دكتور خالد عزب
صدر عن دار اشراقة كتاب للباحث سيد حامد عنًوانه (طه حسين من الإسلام إلى الإسلام) وهو كتاب يناقض ما سبق طرحه حول طه حسين كفكر فهو تمسك بأصوله التي جاءت من الأزهر يقول الكاتب، جاء الشيخ طه حسين إلى القاهرة عام 1902، وتفتح وعيه السياسي وقد اشتد التنافس بين الطريقين لمواجهة تحدي الاحتلال: طريق الحزب الوطني، وطريق مدرسة لطفي السيد.
المدهش في راي المؤلف أنه تعامل مع صحافة الحزب الوطني وصحيفة “الجريدة”، لسان “حزب الأمة”، رغم الاختلافات الجذرية بينهما في التعامل مع تحدي الاحتلال!
ويفسر سيد حامد الأمر بأنه في تلك الفترة المبكرة من حياته تعامل مع الصحافة الحزبية باعتبارها منابر يعبر فيها عن آرائه، وجسراً يعبر به إلى القراء، لكي يحجز لنفسه مكانا بين الكتاب والأدباء والنقاد. وهذا أحد مفاتيح فهم شخصية طه حسين في تلك المرحلة من حياته، فقد امتلك عقلا ذكيا وقد أراد أن يحقق لنفسه شهرة بين كتاب ومفكري عصره، لو اتبع طرق تتناقض مع بعضها البعض! ولو أسرف في نقده لبعض الكتاب المشهورين، مثلما فعل مع مصطفى لطفي المنفلوطي (1876 – 1924) ونقده لكتاب النظرات، وهو ما ندم عليه طه حسين بعد ذلك.
تأثر طه حسين وهو فتي بلطفي السيد ومدرسته في حزب الأمة، لكنه لم ينضم إلى الحزب، وإنما اكتفي بأن يكون أحد الكتاب الذين يجدون في جريدة الحزب وسيلة لنشر مقالاتهم.
خلال تلك الفترة المبكرة من حياته الفكرية، لم يتبنِ طه حسين موقف سياسي ثابت في راي الموءلف إنما يتأرجح بين الاعتدال والثورية، بين الدعوة للمسالمة ومهاجمة الاحتلال! يكتب في صحافة الحزب الوطني وفي “الجريدة”!
يعترف في سيرته الذاتية بأنه عاش مذبذبا، ينشر في “الجريدة” مقالاته التي يذهب فيها مذهب الاعتدال، وينشر في صحافة الحزب الوطني المقالات التي يغلو فيها ويسرف. وهو في كل من “الجريدة” وصحافة الحزب الوطني مدفوعا إلى الشهرة والانتشار.
كان الشيخ طه حسين آنذاك تلميذا لأستاذين متناقضين، تلميذا للطفي السيد (1872 – 1963)، المنظر الفكري لمدرسة حزب الأمة، وتلميذاً لعبد العزيز جاويش (1876- 1929)، صاحب القلم العنيف في صحافة الحزب الوطني، وعضو جمعية “التضامن الأخوي” السرية التي تسعي لإخراج الاحتلال بقوة السلاح!
ورويدا رويدا بدأ تأثير لطفي السيد يقوى على طه حسين، فكان يقترب من أفكار حزب الأمة كلما سرى الضعف أكثر في الحزب الوطني مع الضربات التي كالها له الاحتلال في أعقاب اغتيال بطرس غالي 1910، حتى اضطر زعيمه محمد فريد للهجرة خارج البلاد في مارس 1912، ثم أوصد الاحتلال كل الأبواب في سبيل عودته، واضطر عبد العزيز جاويش للهجرة، وهو الأستاذ الأول لطه حسين.
وبعد أن كان طه يجمع بين الكتابة لصحافة الحزب الوطني ولجريدة حزب الأمة، صار يكتب فقط في الجريدة.
لم يكن الأمر مجرد انتقال من الكتابة في صحيفة إلى أخرى، إنما تحول فكري جذري، تحول في كيفية التعامل مع تحدي الاحتلال، وسبيل النهضة، وموقع مصر من الدائرتين العربية والإسلامية.
انتقل طه حسين من مفهوم “الأمة الإسلامية” إلى الترويج لمفهوم “الأمة المصرية”!
يكتب في “الجريدة” بتاريخ 30 يناير 1913: “نستقبل مع السرور والابتهاج معارضة الكتاب لدعوة المصرية… ونأخذ أنفسنا بتأييدها والذود عنها. وندعو العقلاء من أنصار مصر وشيعتها أن يشاركونا في ذلك حتى تأخذ الفكرة نصيبها من الوجود الكامل والحياة الصالحة، فأن رقى الأمة في أطوارها الاجتماعية يستحيل أن يكون رقياً معقولا مؤدياً إلى الاستقلال إلا إذا بنى من الاعتراف بالشخصية المصرية، والاذعان لحكمها على أساس متين”.
إلى جانب لطفي السيد تأثر طه حسين بآل عبد الرازق.
العلاقة بينهما جذورها عميقة، يدل على هذا أن أول قصيدة نشرها طه حسين كانت في رثاء حسن عبد الرازق باشا رئيس حزب الأمة الذي توفي في 25 ديسمبر 1907.
يرى بعض من أرخوا لحياة طه حسين أن عائلة عبد الرازق قدمت مساعدات مادية ومعنوية لأسرة طه، وليس لطه فقط، فضلا عن صلة جوار تدعم هذه العلاقة، فأسرة طه في المنيا، وأسرة عبد الرازق في المنيا أيضا. إلى جانب المساعدة المادية والمعنوية وصلة الجوار، ربطت الصداقة مبكرا بين مصطفى عبد الرازق (1885 –1947) وطه حسين، منذ كان صديقا للشيخ أحمد، شقيق طه، ويتردد على حجرتهما في حوش عٌطية بحي الجمالية وفق ما ذكر طه في سيرته الذاتية “الأيام”.
مرحلة التغريب.. طه حسين في فرنسا (1914 –1919)
سافر طه حسين إلى فرنسا أواخر 1914. وفي باريس، تعرف على فتاة فرنسية أعجب بها، ثم تزوجها، ودامت العشرة بينهما إلى أن توفي عام 1973.
يذهب الدكتور محمد عمارة رحمه الله (1931 – 2020) بأن عم سوزان القس المسيحي قد أقنعها بقبول الزواج من طه حسين “ربما لمقاصد يرجوها من وراء الاحتواء لهذا “المشروع الفكري” الذي سيتم غرسه على ضفاف النيل”!
صحيح أن زوجة طه حسين بقيت مسيحية، وماتت على المسيحية، لكن ذلك لا يعني تأثيرها الفكري على طه حسين. لا نري ولو تلميحا واحدا من طه حسين في سيرته الذاتية عن هذا التأثير الفكري، وقد أطلق على أبنائه من سوزان أسماء مسلمة، “أمينة” و”مؤنس”، ولم تسع سوزان إلى “تنصيرهما”، ولم نر لها اعتراضا على زيجات أبنائها من مسلمين، وإطلاق أسماء مسلمة على الأحفاد.
أما القول إن سكرتير طه حسين كان على الدوام مسيحيا، حتى صار طه “رهين المحبسين”، زوجة فرنسية مسيحية وسكرتير مسيحي، من خلالهما يرى الدنيا، بينما وللمقارنة كان سكرتير سعد زغلول شيخ أزهري خريج مدرسة القضاء الشرعي، فإن السكرتير تحددت مهمته في القراءة والكتابة لا تشكيل الأفكار! وقد عمل مع طه حسين سكرتيره المسيحي فريد شحاته لمدة أربعين عاما، كتب خلالها طه إسلامياته، على هامش السيرة بأجزائه الثلاث، الوعد الحق، الفتنة الكبرى بجزئيه، مرآة الإسلام، الشيخان.
رسالة فلسفة ابن خلدون
في فرنسا، حصل طه حسين على درجة الليسانس في الآداب من جامعة السوربون عام 1917، ثم حصل على درجة الدكتوراه في فلسفة عبد الرحمن بن خلدون الاجتماعية (732 – 808 هـ)، وقد ناقشها في يناير 1918.
وبينما فرنسا ترتكب جرائم إبادة في المغرب العربي، وتسعى إلى محو الإسلام من صدور الأهالي، وفرنسة البلاد، يمدح طه حسين سياستها وهدفها في المغرب العربي!
هذا المدح المذموم جاء حينما كان الدكتور طه حسين يرد على ما يراه ابن خلدون بأن الدول المُعتدي عليها إذا كانت مؤلفة من شعوب مختلفة يكون من الصعب السيطرة عليها بعد الفتح، ويضرب ابن خلدون مثلا بسهولة فتح العرب لبلاد الشام والعراق وفارس ومصر، وصعوبة فتحهم لأفريقية الشمالية التي تسكنها قبائل بربرية شديدة التباين كثيرة الانقسام إلى جماعات صغيرة لكل منها عصبية متينة، وهذا ما جعل المسلمون ينفقون أكثر من قرن في توحيد هذه البلاد بصفة قاطعة.
يعلق طه حسين بأن ملاحظة ابن خلدون صادقة جدا، ويؤيد هذا بأن الرومان لبثوا زمنا طويلا في نضال دائم مع شعوب أفريقيا الشمالية حيث كانت تضطرم نار الثورات بلا انقطاع، ولم يظفر الترك العثمانيون سوي بسيادة اسمية، “بل أن الفرنسيين أنفسهم قد عانوا ولا يزالون يعانون مشقات فادحة في مراكش في سبيل بسط حضارتهم عليها”!
ويرجح نجاح الحضارة الحديثة فيما لم ينجح فيه الرومان والمسلمين في تمدين أهل أفريقيا الشمالية فيقول: “ولم يستطع الرومان ولا الإسلام أن يلطفا من أخلاق هذه القبائل أو أن يروضاها على الحياة المنظمة للشعوب المتمدينة، ولكن الحضارة الحديثة مع ما لديها من وسائل أقوي وأنفذ قد تصل إلى تلك الغاية يوما ما”!
*****
بعد ثورة 1919، ومشاركة الوفد فيها، لم يعد التيار العلماني غريبا عن التربة المصرية، إنما تمثله أسماء مصرية من الذين تعلموا في الغرب وانبهروا بثقافته مثل محمد حسين هيكل (1888-1956) ومنصور فهمي (1886-1959) وطه حسين (1889-1973).
عاد طه حسين من فرنسا عام 1919، وبسبب العلاقات الفكرية والشخصية التي ربطت طه حسين بعائلة عبد الرازق ولطفي السيد، فقد آمن بسياسة حزب “الأحرار الدستوريين” الذي تشكل عام 1922 في أعقاب الخلاف الشهير بين سعد زغلول وعدلي يكن.
حضارة اليونان في أعلى عليين
مع عودة طه حسين من بعثته إلى فرنسا عام 1919 يُعين بالجامعة المصرية أستاذا للتاريخ اليوناني والروماني، فكان أول ما أنتجه كتاب “الظاهرة الدينية عند اليونان وتطور الآلهة وأثرها في المدنية”، وقد نُشر ضمن كتاب “آلهة اليونان”، وطبع في مطبعة المنار سنة 1919، في 96 صفحة.
ينتصر طه حسين للفلسفة اليونانية على الأديان جميعها في فهم علاقة الإنسان بالكون، فيقول: “نجد عند اليونان أشياء لا نجد شيئًا يشبهها في الشرق القديم: نجد عندهم هذه المذاهب الفلسفية المختلفة التي حاولت منذ القرن السادس قبل المسيح فهم الكون وتفسيره وتعليله… ونجد عندهم فلسفة ما بعد الطبيعة… ونجد عندهم الفلسفة الخلقية التي أنشأت علم الأخلاق، والتي لم يعرفها العالم القديم من قبل”.
“بينما نجد العقل اليوناني يسلك في فهم الطبيعة وتفسيرها هذا المسلك الفلسفي الذي نشأت عنه فلسفة سقراط وأفلاطون وأرسطاطاليس، ثم فلسفة “ديكارت” و”كنت” و”كمت” و”هيجل” و”سبنسر” نجد العقل الشرقي يذهب مذهبًا دينيًّا قانعًا في فهم الطبيعة وتفسيرها: خضع للكهان في عصوره الأولى، وللديانات السماوية في عصوره الراقية، وامتاز بالأنبياء كما امتاز العالم اليوناني الغربي بالفلاسفة”!
وهكذا تتفوق فلسفة اليونان على الأديان القديمة والأديان السماوية، ويعلو الفلاسفة على الأنبياء!
ويعلن طه حسين انتصار العقل اليوناني وانهزام العقل الشرقي فيقول: “نحب أن نلاحظ أن العقل الإنساني ظهر في العصر القديم مظهرين مختلفين: أحدهما يوناني خالص، هو الذي انتصر، وهو الذي يسيطر على الحياة الإنسانية إلى اليوم. والآخر شرقي انهزم مرات أمام المظهر اليوناني، وهو الآن يلقي السلاح ويسلم للمظهر اليوناني تسليمًا”.
يلقي طه حسين في راي سيد حامد بهذه النتيجة دون أن يسوق لها أمثلة، وكأنها نتيجة حتمية ومحسومة، ولا يبين ما هي المرات التي انهزم فيها العقل الشرقي أمام العقل الغربي؟! مكتفيا بترديد مقولات بعض المستشرقين عن قصور العقلية العربية الإسلامية وعدم قدرتها على الإبداع والابتكار.

في الشعر الجاهلي
في عام 1926 أصدر الدكتور طه حسين واحدًا من أشهر كتبه، وأكثرها إثارة للجدل، وقد أقام عليه الدنيا، لجرأة ما فيه بوضع الإسلام في موضع متناقض مع العلم، وطرح إمكانية نقد القرآن الكريم، بإنكار الوجود التاريخي لنبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، وقصة بناء الكعبة، وديانة إبراهيم عليه السلام “الحنيفية”، والسخرية من نسب النبي، وغيرها من الأفكار الصادمة!
قضية اختلاق الشعر الجاهلي ليست بجديدة، وإنما قديمة، تناولها الأدباء المسلمين منذ القرن الثاني للهجرة. الجديد فيما كتبه الدكتور طه حسين هو مقدار ما شكك فيه، فكان “كثرة” الشعر الجاهلي، ثم نسبة هذا الاختلاق للنحاة ومفسري القرآن الكريم ومحدثي السنة النبوية وعلماء علم الكلام، ووضع الإسلام في موقف التناقض مع العلم!
كان هدف طه حسين التشكيك في غالبية الشعر الجاهلي، وبأنه كُتب كله في العصر الإسلامي، وضعه مسلمون ليثبتوا كم هو القرآن معجز ومتحدي للعرب، وإثبات صحة النبوة وصدق النبي، وأن العرب كانوا ينتظرون بعثة النبي، وإثبات أن القرآن كتاب عربي مطابق في ألفاظه للغة العرب!
لكي يدلل الدكتور طه حسين على صحة “النظرية” التي يدعو إليها، قال إن الرأي الذي اتفق عليه الرواة أن العرب ينقسمون إلى عاربة ومستعربة. العرب العاربة هم أصل العربية، وهؤلاء هم القحطانية، ومكانهم اليمن في جنوب جزيرة العرب. والعرب المستعربة؛ أي الذين تعلموا العربية من العرب القحطانية، وهم العرب العدنانية، وسكناهم في الحجاز. واللغة الأصلية للعرب المستعربة العدنانية كانت العبرانية أو الكلدانية، ثم تعلموا لغة العرب العاربة ونسوا لغتهم الأول. هؤلاء العرب المستعربة يتصل نسبهم بإسماعيل بن نبي الله الخليل إبراهيم عليهما السلام.
يشكك طه حسين في هذه الرواية، ويوهم القارئ أن هناك اختلافا كبيرا بين لغة عدنان ولغة قحطان، مستندا إلى قول أبي عمرو بن العلاء بأن “ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا”!ويشير إلى أن النصوص والنقوش التي وجُدت تثبت هذا الخلاف في اللفظ وقواعد النحو وصرف.
بعد هذا التشكيك في وجود اختلاف بين لغتي حمير وعدنان، يطرح الدكتور طه تساؤلا بلاغيا: إذا كان أبناء إسماعيل قد تعلموا العربية من أولئك الذين نسميهم العرب العاربة، فكيف بُعد ما بين لغة العرب العاربة والعرب المستعربة، حتى يقول أبو عمرو بن العلاء إنهما لغتان متمايزتان، واستطاع العلماء المحدثون إثبات هذا التمايز الأدلة التي لا تقبل شكا ولا جدالا؟!
يجيب الدكتور طه على سؤاله البلاغي فيقول: “واضح جدا لكل من له إلمام بالبحث التاريخي عامة وبدرس الأساطير والأقاصيص خاصة أن هذه النظرية متكلفة مصطنعة في عصور متأخرة دعت إليها حاجة دينية أو اقتصادية أو سياسية”.
وهكذا يصل طه حسين إلى أقصى بعده عن الإسلام والقرآن في الصفحة السادسة والعشرين فيقول في جرأة: “للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها”.
“ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى”.
“وأقدم عصر يمكن أن تكون قد نشأت فيه هذه الفكرة إنما هو العصر الذي أخذ اليهود يستوطنون فيه شمال البلاد العربية ويبثون فيه المستعمرات. فنحن نعلم أن حروباً عنيفة شبت بين هؤلاء اليهود المستعمرين وبين العرب الذين كانوا يقيمون في هذه البلاد، وانتهت بشيء من المسالمة والملاينة ونوع من المحالفة والمهادنة. فليس يبعد أن يكون هذا الصلح الذي استقر بين المغيرين وأصحاب البلاد منشأ هذه القصة التي تجعل العرب واليهود أبناء أعمام، لا سيما وقد رأى أولئك وهؤلاء أن بين الفريقين شيئا من التشابه غير قليل، فأولئك وهؤلاء ساميون”.
يرى طه حسين إذاً أن اليهود هم مصدر أسطورة هجرة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إلى بلاد العرب، بدعوي تحقيق نوع من الروابط بين اليهود والعرب، بأنهم أبناء عمومة.
ويقول إن الإسلام قد استغل هذه الأسطورة لسبب ديني وسياسي: “الشيء الذي لا نشك فيه هو أن ظهور الإسلام وما كان من الخصومة العنيفة بينه وبين وثنية العرب من غير أهل الكتاب، قد اقتضي أن تثبت الصلة الوثيقة المتينة بين الدين الجديد وبين الديانتين القديمتين: ديانة النصارى واليهود”.
“فأمّا الصلة الدينية فثابتة واضحة، فبين القرآن والتوراة والأناجيل اشتراك في الموضوع والصورة والغرض، كلها ترمي إلى التوحيد، وتعتمد على أساس واحد هو الذي تشترك فيه الديانات السماوية السامية. ولكن هذه الصلة الدينية معنوية عقلية يحسن أن تؤيدها صلة أخرى مادية ملموسة أو كالملموسة بين العرب وأهل والكتاب. فماذا الذي يمنع أن تستغل هذه القصة، قصة القرابة المادية بين العرب العدنانية واليهود؟”!
ويذهب إلى أن تأسيس إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لمكة مجرد “أسطورة” وجدت هوي لدى قريش، من أجل تدعيم مركزها السياسي والديني، مقابل منافسة مدينة “نجران” المسيحية في اليمن، وكنيسة أبرهة الحبشي في “صنعاء”، وأن قريش قبلت الأسطورة لسبب ديني وسياسي، لإيجاد وحدة سياسية وثنية مستقلة في البلاد العرب، ثم جاء الإسلام واستغل الأسطورة لسبب ديني أيضا().
يقول طه حسين: “وقد كانت قريش مستعدة كل الاستعداد لقبول مثل هذه الأسطورة في القرن السابع للمسيح. فقد كانت في أول هذا القرن قد انتهت إلى حظ من النهضة السياسية والاقتصادية ضمن لها السيادة في مكة وما حولها وبسط سلطانها المعنوي على جزء غير قليل من البلاد العربية الوثنية. وقد كان مصدر هذه النهضة وهذا السلطان أمرين: التجارة من جهة، والدين من جهة أخرى”.
“فأما التجارة، فنحن نعلم أن قريش كانت تصطنعها في الشام ومصر وبلاد الفرس واليمن وبلاد الحبشة”
“وأما الدين، فهذه الكعبة التي كانت تجتمع حولها قريش، ويحج إليها العرب المشركون في كل عام، والتي أخذت تبسط على نفوس هؤلاء العرب المشركين نوعا من السلطان قويا، والتي أخذ العرب المشركون يجعلون منها رمزا لدين قوي، كأنه كان يريد أن يقف في سبيل انتشار اليهودية من ناحية والمسيحية من جهة أخرى”.
“فنحن نلمح في الأساطير أن شيئا من المنافسة الدينية كان قائما بين مكة ونجران. ونحن نلمح في الأساطير أيضا أن هذه المنافسة الدينية بين مكة وبين الكنيسة التي أنشأها الحبشة في صنعاء هي التي دعت إلى حرب الفيل التي ذكرت في القرآن”.
“فقريش إذن كانت في هذا العصر ناهضة نهضة




