والألعاب، يجد نفسه يحمل على كتفيه الصغيرتين ذنب خلافٍ أكبر من عمره.

قد ينسى الطفل تفاصيل المحاكم، لكنه لن ينسى أبداً ذلك الإحساس المرعب بأنه أُجبر يوماً على اختيار أحد والديه والتخلي عن الآخر. الزواج قد ينتهي ويسقط، أما الأبوة والأمومة فهما أمانة مقدسة لا يجوز أن تساق إلى قاعات القضاء لتُشوه.

من غير الواقعي بالطبع أن نطلب المثالية من إنسان ينزف. ليس سهلاً أن تحافظ على هدوئك وأنت تشعر بالظلم، أو وأنت ترى من كان شريك عمرك يمضي في حياته مستغنياً عنك، مخلّفاً وراءه سنوات تبخرت ولم تعد تقود إلى أي مستقبل خططت له.

لكن الألم شيء، وتحويل الألم إلى أذى مُتعمّد شيء آخر تماماً.

من حقك تماماً أن تغضب, أن تحزن، أن تطالب بحقوقك المادية كاملة مستعيناً بالقانون. لكن القانون الذي يحفظ الحقوق، لا يمنح أحداً رخصة لنهش الأرواح. ليس من حقك أن تجعل من طفلك أداة للانتقام، أو أن تهتك الأسرار، أو تشوه صورة الغائب في عيون صغاره، أو تجر كل من يعرفكما ليكون طرفاً في خصومتك.

ويبقى السؤال الأكثر عمقاً ووجعاً: لماذا نسعى أحياناً للوصول إلى بر الأمان، بشرط أن يغرق الطرف الآخر؟

ربما لأن الإنسان المجروح يظن واهماً أن ألم الآخر هو الاعتراف الضمني بنقائه. يريد اعتذاراً، يريد صوتاً خفيضاً يقول: «أنا المخطئ». لكن النضج الحقيقي—الذي نتجنب الحديث عنه—هو أن تتقبل فكرة أن النهايات لا تمنحنا دائماً العدالة العاطفية التي نرتجيها.

أحياناً، عليك أن تغلق الباب وتمضي دون أن تسمع كلمة أسف، ودون أن يدرك الطرف الآخر حجم الوجع الذي تركه في صدرك. ليس لأنك ضعيف، بل لأن عمرك أثمن من أن يظل معلقاً بانتظار ثأر متأخر لن يغير من الماضي شيئاً.

الانفصال المحترم لا يعني تحول الخصوم إلى أصدقاء، ولا يعني أن الجرح قد شُفي، أو أن الحقوق قد هُدرت. إنه يعني ببساطة: «انتهت حكايتنا كزوجين، لكن إنسانيتنا لم تمت بعد». إنه قرار حكيم بترك الحقوق للقانون، وتفويض الأيام لتضميد القلوب، ومنح الأطفال الحق الكامل في حب والديهم دون شعور بالذنب أو الخيانة.

ليس كل طلاق فشلاً؛ فالاستمرار في بيت تحول إلى زنزانة دائنة للخصام هو الفشل الحقيقي. وليس كل من رحل خاسراً، ولا كل من بقي في الحلبة منتصراً.

الانتصار الحقيقي ليس في رؤية الندم على وجه الآخر، ولا في العودة من المحكمة بصك غلبة لتستعرضه أمام المصفقين. الانتصار الحقيقي هو ذلك اليوم الذي تلتفت فيه إلى الوراء، ويدك فوق قلبك المتزن، وتقول: «نعم، انتهت الحكاية. تألمت، وظلمتُ، وتعرّضتُ للظلم، لكنني لن أسمح لخراب النهاية أن يسرق ما تبقى من عمري».

بعض الأبواب لا تُغلق لأننا توقفنا عن الحب، بل لأن الوقوف خلفها أصبح يدمي أقدامنا. وعندما نغلقها، لسنا مضطرين لإحراقها؛ يكفي جداً أن ندير ظهرنا، ونرحل بسلام. فليس كل من نتركه عدواً، وليست كل نهاية تستحق معركة.

 

*كاتبة جزائرية