الحسين سليم حسن
الجزء الثاني
حديث النفوس
كنا ثلاثةً لما التحقنا بمدرسة الشيخ موفق النيسابوري، وكنت أنا أشدهم هزالاً وصمتاً .
فتىً في مقتبل العمر لم يتسنى له أن يتفوه بكلمة مما يدور في خاطره أمام هالة والد فصيح ومتحدث وحافظ لأمجاد الفرس ،والذي أمام رعبه لا يمكن لك لو كنت ولده إلا أن تلوذ بالفرار منه حتى تجد ما يمكنك من الوقوف أمامه بثبات ودون أي شعور بالنقص، أي ما يجعلك نداً حقيقياً أمامه.
والدي الخيام البارع في صناعة الخيم، وفي إحاطة نفسه بهالة من الحجج المنطقية أمام محدثيه وآلاف القصص عن البطولات والبذخ في عهود ملوك الفرس، كان زرادشتياً يتقهقر رغم أنه كان قد أعلن إسلامه ،وكان بالنسبة لي أي بالنسبة لولده رجلاً صعب الطباع ،لا يمكن كنه مقاصده بسهولة ،وغير ودود على الإطلاق .
كنت هشاً امامه وكذلك كانت أمي ولكي أستمد قوة ما تمكنني من مجابهته، رحت أسعى وراء علوم الدين والعلوم الأخرى التي يجهلها تماماً ،فلما دخل والدي في الإسلام لم يكن بالعمر الذي يجعله فضولياً للإحاطة بكل التعاليم الإسلامية لذا بقيت معارفه الزرادشتية الفارسية المفخمة هي ما يقتات عليه في يومه، وللسبب ذاته استطعت التميز عنه .
وكان أول ما جعلني أتخطى سلطته ،هو أنني اصبحت أكثر معرفة بأمور ديننا منه ،مما يعني أن لي الافضلية عند الملوك السلاجقة منه، فضمنت بذلك المستقبل.
تنحى بعدها والدي جانباً عندما توفي ،ولم يعد أمر التغلب على سلطته بالأمر ذي الأهمية، واختفت برحيله حكايات الشاهنامه التي شكلت رعباً بالنسبة لي لما كانت السبب الرئيسي لنظرته إلي وكأنه ينظر إلى صرصار مسحوق ،كونني نشأت مستقيماً ضعيفاً بعيداً تماماً عن أكون بطلاً من أبطال الشاهنامه.
وهكذا استطعت أن أخدش استعلائه الزرادشتي بنيل رضا السلاجقة بأن أصبح مصدراً لقوتهم بتوسيع معارفي ،هذه القوة التي كانوا بحاجة إليها كبرهان آخر أو كتأكيد على الطمأنينة التي تضمنها السمعة الجيدة لدولة تدعم العلم والعلماء.
لذا لما قابلنا السلطان ألب أرسلان أنا ونظام الملك صديقي، وقفنا صامتين أمامه وهو يمدح ويبجل باجتهادنا، على الرغم من أسلوبه في الكلام وعدم تناسق المعارف التي أسس عليها كلامه اللتين كانتا تدلان على أنه رجل لايعرف سوى البطش كمصدر لقوته، وأنه بدوي بالفطرة عاش حياةً قاسية لا تعرف مبدأً أساسياً في الحياة سوى القانون الأساسي الصرف لها: لا شيء يتم إلا بالقوة.
ورغم ابتذال كلماته وتعبيراته إلا أننا رضينا بما يقوله عنا وكنا اقرب أن نصفق له أو نقبل يديه لأنه يتفضل علينا بمديحه الذي علينا استقباله بحفاوة من ينال مديحاً من شخص تفوق عليه .رغم أننا كنا مدركين أننا نفوقه علماً وحجةً وديناً إلا أنه ثمة شيء في دواخل النفس الإنسانية، شيئاً وحشياً من عصور القدامة ،يدفعها للرضوخ امام القوة الجسدية وأمام الغوغائية أو الإقحام الغير المبني على منطق وغير المدعوم سوى بفكرة واحدة قوامها (أنا الأقوى هنا، فكلامي هو الأهم، ويجب الإنصات إليه بالقوة).
حينها شعرت بالحزن يكتنفني، وتحسرت على الأيام التي كانت فيها سلطة والدي هي العائق الذي أحاول تفتيته، أمام سلطة لا يمكن سوى الرضوخ إليها، والقبول التام بأنك تعيش في كنفها ،في أمانها المطلق، وأنها هي تمنح لعلمك ومعرفتك المعنى !
وهذا هو أحد اعترافاتي التي لا أخبر أحداً به، أنني اشتريت الراحة والحياة الملونة المحاطة بكل مايشغل الوقت بالرضوخ التام لمن هو أقل دراية مني، والذي ربما أعتبره في قرارة نفسي جاهلاً لكنه الأقوى وهذا ربما ما ظننته قانون الحياة الصرف للبشرية !
وربما من هناك بدأ الخطأ ،فإنني لما فكرت بهذه الطريقة غفلت عن أمر هام هو أن قوة من وضعت نفسي بين ايديهم وتحت سلطتهم مصيرها إلى الزوال مهما طالت ،وعندها ستتحول القوة والسلطة إلى يد أخرى وعندها لن أتمكن من نيل استحسان الجميع، عندما أصل إلى عمر لا أملك فيه المقدرة على التغير أو التأقلم مع ماهو جديد .
ولم أكن لأخمن يوماً بأن كل ذلك قد يضيع يوماً من بين يدي، وستنهار كل تلك الرزانة التي ملكتها، ويتحول الجد والحياة المنظمة التي اعتدت عليها إلى عبث يقودني لأبحث عن تزجية الوقت في الحانات بين كؤوس الخمر.
يمكن القول أيضاً أن فقداني لصديقي نظام الملك فيما بعد قد ترك في جرحاً لا يلتئم بسهولة ،وانسلاخ الحسن الصباح عني على نحو مباغت.
فقد كنت أنا بينهما الأشد صمتاً والأقل طموحاً، فحيث كان نظام الملك يطمح بالوصول إلى منصب سياسي يقربه من الملك ،ويعمل بشغف كبير على ذلك ،ويطلع على أمور الجيش وأسلحته وعن أمور الحكم وترسيخ المفاهيم التي تضمن الحكم السلجوقي، وكان يهتم بقوته الجسدية وهندامه، كنت أنا غير مكترث بكل تلك الامور وكان شاغلي الوحيد هو مراقبة السماء والغوص في كتب اليونان رغبة مني في توسيع معرفتي من جهة أو لأنني كنت أجد ان ثقافتنا غير كافية بمفردها وأن ما يريد السلاجقة أن يرسخوه ضيق الأفق وكنت أعلم بأن دولتهم هذه ستنهار يوماً ما، ولكن لم أكن أجرؤ على البوح بذلك .
كنت بقراءتي للفلسفة اليونانية أتحدى والدي وحكمه التي نخرت رأسي والتي استخلصها من قصص جبابرة وملوك طغاة ،وأتحدى نفسي التي لم تكن لترتوي بالعلوم والمفاهيم المتاحة والمسموح بها ،كنت ارغب أن أرد اعتباري لذاتي الضعيفة المستسلمة أمامهم، بأن أثبت على الأقل بيني وبين نفسي أنني أدرك ما لا يدركون ولن يدركونه يوماً .
ولذا ربما اهتممت بقراءة رسائل إخوان الصفا، لكونهم من الجماعات التي لم تنل رضا الطابع الثقافي العام, سواء لدى الملك أو لدى الفقهاء ،وحتى أنني رحت أفتش في كتب الباطنية وأحلل خطابهم، وكان ذلك بمثابة تمردي السري، وكنت أحياناً في سري أحسد الحسن الصباح بالرغم من جزمي بكونه يعاني من نقص عقلي .
ولما نلت الاستحسان الأكبر من الملك السلجوقي ملكشاه لما أمر بإنشاء مرصد ضخم أعمل فيه ،وجعلني رفيقه إلى رحلات الصيد، سقطت في خدر تام ،وطمأنينة لم يكن علي أن اطلق العنان لها أو أثق بها، عندها نسيت أمر ضعفي وهشاشتي ونسيت أمر التحدي الخفي بيني وبين سلطة آل سلجوق ،وتقبلتها بعماوة، وغرقت بين أدوات الرصد أعمل بشغف، وأشعر بين الاسطرلابات الثمينة وفي الوجود الهائل للمرصد بتميزي وبأنني ملكت الدنيا بما فيها.
ولم يكن هذا بالأمر السلبي تماماً، إذ منحني ذلك فرصةً ذهبية لأفهم العلوم بتأن ولأتأمل الكون والحياة بشاعريتي المحجوبة في داخلي والتي كنت أرفض إظهارها، وأنسج الرباعيات الفارسية بلغتنا الأصلية الفارسية وكم اكتشفت عندها أن قصص والدي عن ملوك الفرس تسير في دمي رغم نفوري منهم .
أصبحت اتعلق بالأدب والحكايات أكثر ، لما طرق الرخاء بابي، لما صار الملكشاه بذاته يصمت أمامي ويعتبر كلامي نهائياً ولا نقاش فيه ودعاني لتصحيح التقويم الفارسي، مع نخبة من العلماء فجمعت تلاميذي وأسسنا ورشةً ضخمة، وكانت تلك أجمل أيام حياتي وراودني فيها شعور المجد .
ووقفت لأول مرة إلى جانب صديقي نظام الملك فخوراً بنفسي، وشعرت بقوتي الرهيبة بجانبه، إلى جانب أهم سياسي في بلاد المسلمين وأشدهم خبرةً وذكاءً وشجاعة في صنع القرارات وتطبيقها على أتم وجه دون أي تردد .
لم أحصل نتيجة ذلك على التقدير فقط وإنما على الحب والثقة، فقد كان السلاجقة بداوة يحبون من قلبهم ،بالرغم من أن نيل حبهم وثقتهم ليس بالأمر السهل وكان لهم مزاجية السلاطين وشغفهم للتقدم وضمان سير كل الامور في الدولة على أتم وجه، ولو أنهم كانوا غافلين عما قد تثيره الأفكار وعن مدى سرعة انتشارها، حتى ولو رمموا كل المساجد ووحدوا المدارس والمناهج في كل أرجاء الدولة .
كانوا يهتمون بالجماليات دون الالتفات للجانب السوداوي، إلى مكامن العتمة حيث وجد الحسن بن الصباح أتباعه وأغراهم بالحشيش الذي يذهب عقولهم ويريحهم من فقرهم وقلة حيلتهم .
اعتمد آل سلجوق على الفقهاء والعلماء لكن التمردات على حدود الدولة كانت شرسة ،والقوة العسكرية في تلك المناطق كانت تنهار شيئاً فشيئاً خصوصاً بعد انشغال السلطان بمشاكل عائلته وزوجاته .
لم أكن ألتفت لما يقوله الفقهاء كثيراً، وإنما سعيت للاختلاف عنهم وعن الجميع، وكنت أفضل السياسة المدنية لكن لم أكن لأدلي بهذا الرأي كثيراً في مجالسي مع العلماء أو الملك في البداية لما كنت غارقاً في نعيمي منشغلاً في مصادرات إقليدس ومسلمته عن التوازي إلا في بضعة أحاديث مع صديقي نظام الملك لما كان يزورني في المرصد بعد أن شعر بأهميتي وتخلى عن شيء من غروره واعتداده بنفسه .
وكان هو من مؤيدي تلك السياسة لكنه لم يفضل يوماً التحدث عنها، كان مثلي أنا متغاضياً عن حقه في الإدلاء بآراء لا تتلائم مع ما يحاول السلاجقة فرضه أو حتى الفقهاء والتوجه الثقافي في البلاد، وكان للأسف أعمى مثلي عما سيقود إليه صمتنا عندما تنهار الدولة ويسود معارضيها بخناجرهم قبل أفكارهم .
وأول ما طالته خناجر الباطنية هو صديقي نظام الملك وخسر حياته في غمضة عين ولم تنفعه كل تلك القوة وكل ذلك الذكاء، وخسرت أنا معه قطعة من روحي وجعلني هذا هشاً من جديد أمقت كل ما بين يدي من علم وأفر هارباً منه إلى السماء أناشدها بعينين دامعتين .
تبدل كل شيء في حياتي مع غياب صديقي ،وصرت أفتش عن خصاله التي أصبحت أفتقدها والتي ملأت فراغاً في داخلي لا يمكن ملؤه بسهولة ،لذا تقمصت تلك الخصال وعكفت قليلاً عن وحدتي وعملي الدؤوب ورحت أقابل زملائي من العلماء ونتحدث في الفلسفة ومعنى الحياة ورأينا في العدم واللذة والسياسة المدنية ،والتي أصبحت أكثر جرأة في طرحها ،ووجدت في ذلك إخلاصاً لذكرى نظام الملك وتنقلت بين نيسابور وأصفهان وبلخ وبخارى أنشر أفكاري التي تدعو إلى محاججة الكل بمن فيهم الفقهاء لنتمكن من السيطرة على المد الباطني .
فيما بعد وعند وفاة الملكشاه على نحو مفاجئ ومثير للريبة، أهملت كلياً المرصد وبدأ بساط الرخاء يسحب من تحت قدمي لما تخلت عني زوجته تركان خاتون لتعصبها المفرط وكانت لا تستسيغني أنا وأفكاري وتتهمني دوماً أنني على تواصل مع الحسن الصباح .
كانت أشد جهلاً من جميع آل بني سلجوق، امرأة بدوية صارمة حادة الطباع يظهر على قسماتها الدهاء والمكر الشديدين، وعندما استطاعت أن تسيطر على الحكم لصالح ابنها محمد راحت تصدر قرارات عشوائية لا تمت للحكمة بصلة ومن بينها إقصائي تماماً عن العمل وحرماني من راتبي الشهري .
فعلت ذلك بدافع من الفقهاء وبضعة العلماء الممتعضين من سلوكي والأفكار التي أنشرها والذين راحوا يصمونني بصفة الزنديق الخارج عن الدين .
ومن هنا بدأت معاناتي وصرت أقضي أوقاتاً طويلة في الوحدة والتأمل والنوم، وعدت إلى الصلاة الليلية من جديد واحياناً كنت أصليها في المسجد الجامع وأبكي على صديقي وعلى الزمان الذي غدر بي، وصفعني بقوة لإيقاظي من وهمي وخدري ليذكرني بخطأي الفادح بأنني استسلمت كلياً لحضن السلاجقة ونسيت أن لا شيء يدوم وأن النعيم لم يخلق للدنيا وأن هذه الحياة لا تساوي أية قيمة .


