المجلة الثقافية الجزائرية

“عيد ميلاد ميت” لأحمد طايل

“عيد ميلاد ميت” لأحمد طايل: استراتيجيات الحكي وإشكاليات البناء السردي. 

قراءة نقدية بقلم الناقدة منال العبادي 

  

لا يسعني، وأنا أقلب صفحات “عيد ميلاد ميت”، إلا أن أتوقف طويلاً عند تلك اللحظة الافتتاحية التي يختار فيها الكاتب أن يضعنا أمام مفارقة وجودية كبرى: “هناك أحياء فوق الأرض أموات، وهناك أموات تحت الأرض أحياء”، جملةٌ تبدو وكأنها إعلان برنامج، لكنها في العمق تكشف عن أزمة السارد نفسه، عن كائنٍ يبحث عن خلاصه من الموت الرمزي عبر إحياء آخرين، فالسارد هنا ليس راويًا محايدًا، بل هو منشغلٌ بمسألة البقاء، يريد أن يثبت أن ثمّة حياةً أخرى غير تلك التي نعرفها، حياةً تمتد بعد الموت البيولوجي، وهذه الرغبة في الإحياء والتخليد هي التي سترسم ملامح السرد كله، بل ستحدد عيوبه ومكامن قوته. تبدأ الرواية برحلة مكي سكة في ليلة ديسمبر العاصفة، لكن هذه الرحلة التي تبدو عابرة سرعان ما تتحول إلى فتحةٍ سردية يندفع منها تيار الحكي، لنجد أنفسنا أمام تقنية سردية تقوم على “التعاقب الجيلي”، حيث تنتقل الرواية من جيل إلى جيل، ومن حياة إلى حياة، وكأنها تحاول أن ترقى بلعبة “الدمى المتوارثة” إلى مستوى الملحمة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا هذا الإصرار على التوارث؟ ولماذا يصر الكاتب على أن يمرّر القيم والصفات كأنها “سيميائية جينية”؟ هنا تكمن المفارقة الكبرى: فالرواية التي تبدأ بإعلان موت الأحياء وحياة الأموات، تنتهي إلى تكريس نوع من “الخلود الجيني”، حيث يتكرر النمط البشري نفسه في محمد البرنس ورشوان وخالد البدوي، وكأن الفضيلة مرضٌ وراثي، وكأن الخير سلالةٌ لا تنقطع، وهذا التكرار، الذي قد يُقرأ كمشكلة بنائية، هو في الحقيقة جوهر المشروع الروائي، فالكاتب لا يريد أن يخلق شخصياتٍ جديدة بقدر ما يريد أن يخلق “أنموذجًا” إنسانيًا متكررًا، إنه يكتب رواية “النموذج” لا رواية “الشخص”، وهنا تكمن القوة والضعف معًا: القوة في أنها تقدم لنا أسطورةً خلاصية عن الخير الممتد، والضعف في أن الشخصيات تفقد خصوصيتها وتتحول إلى تكرارات مملة أحيانًا. المكان في هذه الرواية ليس مجرد فضاءٍ للحدث، بل هو كائن حيٌ يتنفس، شريكٌ في صناعة الشخصية، ومحرّكٌ أساسي للقيم، فقرية “كفر منصور” ليست مجرد مكان، بل هي “معمل للفضيلة” ومختبر للقيم، وهذا ما يجعل المكان يتحول من كونه خلفية إلى كونه بطلاً موازياً، لكن، وهنا تكمن المفارقة، نجد أن الكاتب يقدّم المكان الريفي كفضاءٍ للخلاص الأخلاقي، بينما يُصوّر المدينة والغرب كفضاءين للتفسخ والضياع، فسفر خالد البدوي إلى باريس ليس مجرد انتقال مكاني، بل هو انتقال وجودي، هو تحوّل من حالة “الحياة” إلى حالة “الموت الرمزي”، فالغرب هنا ليس مكانًا بل “مرضًا” يصيب الروح، وتفقد بسببه جذورها وتصبح “ريشة في مهب الريح”، وهذه النظرة الثنائية للمكان تكشف عن أزمة أعمق: أزمة الهوية في مواجهة العولمة، فالرواية، في عمقها، هي رثاءٌ لعالمٍ آفل، ودفاعٌ عن عالمٍ يوشك أن يزول، لكن هذا الدفاع، بقدر ما هو نبيل، يقع أحيانًا في فخ “الرومانسية الريفية” التي تختزل تعقيدات الحياة في معادلة بسيطة: الريف خير، المدينة شر، الغرب ضياع.

أما الزمن في الرواية فليس خطيًا، بل هو زمن “دائري” يعيد إنتاج نفسه، فنجد أنفسنا أمام تكرار للمواقف والأحداث، وكأن التاريخ يُعيد نفسه، فمحمد البرنس يُكرر مسار والده، ورشوان يُكرر مسار جده، وخالد البدوي يُكرر مسار جده الباشا، وهذا التكرار الزمني يمنح الرواية طابعًا “أسطوريًا”، وكأننا لسنا أمام تاريخ بشري بقدر ما نحن أمام “أسطورة الخير الأبدي”، لكن هذا التكرار يحمل في طياته مشكلة بنائية جوهرية: الشخصيات تصبح “نماذج” لا “أفرادًا”، فرشوان ليس رشوانًا بل هو “الوفي الأمين” في أي زمان ومكان، ومحمد البرنس ليس محمدًا بل هو “التاجر الأصيل” الذي يكرر أخلاقيات الأجداد، وهذه النمذجة، رغم قوتها التعبيرية، تجعلنا نفقد شيئًا من التوتر الدرامي، لأننا نعرف مسبقًا أن الخير سينتصر، وأن الفضيلة ستورَّث، وأن النموذج الأخلاقي سيتكرر. لغة الرواية، كما أشار العديد من النقاد، لغة سليمة فصيحة، تتسم بالبساطة والوضوح، ولا تخلو من جماليات تعبيرية، لكن ثمة سؤالاً يطرح نفسه: ما علاقة هذه اللغة بالعالم الذي تصوره؟ فالرواية تحكي عن قرى مصرية وفلاحين وبسطاء، لكن لغتها ليست “لغة الحياة اليومية” لهؤلاء، إنها لغة “محكية مكتوبة”، فيها الكثير من التهذيب والتنقيح، بحيث تتحول الشخصيات أحيانًا إلى “خطباء” يلقون حكماً وقيمًا أكثر مما هم أناس يتحدثون، وهذه المسافة بين اللغة والحياة، بين ما يُحكى وكيف يُحكى، تكشف عن نية الكاتب: فهو لا يريد أن يحاكي الواقع بقدر ما يريد أن “يضبطه” و”يؤدبه”، فالرواية ليست انعكاسًا للواقع بل هي “إصلاح” له، واللغة هنا أداة إصلاح، وسيلة لتربية القارئ وتوجيهه نحو قيم بعينها، وهذا، في حد ذاته، ليس عيبًا، لكنه يجعلنا نتساءل: أين تذهب حياة الناس حين تُروى بهذه الطريقة؟ أين تذهب فوضاهم وعبثيتهم وتناقضاتهم؟ لا يمكن أن نغفل، ونحن نقرأ هذه الرواية، عن حضور الشخصيات الأنثوية، وطبيعة هذا الحضور، فالمرأة في الرواية ليست فاعلة بقدر ما هي “شريك مساعد” أو “رفيقة درب”، فبثينة زوجة محمد الأولى، رغم حضورها العاطفي القوي، إلا أنها تموت مبكرًا، وكأن وجودها كان مجرد تمهيد لظهور تحية الزوجة الثانية التي ستكون شريكة الحياة الأطول، وتحية نفسها، رغم قوتها واستقلالها، تظل في نطاق “الداعم” و”المساند”، إنها امرأة حكيمة، لكن حكمتها تتجلى في دعمها لزوجها، وفي إدارتها للبيت، وفي تربيتها للأبناء، أما الجدة افتخار هانم التركية الأصل، فتمثّل النقيض:

أحمد طايل

المرأة المتنفذة التي تهجر الريف وتربي أبناءها على الغرور والتعالي، وكأن الأنوثة هنا محكومة بثنائية: إما أن تكون المرأة “صالحة” في خدمة مشروع الرجل، أو “طاغية” في خدمة ذاتها، وهذه النظرة إلى المرأة، وهي نظرة تقليدية إلى حد بعيد، تكشف عن محدودية في تصور الكاتب للدور الأنثوي، فالمرأة في الرواية ليست فاعلة في التاريخ، بل هي “وعاء” للقيم، أو “أداة” لتخليدها، وربما كان بالإمكان أن نرى نماذج نسائية أكثر تعقيدًا، أكثر تناقضًا، أكثر قدرة على أن تكون “موضوعًا” للحكي لا مجرد “أداة” له. تلمس الرواية، وإن بشكل غير مباشر، أثر التحولات السياسية الكبرى على المجتمع المصري، فذكر رحيل عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، والإشارة إلى ما بعد 25 يناير 2011، يحملان دلالة سياسية واضحة: هناك ماضٍ كانت فيه القيم راسخة، وهناك حاضر تآكلت فيه تلك القيم، لكن الكاتب لا يغوص في هذه التحولات، بل يكتفي بالإشارة العابرة، وكأن السياسي في الرواية هو مجرد “خلفية” للأخلاقي، وليس محركًا أساسيًا له، وهنا تكمن قوة الرواية وضعفها في آن: قوتها في أنها تضع القيم الإنسانية فوق السياسة، وضعفها في أنها تختزل تعقيدات التاريخ في معادلة أخلاقية مبسطة، فالسياسي ليس مجرد خلفية، بل هو نسيج من العلاقات والقوى التي تشكل الوعي وتصنع الشخصيات، وإغفال هذا البعد، أو التقليل منه، يجعل الرواية أقرب إلى “الوعظ” منها إلى “التحليل”. تنتهي الرواية بمشهد احتفالي: يقف خالد البدوي على باب ضريح جده في عيد ميلاده، والناس تحتفل بذكراه، والمشهد يبدو وكأنه تتويج للمشروع الروائي: الخلود عبر الذاكرة، البقاء عبر الحكاية، لكن ثمة حزنًا خفيًا في هذا المشهد، حزنًا لا تعلنه الرواية لكنها تشي به، فخالد، الذي عاد من باريس ليعيد إحياء قيم الجد، إنما يعود إلى عالمٍ لم يعد موجودًا، إلى قيمٍ لم تعد قادرة على الصمود في وجه رياح العولمة والتغيير، احتفاله بعيد ميلاد الجد هو في الحقيقة “حداد” على عالمٍ راحل، على قيمٍ تتهاوى، على إنسانيةٍ كادت تموت، “عيد ميلاد ميت” ليس احتفالاً بقدر ما هو رثاء، رثاءٌ لبشاوات رحلوا وبقيت سيرتهم، ورثاءٌ لأخلاقٍ كادت تموت لكنها ما زالت تُحتفى بها، ورثاءٌ لعالمٍ كان، ولن يعود. الرواية، في النهاية، تحفةٌ سردية تطرح أسئلةً كبرى عن الخلود والمعنى والقيمة، لكنها، في إصرارها على الإجابة، قد تغلق بعض الأسئلة التي كانت يمكن أن تظل مفتوحة، إنها تعطينا الخير جاهزًا، وتعطينا الشر معرفًا، وتعطينا النموذج الأخلاقي مكتملاً، لكن الحياة، كما نعرفها، ليست بهذه الوضوح، إنها فوضى وتناقض وارتباك، وهذا الارتباك هو ما تفتقده الرواية أحيانًا، ومع ذلك، تبقى “عيد ميلاد ميت” رواية تستحق القراءة، ليس لأنها تجيب عن الأسئلة، بل لأنها تثيرها، ليس لأنها تقدم لنا الحلول، بل لأنها تذكرنا أن ثمّة أسئلة ما زالت تنتظر الإجابة.