المجلة الثقافية الجزائرية

عن الاستبداد ومصير “ماري انطوانيت”

بقلم: التجاني صلاح عبدالله المبارك

مصير الظالمين أو الطغاة أو المستبدين أو المفسدين مهما امتد بهم الزمن هو السقوط والنهاية الشنعاء، رغم أنهم يحتكمون للقوة المفرطة التي يستخدمونها ضد خصومهم المفترضين والمتوقعين (مع ملاحظة أن دائرة التوقع والظن والاشتباه دائما تكون أكبر عند انظمة الاستبداد والظلم والعمالة عن غيرهم من الانظمة) ورغم انهم يقاتلوا بكل أنواع القتال بما يعرفه البشر، وبما تعرفه الحيوانات، بل إنها في سبيل اجتثاث أي إحتمال للاعتراض، يمكنها التحالف المؤقت أو الدائم مع أي قوى خارجية وفواعل كبرى، ورغم أنهم يتوقعون تحقيق بسط النفوذ والهيمنة، ورجحان السيطرة للدولة والسلطان، إلا انهم في النهاية يلاقوا اقدارهم المروعة ونهايتهم الشنعاء.

 وعندما يبلغ الطغيان والظلم والفساد مداه، فإن المشهد كله يكون مشروعًا قابلا للانفجار المحتوم، ويقود في نهاية الأمر إلى عدة فرضيات وتأويلات متوقعة، من هذه الفرضيات التي تقفز إلى ذهني هو المصير الذي لاقته “ماري انطوانيت”. تلك التي لم يعد يذكرها أحد.

كانت “ماري انطوانيت” في القرن الثامن عشر ملكة على فرنسا ؛ وكانت ذات شخصية كاريزمية قوية، وشديدة الفخر بأسرتها النمساوية الملكية وعائلة آل هابسبورج، غير أن هذا الفخر لم يكن مصحوباً بحدٍّ أدنى من الفهم السياسي أو الإحساس بالواقع، فقد كانت تهدر الأموال الطائلة إرضاء لميولها ونزواتها الشخصية ؛ وهذه نزعة لازمتها منذ نشأتها في فيينا ، إضافة لعلة أخرى وهي الجهل، فلم تكن تجيد اللغة الفرنسية أو الألمانية ولم يكن للثقافة أو شؤون الدولة مكانٌ في اهتماماتها، بقدر ما كان لحفلات الرقص، وإغداق الأموال على الصديقات في البلاط، بينما كانت فرنسا تغرق في أزمة مالية خانقة، وقبل أن أكمل سرد “انطوانيت” سأجيب على سؤال قد يتبادر للذهن، أو يسأله سائل: هل تلاحظ على بعض الانظمة الحاكمة الراهنة في منطقتنا أي وجه مقارنة مع سيرة “انطوانيت” ؟! ولمثل هذا السائل اقول: نعم في الظاهر لا نرى شيئا من ذلك، لكن قطعا تكون خلاعة هؤلاء الظالمين والعملاء والمفسدين، محاطة بأكبر قدر من السرية والكتمان، ولعل ما ظهر للعيان مؤخرا من الصور والفيديوهات التي تسربت من جزيرة ابستين وتناقلتها وسائل الاعلام، ما فيه الدلالة الدامغة على قمة الفجور والخلاعة والفساد والطغيان.

 كانت “انطوانيت” لا تجيد إلا اللعب والتسلية في كل مكان، وبأي شيء، وتكره بذل أي مجهود ذهني أو عملي، ولا تكمل أي شيء سواء فكرة أو محادثة أو قراءة، لذا فهي لا تحب الكتب ولا أمور الدولة وعندما طلبت الملكة وأشقاء الملك اعتقال نشطاء الطبقة الثالثة، كانت “انطوانيت” مقتنعة بأن الثورات إنما كانت مؤامرة من أطراف ثالثة، وهي التي تحرض على الكفاح لمحاربة التاج.

والأدهى من ذلك أنها ظلت طوال سني حكمها تروح وتجئ فقط بين ستة قصور: فرساي، التريانون، مارلي، فونتنبلو، سان كلو، ورامبواية.هذه القصور الستة كانت هي كل ما تعرفه عن فرنسا! أما زوجها الملك لويس السادس عشر فقد كان ضعيف الإرادة كثير التذمر، بطيء التفكير، خاملا ويغلب عليه التردد والارتباك في اتخاذ القرارات.وفقد حكمه للبلاد تدريجيا.(من المفيد هنا أن اذكر أن بعض الأنظمة الحاكمة في منطقتنا ايضا فقدت القدرة على حكم البلاد، بل أنها دون واعز من ضمير أو بقية من إنسانية وأخلاق، أو باعث ديني، سلمت أمرها بالكامل لأعداء الامة الاسلامية، فعملت على إذكاء الحروب وادارتها بالوكالة في اليمن وليبيا والسودان، واستخدمت المرتزقة الكولومبيين وسماسرة الحروب، بغرض تقسيم هذه الدول العربية وتفتيتها، ثم إكمال أجندتها في الجزائر ومصر والمملكة السعودية، خدمة لأسيادها من الصهيونية العالمية، لنهب ثروات تلك الدول اولا، ولإضعاف الأمة الاسلامية ثانيا) وإزاء ذلك واجهت “ماري” _بثقة المستبد الأعمى_ الأمر بشجاعة وحاولت مرارا أن تقوي من إرادة الملك، لكن معارضتها القوية للتغييرات الثورية زادت من غضب الشعب عليها، ورأت العناصر التي تطالب في فرنسا بالإصلاحات والعدالة والتقدم، أن “انطوانيت” ما هي إلا مخلوقة مبذرة، خالية البال، هذه الصبيانية أبدا، ساكنة التريانون إنما تضحي بجنون وسخف بحب ورفاهية عشرين مليونا من المواطنين، بعد مضي عشر سنوات عليها في الحكم الأوتوقراطي.

 كانت الضرائب تزداد ، ومستودعات المؤونة خالية في بيوت فرنسا الغنية، وفلاحوها يعيشون الفقر المدقع، والعجز المالي يزداد إلى أرقام قياسية، وخلافا للمعتاد لم يتبع لويس السادس عشر و “ماري انطوانيت” نصائح رجال الدولة المعتدلين والمخلصين الذين محضوهم النصح، وهو شيء مفترض ومتوقع منهم، لكن “انطوانيت” تآمرت فيما ترويه الروايات، للحصول على المساعدة العسكرية من حكام أوروبا، خاصة من أخيها ليوبولد الثاني ملك النمسا في ذلك الوقت، ورفضت أن تعطي أي امتيازات مطلقا للثوار.

 وفي شهري يونيو ويوليو من عام 1791بدأ الوضع يتغير بطريقة درامية وعنيفة من قبل الثوار، عندما طالبت الجمعية الوطنية بحقوق أكثر من لويس السادس عشر الذي كان على العكس يحاول أن يقمع سلطة الطبقة الثالثة، وإزاء ذلك خرجت العائلة الملكية بما فيها الملك و”ماري انطوانيت” متنكرة في عربة متجهة للحدود الشرقية، بعد أن أقنعت “ماري انطوانيت” لويس السادس عشر بالفرار من باريس، لكن أحد الوطنيين المتيقظين الخلص تعرف على الملك، ليتم إيقافهما وإعادتهما إلى باريس.

ولاقت “انطوانيت” مصيرها وهو الإعدام بعد كل السنوات التي أنفقتها لا لخدمة فرنسا ولكن خدمة لرغباتها، وتحقيق مصالحها الخاصة على مصالح الأمة، وتبديد المال وإهداره، ولم تقم بواجباتها على رعاياها الذين أهلكهم الفقر والعوز، والذين أخرجهم الفقر والفاقة للمطالبة برأس (سيدة العجز المالي).أعدمت “انطوانيت” بعد أن اقتيدت في عربة خشبية إلى ساحة المقصلة. كانت “انطوانيت” تصعد إلى المقصلة بنفس الخطوات الرشيقة التي كانت تصعد بها في الماضي درجات سلالم قصر فرساي المرمرية، ثم وضعوا رأسها الصغير في المكان المخصص في المقصلة التي أطاحت برأسها.