الحسين سليم حسن
الجزء الرابع
حديث الزمن
(أنا الكاتب):
(ألف عاص وعاص) على غرار (ألف ليلة وليلة).
أنبش بين الكتب التي تزخر بها مكتبتي، مفتشاً عن لعنة العصيان المضيئة وأتأرجح ما بيني وبينهم.
هكذا نشأت في ذلك الحي الطويل الفارغ من أي باعث على العيش في مدينةٍ كئيبة تحول الناس فيها إلى عبيدٍ لعقارب ساعاتهم.
وعلى الرغم من كل هذا الضجر والكآبة، فقد آثرت العيش في ذات المنزل منذ الصغر، منزل العائلة الذي يتبقى كما هي العادة للفرد الذي يمتهن مهنةً تقتات على الماضي كمهنتي.
أعيش في هذا المنزل بعد أن غادر الجميع، وآخرهم كانت شقيقتي الكبرى التي آثرت العيش وحيدةً حتى النهاية، يشغلها عملها الدؤوب في الترجمة، والذي كانت بمثابة العاصية الأولى والأكثر تأثيراً علي.
عصت شقيقتي مجتمعها ولم تتزوج، وكانت تؤمن بان قوة المرء في وحدته، تقرأ شوبنهاور الذي يرى بأن الإنسان سيواجه نفسه في النهاية مهما عاش مع الآخرين، وأن السعادة قرار ذاتي.
وتستمع إلى داليدا معجبة أشد الإعجاب بشخصيتها وبفرديتها وقراراتها المتخذة بنفسها والذي كان آخرها قرار موتها.
وهكذا نشأت على اغنيات داليدا وهي تصدح في منزلنا والتي لم أكن لأفهم منها شيئاً لولا وجود شقيقتي.
كانت تترجم أعمال ألبير كامو وسيوران، وتهديني أول النسخ المطبوعة لأقرأها، بعد أن أصبحنا وحيدين في منزل والدينا ،وتجعلني في كل مرة أتساءل عن سر شغفها بكل ماهو عدمي، أو يرى في الحياة غير ذات نفع.
كانت شقيقتي شوبنهاورية، شكاكة في كل أمر، حتى في الحياة نفسها، ولا تقبل أي مطلق وكانت ترى بأن الشك هو ما يقينا من ملامسة حدود التوحش، وكانت لا تجادل كثيراً وتبقي أفكارها لنفسها التي ربما كونتها عبر الزمن من خلال قراءاتها.
في المحلات التجارية لاتساوم ،وتتجنب الأخذ والرد، تكره الحفلات الصاخبة وتفضل البقاء في شرفتها محاطةً بمزروعاتها وليلكها.
في المقابل كنت أنا أعيش حياتي الخاصة بمعزل عنها، وإن كان ثمة شيء يجمعنا فهو على الاغلب ما تستلزمه علاقة الاخوة، إلى جانب نقاشاتنا الغنية حول مائدة الطعام، عن الفلسفة الألمانية واليونانية والتي كنت أنا أفضل الأولى، لأنه كان لدي رأي خاص بأن الفلسفة يجب أن تكون مؤثرةً في المجتمع الذي تظهر فيه، ويجب أن تحمل راية التغيير، لا أن تنبثق من شبع ورفاهية زائدة.
كنت شغوفاً بسقراط الذي أدخل الفلسفة إلى مواقفه اليومية وحولها إلى نموذج حياة، حتى أنه لم يكتب أي شيء منها، بل عاشها.
فيما كانت شقيقتي تخالفني الرأي، وترى بعدم جدوى أي تغيير كان، لذلك اتجهت اهتماماتها نحو النفس بينما اتجهت أنا نحو الخارج والآخر.
ثم سرعان ما أصبح الآخر شغلي الشاغل، أتقمص شخصه وأكتب على لسانه رواياتي ،ثم تنجح تلك الروايات لتبعدني عن الآخر وتزيد من عزلتي مجدداً، خجلاً من نظرات العتاب في أعين من اقتحمت حيواتهم دون إذن.
أنا الذي كنت أقضي وقتي إن لم يكن في الكتابة ففي محاورة أصدقائي الكثر في المقاهي، كان لدي وقت مستقطع سري للغاية، وقت لا تشغله الكتابة ولا يشغله الآخر أعيش فيه مع أعتى عصاة التاريخ مفتشاً في حيواتهم عن لعنة العصيان المنيرة !
لما قررت أن أكتب روايةً عن حياة أختي التي تمثل أيقونة العصيان بالنسبة لي، رحت أفتش بين أغراضها عما يعينني على كتابة تلك الرواية، ووجدت كما توقعت مئات الكتب لشوبنهاور وألبير كامو وغيرهم من فلاسفة العبث والعدم، إلا أن ما أثار استغرابي وجود أكثر من نسخة لرباعيات الخيام بين كتبها وفي درج مكتبها، وحتى أنني عثرت متأخراً على وصيتها التي توصي فيها بأن تحفر على قبرها إحدى رباعياته المشهورة التي يتكلم فيها عن الحيرة بين الشك واليقين وبأن الطريق ليس أياً منهما.
أثار فيَ ذلك العجب، فأنا لم أذكر بأنها كانت يوماً مهتمةً بأي شاعر إن لم يكن شاعراً أوروبياً أو يكتب باللغة التي تترجم منها بحكم عملها.
ولما فتشت في دفتر مذكراتها أدركت كم هي معجبة بالخيام، وأنها كانت في داخلها النية لتأليف كتاب عنه، تشرح فيه فلسفته كما وصفتها، فقد كانت تجده فيلسوفاً، وكتبت ايضاً في مذكراتها أنهما يلتقيان في كثير من الأمور، الخيام الذي عصى على طريقته وعاش لمعنىً يخصه وحده، ومر كمرور النسيم في الزمن تاركاً أثراً لا ينسى من خلال رباعياته.
وهي التي بنت عالماً يخصها، عالماً من الوحدة التي لا تفضي إلى الحزن وإنما إلى الطمأنينة والجمال، عالم تغمره الموسيقى والكلمات العذبة، والفلسفة والاكتفاء بالقليل، والهدوء الذي يقود للتفكر والنزاهة عن الماديات.
كان عالمها هذا أقرب إلى عوالم الصوفيين لكنه يحمل طابعاً خاصاً، تماماً مثل عمر الخيام الذي كان يخاطب الخمر ويجد فيه معشوقاً أبدياً، بينما كانت شقيقتي تخاطب الموسيقى والكلمات كعشقها الخالص السرمدي.
لذا استبدلت فكرة كتابة رواية عنها بفكرة إكمال مشروعها بأن أؤلف كتاباً يتحدث عن الخيام ،كواحد من عصاة التاريخ المختلفين، والذي تحمل رباعياته في طياتها يوتوبيا مميزة ونادرة لم ولن تتكرر أبداً عبر التاريخ.
عندما شرعت في تأليف رواية عن عمر الخيام، بحثت عن الكتب التي تتناول سيرته وفلسفته ورباعياته والعصر الذي عايشه، ووجدت أنه شخصية مثيرة للجدل وحيرت الكثيرين من المؤرخين والباحثين وخصوصاً في خصوص تصنيفه كشاعر صوفي أو لا أدري والبعض عده من الباطنيين !
وبعض المؤرخين شككوا في حقيقة أن يكون العالم هو ذاته الشاعر، لما وجدوه من تباين في الطباع والأفكار بين الشخصيتين بالمقارنة بين أسلوبه العلمي وأسلوبه الشعري الذي يحمل بين طياته الكثير من الأسئلة الفلسفية الجريئة وصور المجون.
إلا أنني استطعت إيجاد تفسير ملائم لكل هذا، بما قدمته في روايتي وهو أنه عاش مرحلتين مختلفتين كلياً كانت فيهما الظروف متباينة للغاية، ولم ينعم الخيام في المرحلة الثانية بالرخاء الذي عاش فيه في المرحلة الأولى لما كان مقدماً على العلم بدعم من الحكم السلجوقي الراسخ والقوي والشرس، بل عاش كسيراً بلا مأوى ربما، خائباً ونادماً على صمته التام ورضوخه للنعيم المغدق عليه دون حتى أن يبحث عن استقلاليته.
وتزامن ذلك مع نفوره من العلم الذي لم يقدم له أية اقتراحات للسعادة أو إجابات عن أسئلة الوجود التي كان منشغلاً بها على الدوام وخصوصاً في رسالته عن الوجود وفي رباعياته.
فلجأ إلى حياة أخرى، حياة دون مخططات، حرة إلى درجة التطرف، وحتى دون تحكم عقلي أحياناً لما يذهب عقله بالخمور وفي حانات الراقصات والمغنيات، حياة عوض فيها ما أضاعه من سنوات في العمل الجدي المنضبط والصارم، وفي الصمت عن آراءه وأفكاره مقابل الغرق في النعيم.
وفي حياته الثانية هذه لم يكن سوى مستسلماً أيضاً إلى نوع آخر من النعيم، النعيم المسكر الذي يجعله يغيب كلياً عن ذاكرته ويبتعد عنها أكثر كي لا تؤلمه من جديد.
لذا فأنا رجحت بأن يكون عمر الخيام عدمياً أو وجودياً إن صح التصنيف تماماً كشوبنهاور وكألبير كامو وشقيقتي، يؤمن بأن الحياة لا معنى لها إلا إذا اخترعنا لها المعنى وفي حالته تغير المعنى مرتين بما يتلاءم مع ظروفه وفي كلتا الحالتين وجد معنىً يخصه وحده وخلده في كلتا الحالتين هذا المعنى سواءً بعلومه أو بأشعاره ورباعياته التي راجت في الغرب قبل الشرق ومازالت حتى اليوم ترددها الأجيال.
ذات يوم وحينما كنت أفتش في دروج شقيقتي وجدت علباً لدواءٍ منوم، فأدركت بأنني كنت أجهل أشياءً كثيرة عنها، فلم تكتفي شقيقتي ربما بالموسيقى والأدب كعناصر أساسية لعالمها الخاص، بل أدخلت غليه الخيال من خلا الهروب من الواقع عبر الأدوية المنومة التي تنتج أعراضاً أقرب إلى الهلوسات وتخيل عوالم أخرى لتبرهن لي مجدداً أن ما جمعها مع عمر الخيام كان أيضاً اللجوء إلى ما يذهب العقل كوسيلة أخيرة للتشبث بالفردية والوحدة.
حينها بدأت أكتشف أن من عشت معها كانت فتاةً أخرى، وصرت أشكك في كل ما عشناه سوية وفي جميع الذكريات التي لا يمكن الوثوق بصحتها.
فبالرغم من أن شقيقتي كانت تبدو سعيدةً على الدوام، فإنه تبين لي أنه على الأغلب لم يكن الامر هكذا، وأن تلك المترجمة الهادئة الضحوكة دائماً غير المكترثة بما يقوله المجتمع عنها ،كانت تخفي في داخلها شاعرة ضعيفة تقاوم بصعوبة تقدم الزمن وكانت أيضاً عاشقة عنيدة.
وقد عرفت عن قصة حبها عبر مذكراتها، التي تتحدث فيها عن إخلاصها الأبدي لحب شاب لم تحظى منه سوى الخيانات المتكررة والجحود وأنه بعد كل ما عاشته من آلام معه تزوج بأخرى من أجل مركز مرموق في المجتمع ولأن عائلتها أشد ثراءً من شقيقتي.
عندها فهمت كل شيء ،فهمت تلك الشقيقة التي احتفظت بشاعريتها لنفسها وعاشتها مع نفسها، ولم تظهر لنا سوى الجانب الصلب المثابر على العمل المتمرد على ثوابت مجتمعية تصر على زواج الفتاة، إلا أن كل ذلك كان ناتجاً عن قصة حزينة خفية موجعة إلى درجة عدم القدرة على التغلب عليها بسهولة.
وجدت ايضاً بين اغراضها أسطوانات لأم كلثوم وهي تغني رباعيات الخيام التي ترجمها الشاعر المصري أحمد رامي ولحنها رياض السنباطي، وكتبت شقيقتي في مذكراتها أنها كانت ترغب في إهدائها لحبيبها إلا أنها علمت في ذات الوقت بزواجه وتخليه عنها.
لذا وضعت تلك الأسطوانات على الحاكي القديم في منزلنا ورحت أستمع إليها ،فاكتسحتني رغبة في البكاء، البكاء على عجزي عن فهم حزنها قبل أن ترحل، فربما كنت استطعت أن أفعل شيئاً، إلا أنه من المؤكد لم أكن لأستطيع أن أقوم بشيء مؤثر كما فعلت رباعيات الخيام معها، وأسلتها عن الحزن طوال تلك السنوات.
في الأيام التي تلت معرفتي بقصص أختي الخفية، انتابتني كآبة عظيمة، وتغير برنامج حياتي الذي بدأت أعيد النظر فيه كلياً، فقد وسعت هذه المعرفة وعيي على نحو لا يصدق، وجعلتني أنظر إلى الأمور بنظرة مختلفةٍ كلياً.
وبينما كنت أجمع المعلومات اللازمة لكتابة تلك الرواية عن عمر الخيام لإهدائها لروح أختي، اصطدمت بأسئلة وجودية وفلسفية كثيرة لم تخطر لي من قبل مما دفعني للبحث أكثر في كتب شوبنهاور وكامو وسيوران فيلسوف العدم فوجدت تلك النقاط المشتركة بينهم وبين عمر الخيام وبين شقيقتي فكل منهم قدم شكلاً مفيداً لعيش الحياة ،لكن الفرق أننا لا نعلم بم مر كل من شوبنهاور وسيوران وكامو وعمر الخيام في حيواتهم من تجارب، دفعتهم لتبني تلك الفلسفة على النحو الدقيق الذي عرفته عن تجارب أختي
لقد كانت أختي فيلسوفة، لكنها لم تكتب شيئاً من فلسفتها وإنما عاشتها بكل تفاصيلها، واكتفت بذلك الوجه الظاهري كمترجمة لأعمال الفلاسفة العظام .
جعل هذا كله اهتمامي يتبدل ،فتخليت عن فكرة تمجيد العصيان في كتابي عن عمر الخيام، لأنني بدأت أرى أنه يجب أن نرى الأمور من منظار مختلف، بأن نكتب عن هذه الشخصية كما هي دون الحكم عليها أي دون إطلاق صفة العاصي أو المتمرد أو المختلف عنها، وإنما يجب أن نراها تبعاً للظروف التي عاشتها وتبعاً لظروفها التاريخية والنفسية.
وقادني أيضاً ذلك إلى معرفة عميقة لذاتي، وما مررت به من مراحل قادت بي أيضاً نحو الوحدة كما شقيقتي والتي لم أشعر بوحشتها إلا بعد اكتشافي بأن وحدة شقيقتي لم تكن تلك الوحدة المثالية المبنية على اقتناع تام، أو أنها نوع من الفردية المقدسة.
فقد قلب ذلك الاكتشاف حياتي رأساً على عقب وتخليت عن تلك النظرة المثالية للعالم وعن هوسي بالآخر وبدأت أشكك حتى في حياة العظماء الذين كنت شغوفاً بكتبهم.
لقد علمتني تلك التجربة المساءلة، ومنحتني الفرصة في الغوص في دهاليز نفسي أكثر لمعرفة ما أريده بالضبط ولأول مرة دون الابتذال في تقديس غيري والتأثر الشديد بهم إلى درجة التغافل عن الذات وعما تريده كما حدث معي أنا طوال حياتي السابقة حتى مع شخصيات رواياتي التي طغت علي وجعلتني كدمية بين أصابعها تحركني كما ترغب هي ،وتتحكم بمشاعري وانفعالاتي وحتى قراراتي.
لما أنهيت تأليف الكتاب الذي أتحدث فيه عن عمر الخيام، كانت قد تغيرت في حياتي أموركثيرة، بدءاً بعلاقاتي مع الآخرين، والتخلي عن كثير من الصداقات القديمة مع كتاب لم يكن بيني وبينهم أي شيء مشترك، وكانت علاقاتنا مبنية على الإعجاب من قبلي أو الانقياد الأعمى دون أي نقد أو اعتراض على أي تفصيل يذكر .
أصبحت مقلاً في الخروج إلى المقاهي، إلا مع أصدقائي في الدراسة ورحت استعيد معهم تلك الأيام الجميلة، وحتى أننا قررنا أن نبحث عمن فقدناهم من اصدقاء الجامعة لنستعيد تلك الاجتماعات القديمة ونسامح بعضنا عن كل ما سبب في تفريقنا من سوء تفاهم، واختلاف في الآراء.
صرت أزور قبر أختي بكثرة وأضع لها زهور الليلك التي تفضلها على قبرها، وعهدت إلى خطاط مرموق لينقش رباعيتها المفضلة على القبر.
أصبحت أيضاً أكثر ارتباطاً بالطبيعة والصمت والهدوء، وابتعدت عن الحفلات الصاخبة بما فيها حفلات توقيع الكتب وآثرت لقاء أصدقاء الجامعة في الحدائق أو في النوادي الرياضية حيث نكون أقل زيفاً وأكثر حقيقية.
وتغير مزاجي الموسيقي ومزاجي في الكتابة، فصرت أجلس وراء مكتب شقيقتي وأكتب وأنا أنصت إلى أغنيات داليدا مطربتها المفضلة، وأقلب في كتب وتراجم شقيقتي، وأتنشق عطرها الأمر الذي شجعني على زيارة متجر العطور وطلب النسخة الرجالية منه.
خفت أن أقع فريسة الفقدان وأن أقلدها في كل شيء ،فخصصت فصلاً في روايتي أفضفض فيه عن حزني ومشاعري تجاهها.
لما طبع الكتاب ووزع على المكتبات ‘أهديت أصدقائي القدامى نسخة منه ،والتقينا ذات ليلةٍ في مقهى قديم يذكرنا بالأيام الخوالي وتناقشنا فيه ،وخصصنا الجزء الأخير من اللقاء لإلقاء الشعر، وقمت أنا بإلقاء بعض من رباعيات الخيام فنالت إعجاب الكل وشبهها أحد الحضور بالكلمات التي تهمس في القلب لا في الأذن.
بعد ذلك بأسبوع ارتفعت مبيعات الكتاب على نحو لا يصدق، وعاد اسم الخيام إلى الظهور على قوائم البحث في جوجل، وازدادت قيمة حسابي البنكي إثر ذلك وأصبحت في مصاف الكتاب المشهورين الأمر الذي لم اكن لأحظى به قبل إقدامي على قراءة مذكرات شقيقتي والتي كان لها الفضل الأكبر في جعل ذلك الهاوي محترفاً معروفاً للجميع وفي قلوب الجميع.
بعد فترة قصيرة تلقيت اتصالاً من رئيس دار نشر لم أسمع بها من قبل، ودعاني لمقابلة معه في مركز دار النشر ،مردفاً بأن الحديث سيكون بخصوص شقيقتي المتوفاة.
لما لبيت دعوته فوجئت بما أخبرني به، قال لي بأن شقيقتي كانت قد طلبت منه قبل موتها بعدة أشهر أن ينشر مذكراتها التي عهدت إليه بها، ولكن أن يقوم بذلك بعد عدة أشهر من وفاتها.
وكان هو قد ارتأى بأن يخبرني بالأمر قبل أن يقدم على تلك الخطوة بعد سماعه عن شهرة كتابي الجديد والشهرة الشخصية التي سببها لي ذلك الكتاب، وذلك لما يحمله كتاب شقيقتي بين دفتيه من مذكرات صريحة وحساسة للغاية والتي قد تسبب ضرراً لتلك الشهرة.
سألته عن تلك الأشياء الحساسة التي ذكرتها على حد تعبيره ،فأخبرني بأنه يفضل بأن أقرأها بنفسي وأقرر بعدها.
أمسكت بكتاب المذكرات وقد اعترتني الصدمة، فماذا عن تلك المذكرات التي وجدتها في المنزل؟
ولما وصلت المنزل باشرت فوراً بقراءتها، كانت تلك المذكرات هي نفسها التي قرأتها إلا أن ما زادت عليه هي الكتابة عن رغبتها الدائمة في الهروب كلياً من هذه الحياة وأنها تفكر على الدوام في الانتحار باستخدام جرعة زائدة من المنومات تماماً كمطربتها المفضلة (داليدا)، وقد بدت في مذكراتها الأصلية هذه أكثر هشاشة وهذا ما صدمني أكثر بأن أعلم أنني لم أكن أعلم شيئاً عن شقيقتي التي كانت تعيش حياةً بائسة للغاية وتكتم كل ذلك في قلبها وأنها كانت تنتظر الموت دوماً وأن كل ما قامت به في حياتها مجرد تمضية للوقت املاً بقدوم الموت في اسرع وقت !
وهذا ما دفعني إلى الطلب من الطبابة الشرعية بإخراج جثتها والتأكد من سبب موتها فيما لو كان انتحاراً، وليس سكتة قلبية ليلية كما ظننا ليلة وفاتها.
كان كتاب أختي قد خرج للتو من المطبعة لما تلقيت تقرير الطبابة الشرعية والذي يفيد بعدم وجود أية محاولة للانتحار وهذا ما جعلني فخوراً مجدداً بشقيقتي.
وبعدها بفترة تفقدت مبيعات كتابها فوجدت بأنه لا يحظى بمبيعات كثيرة، وذلك من الطبيعي فالناس لا تفضل قراءة هذا النوع من الكتب الحزينة إلا أنها في رأيي كانت تماماً كرباعيات الخيام ،مذكرات عظيمة كان لها أكبر الأثر علي أنا ،فربما لم تجعل هذه المذكرات من شقيقتي كاتبة معروفة بل ظلت كما عاشت غائبةً عن الأنظار تبث عطرها بخفية وسرية، إلا أنها صنعت مني صورة الكاتب الذي كنت أحلم بها على الدوام.
فكرت بكل هذا لما زرت قبرها لمشاهدة ما أنجزه النقاش ،وقرأت رباعية الخيام المفضلة عندها على القبر بصوت عال ،فانتابني شعور بأنها هي من تقرأها بصوتها، أو أنها تهمسها في قلبي همساً، كما ستظل تهمس لي على الدوام بكلمات مذكراتها التي غيرت حياتي إلى الأبد.
انتهى


