المجلة الثقافية الجزائرية

حين تفكر المادة ويتوه الوعي

عمر ضمرة

في عالم تتسارع فيه الخطى نحو الرقمنة، وتتعاظم فيه سلطة الصورة على الفكرة، يتباطأ الإدراك أمام سطوة السرعة، ويختزل الوجود الإنساني في إشارات ضوئية تمر عبر أسلاك لا ترى. ومع هذا التحول الهائل، يعود السؤال الأقدم في الفلسفة ليطرق الأذهان من جديد: من يخلق من؟ أهي المادة التي تنبت الوعي، أم الوعي الذي يعيد تشكيل المادة؟

يبدو أن الإجابة، وقد نضجت على نار التجربة الإنسانية الطويلة، تميل إلى أن المادة هي التي تخلق الوعي، لا العكس. فالوعي ليس كياناً غامضاً يهبط من السماء، ولا جوهراً روحانياً معلقاً بين الغيب والواقع، بل هو ثمرة لتطور الطبيعة والمجتمع والعمل، ونتاج لتفاعل الإنسان مع بيئته وصراعه مع ذاته والآخر. إنه صورة ذهنية للعالم المادي، لكنه ليس انعكاساً ساكناً، بل انعكاس متحرك، يتغير بتغير الواقع، ويعتل بعلله، وينهض حين تنهض المادة التي أنتجته.

فحين تمرض المادة، يعتل الوعي. فالدماغ، وهو أسمى تجليات المادة، إذا ما أصيب بخلل عصبي أو اضطراب نفسي، يبدأ بالهذيان، ويرى ما لا يرى، ويسمع ما لا يسمع. مثال على ذلك، المريض بالفصام يتهيأ له صور وأصوات لا يسمعها غيره، فيعيش في عالم من وهم يبدو حقيقياً له وحده.

وكذلك المجتمع، حين تختل بناه الاقتصادية أو تفسد منظومته السياسية والثقافية، يفقد توازنه، ويبدأ برؤية الأوهام مكان الحقائق، ويعيش في سرديات ماضوية تسكنه عن مواجهة الحاضر. الوعي الفردي يهلوس حين يختل العقل، والوعي الجمعي يهلوس حين يختل الواقع.

إن الوعي المريض لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد إلى الأمم بأكملها حين تنفصل عن مادتها الحية. فالمجتمع الذي يرفض التغيير ويتمسك بوهم الماضي، يعيش نكوصاً فكرياً يكرس الجمود ويعيد إنتاج العجز. ومن هنا تنشأ الأوهام الجماعية: تقديس الأسطورة، تبرير الاستبداد، عبادة القوة، والتذرع بالماضي لتبرير العجز عن صناعة المستقبل. مثال على ذلك: مجتمعات تزدهر في سرديات حضارتها التاريخية العريقة، بينما هي عاجزة اليوم عن اللحاق بالتطور التكنولوجي السريع، فتفكر بمجدها الماضي وكأنه دليل على قدرتها الحالية، لكنها في الواقع تعيش جموداً وهذياناً جمعياً يعيق التقدم. كلها مظاهر لهذيان جمعي يفقد فيه الوعي صلته بالواقع، ويغدو مرآة مكسورة لا تعكس الحقيقة بل تشوهها.

تاريخ البشرية ذاته سلسلة من حالات الصحو والهذيان، من لحظات يلتصق فيها الإنسان بالمادة، فيبدع ويبتكر ويعمر، وأخرى ينفصل فيها عنها، فيتوهم أن الوعي قادر على الخلق المستقل، فيغرق في الغيبيات والأوهام والأيديولوجيات المغلقة. لكن التجربة، في نهاية المطاف، تثبت أن من يملك المادة يملك الوعي، ومن يفقدها يفقد القدرة على الفهم والتفكير والتقدم.

وما يحدث على مستوى المجتمعات، يحدث أيضاً على مستوى البشرية بأسرها. فحين تنفصل الإنسانية عن وعيها المادي، تتحول إلى كائن مريض بقوة مدمرة. القوى الكبرى التي تتسابق في سباق التسلح والهيمنة، مستخدمة أسلحة قادرة على إفناء الكوكب، ليست سوى تجل مأساوي لوعي بشري فقد صلته بذاته وانقلب على أصله المادي. ذلك الوعي الذي كان ينبغي أن يكون أداة ارتقاء، أصبح وسيلة فناء، يحرق الأرض بحثاً عن مجد زائف لا وجود له إلا في الهوس بالسيطرة والخلود.

لقد أنشأ الإنسان التكنولوجيا ليحرر نفسه من قيود الحاجة، فإذا بها تستعبده بأشكال جديدة من العزلة والتشظي. صنع الآلة لتخدمه، فصارت تحل مكانه، وتفرغ وجوده من المعنى. أراد أن ينهي الحروب، فاخترع من أدوات القتل ما يجعل الفناء أكثر سرعة وأكثر كفاءة. هذا هو الوعي المريض للبشرية، وعي انقلب على غايته، وأضاع حدوده، وتوهم أنه فوق الطبيعة التي أوجدته.

المادة لا تهذي، لكنها تذكر. هي الحقيقة الأولى والأخيرة التي لا تكذب، ولا تتجمل بالأوهام. منها ولد الوعي، وفيها يعيش، وبها ينهض من غفوته كلما أضناه الخيال وضل الطريق. فحين ندرك أن الفكر لا يولد إلا من رحم العمل، وأن الوعي لا يصاغ إلا في أتون التجربة والصراع، عندها فقط نستعيد إنسانيتنا المفقودة وسط ضجيج التقنية وتيه العقول.

ليس في هذا القول انتقاص من الفكر أو إلغاء للخيال، بل دعوة لإعادته إلى أصله المادي، لئلا يتحول إلى سيف مسلط على صاحبه. فالخيال، ما لم يجد جذوره في الواقع، يصبح وهماً جميلاً يفضي إلى الخراب. والفكر، إن لم يستمد حيويته من التجربة الإنسانية، يتحول إلى ترف ذهني عاجز عن التغيير.

إن الخلاص لا يأتي من فكرة طوباوية ولا من حلم غيبي، بل من العودة إلى أصل الأشياء، إلى المادة ذاتها، إلى الإنسان وهو يصنع وعيه بيديه، ويعيد بناء عالمه على قاعدة من العقل والواقع، لا من الأسطورة والسراب.

الخلاص يبدأ حين يعترف الإنسان أن وعيه ليس استثناء كونياً، بل استمرار للطبيعة في صورتها الأكثر تعقيداً ودهشة، وأنه لا يمكن أن يكون سيد الوجود ما لم يتصالح مع قانونه الأول: أن المادة هي التي تفكر حين يفكر الإنسان بها.

لقد علمتنا التجربة أن لا وعي بدون عمل، ولا فكر بدون صراع، ولا تقدم بدون احتكاك بالواقع. فالحضارات التي ازدهرت، ازدهرت لأنها أدركت أن الفكر لا يثمر في الفراغ، وأن التقدم لا يبنى على النوايا بل على الفعل. أما الأمم التي انساقت وراء أساطيرها، وانغلقت في وهم تفوقها، فقد تآكلت من الداخل حتى اندثرت.

وفي زمن يعاد فيه تشكيل الوعي الجمعي عبر الشاشات والخوارزميات، تزداد الحاجة إلى استعادة هذا الإدراك البسيط والعميق في آن معاً: أن الوعي بلا واقع هو كظل بلا جسد، وأن المادة، مهما بدت جامدة، هي الوجود الحقيقي الذي يهب الفكر معناه.

حين نفكر بالمادة، نفكر بأنفسنا. وحين نعيد فهم العالم من حولنا بوصفه كياناً متغيراً يخضع لقوانين يمكن إدراكها وتطويرها، فإننا نعيد للوعي وظيفته الكبرى: أن يكون وسيلة للتغيير لا وسيلة للإنكار.

فالمادة لا تفكر بالمعنى المجازي، لكنها تجعلنا نفكر، لأنها تمنحنا مرآة الحقيقة. وإذا كان الوعي هو أرقى أشكال المادة تنظيماً، فإننا حين نحتقر المادة نحتقر أصلنا.

لقد آن للإنسان أن يتواضع أمام هذا الفكر البسيط والعظيم: أن ما نظنه عقلاً مستقلاً، ليس سوى لحظة من لحظات الطبيعة وهي تفكر عبرنا، وأن المادة لا تفنى لأنها تتجدد في كل فكرة، وفي كل إنسان، وفي كل ومضة وعي تنير هذا الكون الفسيح.

المادة، وحدها، تفكر حين نفكر بها.

وكلما ازددنا إدراكاً لها، ازددنا قرباً من أنفسنا، ومن الحقيقة التي لا تتغير مهما يتوه الوعي في دروب الوهم.