المجلة الثقافية الجزائرية

طه عاشِقُ البَحْرِ وَالزَّيْتون(1)

شعر الدكتور حلمي الزواتي

 

كَالبَرْقِ بِلَيْلٍ غائِم

مَرَّ وَفي كَفَّيهِ نُجومٌ مُطْفَأَةٌ

تَنْتَظِرُ عُيونَ امرَأَةٍ تَحتَضِنُ البَحرَ وَراءَ المَجْهول

طهَ! إِجْلِسْ يا وَلدي!

قالَتْها أمٌّ، والقَلْبُ ذَبيحٌ

يَتَلوّى في ريحٍ عاصِف

كَلماتٌ تَتَكَسَّرُ وَحُروفٌ ناضِجَةٌ كالحُبِّ الدَّافِئ

كالشَّمسِ المُشرِقَةِ على زَهْرِ الحِرْمان

كَأنَّ الكَلِماتِ نُجومٌ تَسْبَحُ في بَحْرِ العَينَيْن

وَالأَمَلُ الذَّاهِبُ في المَجْهول

يَتَنَسَّمُ رائِحَةَ العُشْبِ البَرِّي

ويَسبُرُ عُمْقَ البَحْرِ

ويبحثُ عن طَيْرِ الثَّوْرَةِ في أَحْضانِ الشَّمْسِ

وَكَلِماتِ المَوَّالِ البَلَدِي

طه! يا وَلدي، اجْلِسْ!

يَتلاشى الحُلْمُ الدَّمَوِي

يَتَلاشى حُلمُ الأُم

ويَسترجِعُ هذا العالمُ كُلَّ خَفاياهُ

ويَكبُرُ طهَ هذا الطِّفْل

هذا المارِدُ يَكْبُرُ

يَكْبُرُ كَالتِّينِ البَرِّي

***

ماتَتْ بَيروتُ مِراراً، حَلُمَتْ

ذَهَبتْ للبَحْرِ وَقالتْ كُلَّ الأسْرارِ الدَّمَويَّة

غَسَلتْ آثامَ البَشَرِ المُكْتَنزينَ الغَيْظ

ابتسمَتْ للأَرْزَةِ والزَّيْتون

وَكانَ “الزَّعْتَرُ”(2) غَيْماً وَرَصاصاً وَقَنابِل

كانَ “الزَّعْتَرُ” طِفْلاً يَلقُمُ ثَدْيَ امرَأةٍ ماتَتْ بِرصاصِ الغَدْر

وقَرارِ التَّنظيمِ السِّرِّي

لَمْ يَسقُطْ طهَ رَغْمَ الحَرْبِ

ورَغْمَ القَصْفِ

ورَغْمَ القَتْلِ العَلَنِي

طهَ لَمْ يَسْقُطْ

كانَ يَموتُ بَطيئاً

كانَ يُمارِسُ ألوانَ الحُبِ العُذْرِي

***

وَتَمُرُّ الأيامُ سَريعاً

يَكْبُرُ طهَ

يَكْبُرُ، يُصْبحُ كَالزَّيتونِ الرُّومِي(3)

يَتَوهَّجُ قَمَراً غَجَرِيًّا

يَتَأهَّبُ للتِّرْحالِ وَللسَّفَرِ الأَبَدِي

طهَ يَكْبُرُ…يَصْغُرُ

يَتَرَدَّدُ كَالصَّوْتِ المَذبوحِ بِسِكِينٍ أَزَلِي

يا طهَ لا تَحْزَنْ، لا تَقْلَقْ

إنَّ العالَمَ كَفَّاكَ وَنَعْلاك

وَيافا تَكْبُرُ بَيْنَ يَدَيْك

وأَرْضُ فِلسطينَ مِنَ “الماءِ إلى الماء”(4)

زُهورٌ وَزنابقُ بَيْضاء

رَصاصٌ أَحْمَرُ مِنْ عَيْنَيْك

***

يُسْتَشْهَدُ طهَ هذا الوَلَدُ الصَّفْصافُ،

اللَّوزُ، وَنورُ الشَّمْسِ، وَأشكالُ الحَرْفِ العَرَبِي

يُسْتَشْهَدُ طهَ، يُولَدُ مِنْ رَحْمِ الأَرْضِ

ويَحْلُمُ بِالزَّهْرِ الأَحْمَرِ وَالزِّيِّ البَدَوِي

يُولَدُ مِنْ ضِلْعي الآنَ

وَيَخْرُجُ للثَّورَةِ “جيفارا”(5) و”الرَّبَذِي”(6)

يُسْتَشْهَدُ طهَ، يُولَدُ،

يَعْرِفُ أنَّ حُدودَ فِلِسطينَ مِنَ “المَاءِ إلى المَاءِ”

إلى وَجَعِ المَحرومينَ

إلى جَسدِ الثورةِ والنَّفطِ العَرَبِي

***

طهَ يَنْسى الأَلْقابَ وَيَنْسى الأَنْسابَ

وَيَنْسى أشياءً شَتّى، مِنْها:

أصْلُ الثَّوْرَةِ، وَالإنْسان،

ورائِحَةُ الدَّمِ النازِفِ من رُوحي،

وشُواءُ اللحْمِ البَشَرِي

وَيَنْسى أخبارَ العَسَسِ الليْليِّ وَأزْهارَ الرُّمان

طهَ، يا وَلَدي!

أَخْبِرني كَيْفَ يَموتُ الزَّيْتونُ،

 وَكَيْفَ نَعيشُ الحُزْنَ الأَبَدِي؟

أَخْبِرني يا وَلَدي!

إِن رِجالَ أَبي جَهْلٍ (7) خَلْفَ ضُلوعي

زَرَعوا الحِقْدَ الدَّمَوِيَّ،

فَأَخْفَيْتُ يَدي مِنْ أَسْيافِ الحُكْمِ القَبَلي

***

طهَ، يا وَلَدي!

ما زِلْنا نَأكُلُ بِالإثْمِ طَعامَ الثَّورَةِ وَالأَيْتام

ما زِلْنا نَسْرِقُ بِالجُمْلَةِ أَقْواتَ الأُمَّة

نَتَعاطى أَوْجاعَ المَحْرومينَ نَبيذاً عَتَّقَهُ النِّسْيان

ما أَسْوأَ أَنْ يَبقى الإِنْسانُ بِلا وَطَنٍ عُرْيان؟

يَتَقاذَفُه القَوْمُ

يَنوءُ حَزيناً حَيْران

طهَ، يا وَلَدي!

 أَخْبِرْ “عَمْروشَ فَلِسْطينَ”(8)

بِأَنَّ الثَّوْرَةَ قَدْ تاهَتْ وَالقَلبُ حَزين

أَخْبِرهُ بِأنَّ فِلِسطينَ الآنَ تُحارِبُ حافِيةَ القَدَمين

أَخْبِرْهُ بِأنا ما زِلْنا – نَحْنُ – كَما كُنَّا

لا شَيْءَ تَجَدَّدَ فينا غَيرُ القَتْلِ وَذَبْحُ الإِنْسان.

ملاحظات ختامية:

(1) كتبت هذه القصيدة قبل 45 عاما، وبالتحديد يوم 12 حزيران 1981، في تأبين طه، الطفل الوحيد للاجئ فلسطيني اقتلع من أرضه خلال النكبة عام 1948، وسكن منطقة سن الفيل في بيروت، حيث عمل حارس بناية ينام مع طفله طه وزوجته أسفل سلمها. زرت هذه العائلة صدفة في مكان اقامتها يوم 21 آب 1975. وخلال الحرب الدموية في بيروت التي اشتعلت في ذلك العام واستمرت عشر سنوات قتل هذا الطفل، وقتل معه حلم أمه بأن يكبر وينقذ العائلة من شظف العيش الذي لازمهم منذ النكبة. وما اشبه اليوم بالبارحة. النكبة مستمرة! ترجمت هذه القصيدة حديثا الى الإنكليزية وستظهر قريبا في مجموعتي الشعرية القادمة “Rhymes of Blood and Jasmine”

(2) كانت مذبحة تل الزعتر واحدة من أكثر الأحداث مأساوية في الحرب الأهلية اللبنانية. تعرض مخيم تل الزعتر، وهو مخيم للاجئين الفلسطينيين في شرق بيروت، للحصار في صيف عام 1976 من قبل الميليشيات اللبنانية اليمينية. وعلى مدى أسابيع، تعرض المخيم لقصف مكثف، ومجاعة، وتدمير مرافق المياه والخدمات الطبية، مما ترك المدنيين دون وسائل أساسية للبقاء على قيد الحياة. في آب 1976، بعد سقوط المخيم، قُتل أو اختفى آلاف المدنيين الفلسطينيين، وتم تهجير الناجين قسراً. لا يزال تل الزعتر رمزاً قوياً لمعاناة الفلسطينيين، وانعدام الهوية، والتكلفة البشرية الكارثية للحرب الطائفية.

(3) يُعتقد أن أشجار الزيتون الرومية في فلسطين تعود إلى العصر الروماني. منذ حوالي 2000 عام، لا تزال العديد من هذه الأشجار حية ومثمرة، وهي ترمز إلى الاستمرارية والمرونة والوجود الفلسطيني المتجذر في الأرض. وهي ذات قيمة ليس فقط لأهميتها الزراعية، بل أيضًا لأهميتها التاريخية والثقافية والوطنية.

(4) من الخليج العربي شرقًا إلى المحيط الأطلسي على حدود المغرب غربًا. هذه إشارة إلى معاناة الفلسطينيين التي تمتد إلى العالم العربي، بما في ذلك الدول التي تظهر تضامنها مع هذا الشعب.

(5) كان تشي جيفارا (1928-1967) ثوريًا أرجنتينيًا ومنظّرًا ماركسيًا لعب دورًا محوريًا في الثورة الكوبية، ثم انخرط لاحقًا في الكفاح المسلح في أفريقيا وأمريكا اللاتينية. بالنسبة لحركات المقاومة الفلسطينية، أصبح جيفارا رمزًا للثورة الأممية ومناهضة الإمبريالية والكفاح المسلح ضد الاضطهاد. وقد لاقت صورته وكتاباته صدىً لدى الجماعات الفلسطينية التي تسعى إلى التضامن العالمي وتضع قضيتها في إطار حركات تحرير العالم الثالث الأوسع نطاقًا.

(6) الرَّبدي هو أبو ذر الغفاري (توفي عام 652 م) وكان من الصحابة البارزين للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، واشتهر بزهده وصرامته الأخلاقية وموقفه المتشدد تجاه العدالة الاجتماعية. وقد انتقد علانية تراكم الثروة لدى النخبة، ودعا إلى المساواة الاقتصادية ورعاية الفقراء، مستنداً في آرائه إلى الأخلاق القرآنية. معارضته المبدئية للفساد، حتى على حساب مصالحه الشخصية، جعلته رمزًا دائمًا للعدالة الاجتماعية في تاريخ الإسلام المبكر.

(7) كان أبو جهل، عمرو بن هشام (توفي عام 624 م) زعيماً قريشياً بارزاً في مكة وأحد أشد معارضي النبي محمد صلى الله عليه وسلم في أوائل العصر الإسلامي. اشتهر بنفوذه السياسي ونزعة العنف، وقام باضطهاد وتعذيب المسلمين الأوائل وقاد جهود قمع الإسلام. في التاريخ الإسلامي، يرمز أبو جهل إلى الغطرسة والطغيان والمقاومة العنيفة للإصلاح الأخلاقي والديني.

 (8) عمروش فلسطين هو لقب أُطلق على القائد العسكري الفلسطيني أبو علي إياد (اسمه الحقيقي وليد أحمد نمر نصر الحسن، 1935-1971)، أحد أبرز شخصيات المقاومة الفلسطينية في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، لا سيما خلال أحداث أيلول الأسود في الأردن (1970-1971). عارض خيارات ياسر عرفات السياسية التوفيقية وأصر على المواجهة المسلحة. قُتل في شمال الأردن وأصبح رمزًا للثبات الثوري والمقاومة.

استُوحِيَ هذا اللقب من الثوري الجزائري عمروش، رمز حرب التحرير الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي. قورن أبو علي إياد بعمروش بسبب انضباطه الثوري وصرامته العسكرية والتزامه الثابت بالكفاح المسلح ورفضه التنازلات السياسية التي اعتبرها تنازلات. كان اللقب يرمز إلى الصلة بين النضال الفلسطيني وحركات التحرر العالمية، ولا سيما التجربة الثورية الجزائرية التي أثرت بعمق على فكر المقاومة الفلسطينية في ذلك الوقت.