المجلة الثقافية الجزائرية

5- قلب تائه

سلسلة على حافة الأدب

بقلم: بومدين حدوش

القلب واحد، لا يملك الإنسان سواه؛ لكنه يمضي به في الدنيا كأنما تتجاذبه وجهتان: حياة يراها، يلمس أشياءها، ويشتهي أن يطول مقامه فيها؛ وآخرة يؤمن بها، ولا يعرف متى يعبر إليها. وبين ما تألفه عيناه وما يستقر في يقينه، تبدأ الحيرة.

ليست الدنيا في ذاتها هي المشكلة؛ ففيها جمال يجذب النفس، ورغبات تدفع إلى السعي، وآمال يعمر بها الإنسان الأرض. لكنه لا يكتفي أحيانًا بأن يعيشها؛ يريد أن يضمنها، وأن يضاعف نصيبه منها، وأن يؤجل نهايتها في وعيه.

وهنا يحدث ما هو أعمق من التعلق بالمال والمتاع: يتغير معنى الحياة نفسها. يصبح النجاح ما يراه الآخرون نجاحًا، والسعادة ما يمكن عرضه، والقيمة ما يمكن امتلاكه، والمكانة ما يثبت للناس أن صاحبها لم يتأخر عن الركب.

فالإنسان لا يعيش وحده داخل رغبته. المجتمع من حوله لا يمنح الأشياء قيمتها فحسب، بل يلقّنه أيضًا ما يستحق أن يرغب فيه. وهكذا يتحول بعض ما يظنه رغبات شخصية إلى رغبات تعلّمها وهو يكبر. حتى المرآة التي ينظر فيها إلى نفسه ليست مرآته وحده؛ إنها عيون الآخرين وقد استعارها ليرى بها ذاته.

ومنذ طفولته، يسمع للحياة إيقاع السباق: ادرس لتنجح، واعمل لتكسب، واكسب لتملك، وامتلك لتصبح أفضل، ثم انتظر من الآخرين أن يشهدوا لك بذلك.

وهكذا يتحول، من حيث لا يشعر، إلى إنسان يطارد صورة عن نفسه أكثر مما يعيش ذاته.

وحيث تتضخم المقارنة، يتراجع سؤال: ماذا أحتاج؟ أمام سؤال: ماذا يملك الآخرون؟ ويزاحم سؤالُ «هل أبدو ناجحًا؟» سؤالَ «هل أنا سعيد؟»، حتى يصعب عليه أن يميّز صوته من الأصوات التي سكنت فيه.

تتسع حاجاته كلما اتسعت قدرته على إشباعها، ثم يعجز الإشباع نفسه عن تهدئة الرغبة. وكأن الدنيا لا تمنحه ما يريد بقدر ما تعلّمه أن يريد المزيد.

وفي هذا المشهد تتردد كلمات القرآن:

﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. الحديد: 20.

تستوقفنا كلمة «بينكم»؛ فالتفاخر لا يكتمل في عزلة، بل يحتاج إلى عين ترى، وإلى آخر نقيس أنفسنا به. وقد لا يكتفي الإنسان بأن يعيش حياة طيبة؛ يريد أن يُرى وهو يعيش أفضل من غيره. عندئذ لا تعود الأشياء تُقتنى لما تمنحه من نفع أو بهجة وحدهما، بل لما تقوله عن صاحبها في أعين الناس.

يشتري ما كان يتمناه، ثم يرى في يد غيره ما يجعل فرحته ناقصة. يبلغ مكانة انتظرها سنوات، فلا يلبث أن ينشغل بمن يعلوه. وحتى لحظة الرضا تصبح قصيرة، كأنها استراحة يخشى أن يسبقه الآخرون خلالها.

فيظل يركض، لا لأن الطريق طويل فحسب، بل لأن الغاية تتراجع كلما اقترب منها. حتى يكتشف أن المستقبل الذي كان يعيش من أجله قد استهلك الحاضر كله.

من هنا تتضح ملامح ذلك القلب التائه. يعرف أن المتاع زائل، لكنه يجد فيه دفئًا حقيقيًا؛ بيتًا يأوي إليه، ووجوهًا يحبها، وثمرة تعب لا يهون عليه ضياعها. ويؤمن بالآخرة، غير أن مشاغل يومه تعيدها، مرة بعد مرة، إلى آخر ما يفكر فيه. ليس تمزقه فكرة مجردة؛ إنه ما يحدث حين يجتمع في القلب حب الحياة واليقين بفنائها.

وفي المسافة بين الإقامة والرحيل، يرد قول النبي ﷺ:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ».

أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب قول النبي ﷺ: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، رقم (6416). صحيح البخاري، الحديث 6416.

الغريب قد يحب المكان الذي ينزل فيه، ويأنس بأهله، ويترك فيه أثرًا، لكنه يحمل في داخله معنى الرحيل. وعابر السبيل يستريح، ويتزود، وتستوقفه جماليات الطريق؛ غير أن وجهته تظل حاضرة، ولو غابت عن عينيه.

أما الإنسان المنشغل بتثبيت مقامه، فقد يخطط لسنوات مقبلة، ولا يجد وقتًا لسؤال يمر بخاطره في لحظة سكون. يحسب ما ادّخره من المال، ثم يعود إلى يومه كأن ما بقي من العمر وديعة يعرف مقدارها.

وليس كل انشغال هربًا؛ فثمة خبز ينتظر العمل، وطفل يحتاج إلى الرعاية، ومسؤوليات لا تتوقف لأن صاحبها أدرك فناءه. لكن الحدود تلتبس: متى يكون السعي استجابة للحياة، ومتى يصبح وسيلة لتأجيل الأسئلة التي تثيرها؟

وقد يهدأ البيت في آخر الليل، وتنطفئ الشاشات، فيجد الإنسان نفسه أمام يوم امتلأ بكل شيء، ولم يتسع لما كان يريد أن يسأل عنه. يتذكر ما أنجزه، وما فاته، وما ينتظره غدًا؛ ثم يعبر في خاطره أن الغد نفسه ليس موعدًا مضمونًا.

ثم يأتي الموت،

فهل كان ذلك القلب تائهًا لأنه عجز عن الاختيار بين ما يحب أن يبقى وما يؤمن أنه آتٍ، أم لأنه لم يكن، في الحقيقة، مطالَبًا أصلًا بأن يختار بينهما؟