المجلة الثقافية الجزائرية

عندما تعيد الأسفار تشكيل الذات وصوغ المعنى

هذا النصّ من كتاب: ”الفلسفة والحقيقة في الرسالة السابعة لأفلاطون: عندما تعيد الأسفار تشكيل الذات وصوغ المعنى”.

د. خديجة زتيلي

 

«أسئلتي الشائكة في الأنْدلس والذاكرة الأَزَليّة    

    أَرْهَقتني الأسئلة الكثيرة في زيارتين اسْتكشافيتين إلى الأندلس في العامين الماضيين، الأولى كانت نحو إشْبيلية Séville/ Sevilla وقُرطبة Córdoba/ Cordoue ، والثانيّة بعدها بنصف عام إلى مَلَقَا Málaga/Malaga ثمّ إلى غرناطة Granada / Grenade، فلطالما حلمت بهذه الرحلة إلى أندلس البهاء والرُقيّ والجمال والفنون والآداب والسياسة والشعر والفلسفة، التي تَشَكَّلَتْ صُورتها في ذهني من قراءاتي المختلفة المشارب، فلا يمكن لعاقل أنْ يَطَّلِع على تلك الحقبة التاريخيّة الخصيبة من حُكم المسلمين في الأندلس من دون أنْ يَقع في جاذبيّة سحرها الحضاري والثقافي. فأنا مَسْكونة كما غيري من أبناء ثقافتي ومن المهمومين مثلي بألم فَقْد إرْثها وحَواضرها وقُصورها ومَساجدها التي أصبحتْ أثراً بعدَ عينٍ بعد ثمانية قرون من المجد، وفي الوقت ذاته مُعتزّة أيّما اعتزاز بروحها وأمجادها وبمن شيّدوا، على تلك الأرض، معماراً فكريّاً وفلسفيّاً لا يَبلى، وبي حنين مزمن إليه وإلى سماع الكلمات العربيّة التي تمتلئ بها اللّغة الإسبانيّة. ولم أكنْ في خِضّم تلك المشاعر التي انْتابتني وخَيَّمَ حضورها عليّ، قبل الرحلة، إلاّ مُدافعة عمّا يُسميه الفيلسوف الإيراني داريوش شايغان بـــ ”الذاكرة الأزليّة” أو مُستودع الكينونات، وتَتَمَيَّز هذه الذاكرة بأنّها مُتعاليّة عن أبعاد الزمن الثلاثة وتحْوي كُنوزا لا يجب الاسْتهانة بها، كما تَتَمَتَّع بحضور إيجابي في حياتنا لأنّها تَتَضمَّن رَسائل رُوحية عَميقة ومُضمَرة، ولاشكّ أنّ الانْقطاع عنها يُفضي إلى انْسلاخ عن الجذور وإلى اغْتراب روحي يَهْوي بصاحبهِ إلى حالة من الضياع والعَدَميّة.  

     في إشبيليّة سكنتُ في فندق أنيق بهيّ كان بعيداً عن الصَخب والضَوْضاء، تَتَوَسّطه نافورة ماء سخيّة وحديقة مُنسّقة تَضُمّ بين جَنَباتها أشجار ونباتات مُتسلّقة وورود حمراء يانعة تُطلّ على الزوّار من كلّ جانب، وكان قسم كبير من المعمار الداخلي لمبنى الفندق على طراز العمارة الإسلاميّة الأندلسيّة، ولا شكّ أنّ ذلك الملمح المعماري كان له مفعوله السحري على نفسيتي لأنّه ذكَّرني بقُصور الأندلس الخلاّبة. وينبغي الاعتراف، في هذه الجزئيّة، أنّ الأحداث المتسارعة في حياتنا وتفاعلنا معها، بأيّ شكل من الأشكال، تُفاجئنا أحيانا وتُربكنا ليَسْتفيق فينا الماضي بحُمولاته الثقيلة ويَفعل فينا ما يَحلو له فعله، ولم أكنْ، بطبيعة الحال، بمنأى عن هذه الأقدار، فنحن لا نَنْقاد فقط بواسطة العقل بل وبالفُؤاد أيضا، وبعد أيّام قليلة مَكثتُها في إشبيليّة يممتُ وجهي صوب مدينة قُرطبة التي تَبْعد عن إشبيليّة مسافة ساعتين بالسيارة. وقُرطبة في وجداني لا تُعدّ مدينة أندلسيّة تعايشتْ فيها ثقافات وديانات وأعراق مختلفة تعايشاً سلميّاً، وتلك المدينة التي تُذكّرنا بابن رشد وابن حزم وابن ميمون وبشاعرها العظيم ابن زيدون وحبيبته ولاّدة بنت المستكفي وحسب، بل هي، فضلا عن ذلك، رقعة في أعماق الروح موءودة، تعود بآلامها وقساوة ما مرّ عليها إلى السَطْح لتعلوه مع كلّ حادثة أو إشارة أو كتاب أو مخطوط يُذكّرنا بهذه المدينة المندثرة وبغيرها من الحواضر الأندلسيّة، التي انْتهى أمرها في غَفْلة من سياسيّيها الذين الْتَهوا عنها بالترُّهات والصراعات الطائفيّة وباللهو والعَبث. 

الصورة في إشبيلية في باحة الفندق الموصوف في النصّ..

     ها أنا أحطّ رحالي أخيرا بغرناطة فألمس حجارة حاراتها العتيقة، وأسير في قَصَبَتِها مفتونة بالإتقان الهندسي وفنّ تصفيف الحدائق البديعة المشيّدة في وسطها وعلى جنباتها، لأصل، في نهاية المطاف، إلى قَصْرها العظيم المدهش ”قصر الحمراء” آخر قلاع المسلمين في الأندلس التي صَمدتْ إلى غاية عام 1492م. تَعُجُّ أسوار القصر الفخم بنقوش الخطّ العربي النَسْخي والكوفي وبالزخارف النباتيّة البديعة التي تَتَكَرَّر فيها عبارة ”لا غالب إلاّ الله”، ويَتَمَتَّع الزائر أيضا بقراءة قصائد لثلاثة شعراء من البلاط الملكي على تلك الأسوار وهم: ابن الحباب (1274-1349)، ابن الخطيب (1313-1375)، وابن زمرك (1333-1393). أَكْتِم، في أثناء هذه الزيارة، حُزني وحَنيني الفائض إلى زمان لا يعود، وأَحْبس دمعاً لا يَفهمه السُوّاح المنهمكين في التَصْوير والتَسْجيل الذين تَقَاطَروا من كلّ أنحاء العالم، لأنّ التفاعل مع أيّ إرث حَضاري مُتفاوت الدرجة من شخص إلى آخر وتُحدّده جُملة من العوامل والمرجعيات القَوميّة واللّغويّة والثقافيّة والدينيّة والإيديولوجيّة، فلا أحسبُ أنّ سائحا غربيّا أو آسيويا أو إفريقيّا يرى جامع قُرطبة، بميراثه الفكري والديني وبحمولته الحضارية، بالعين التي كنتُ أرى بها المكان. 

     فرغم أنّ الحداثة، حسب شايغان، تجرّأتْ على وضع قَوالب لعالمنا الإدْراكي وتَشْكيل معايير تَقويميّة لنُدرك بواسطتها العالم وتُراثنا الخاصّ، إلاّ أنّ صورتنا وفق تلك المعايير بقيتْ مُشوّهة و «مَعْكوسة على مَرايا مَكْسورة». ويَعتني شايغان في هذا المقطع بالشرق الروحاني، عموما، وبخصائصه التي يجهلها الغَرب أو يَتَجَاهلها من منطق الاسْتعلاء على الآخرين وثقافة المركزيّة الغربيّة، لينتهي في حديثهِ إلى أنَّ الغربَ لا يَفهم تَجربتنا الروحيّة ويَسْتَعْصي عليه إدْراكها وتَقْدير مَضامينها، لأنّه، ببساطة، غير مَعنيٍّ بها، وهو لا يَبْذُل جُهدا لكي يَفهمها ويَسْتَوعبها. وربّما حَصَلَ الأمر ذاته مع تاريخ الحضارة الأندلسيّة، الذي لا يَتمّ التركيز فيه، من طرف الغربيّين خاصّة، على جوانبهِ الخصبة بنزاهة ومَوضوعيّة وعُمق، والنظر إليه في أبعاده الحضاريّة والإنسانيّة والروحانيّة الفريدة، بل غالبا ما يَتِمّ التَعْتيم على التاريخ الأندلسي وإخضاعه لتفسيرات إيديولوجيّة. لذلك أَجِدُني في صفّ شايغان حين يقول بكثير من الوعي والأسى: إنّ «أولئك الذين يَدْفعون أَكْلاف هذه التجربة [الروحيّة] من وعيهم التاعس، أي نحن، هم وَحْدهم المؤهّلون لأن يُبْرزوها ويَعْمَلوا على تَطْهيرها».