عبد الوهاب البراهمي
: “الصداقة الكاملة هي صداقة الرجال الطيبين ذوي الفضائل المتشابهة”( أرسطو)
” قل لي أبرأسك أنت تفكّر أم في رأسك؟” ( فيجنشتين)
“كانت صداقتي لفيجنشتين إحدى المغامرات الفكرية الأكثر إثارة في حياتي”(برترند رسّل” فكر)
من البدَهيّ أن يكون الفيلسوف، شأنه في ذلك شأن أيّ إنسان عادي، قد عاش تجربة الصداقة، بوصفها علاقة إنسانية ممكنة بل ربما ضرورية ، بحكم حاجة الإنسان إلى الصحبة و الألفة والأنس والتآنس . لكن، لما كان الفيلسوف، مع ذلك، إنسانا متميّزا بالضرورة وربما ممتازا، فستكون صداقاته خاصة ومتميّزة لا من جهة بعدها الإنساني فحسب ، بل من جهة أثر البعد ” الفلسفي” فيها، كميزة يختص بها الفيلسوف دون غيره. إذ لا يمكن أن لا يكون لهذا البعد أثره في صداقات الفيلسوف بل في علاقاته مع غيره عموما. ” صداقات الفلاسفة ” ضرب مخصوص بلا ريب من ” الصداقات” لفئة من الناس تميّزوا بكونهم ” فلاسفة” جمعت بينهم علاقة صداقة. فكيف لا يكون إذن لانشغالهم بالفلسفة أثره في علاقة الصداقة مع غيرهم أو فيما بينهم؛خاصة أن الفيلسوف من حيث المبدأ “صديق” للمدينة، “مواطن عالمي” وصديق للجميع ؟! يقدّم لنا تاريخ الفلسفة نماذج عديدة لروابط صداقة جمعت بين فلاسفة، بعضها ذاع صيتها وأخرى غير مشهورة. غير أنّ أغلبها إن لم نقل كلّها، كان للفلسفي فيها حضوره البارز، من حيث هو المحفّز الأساسي لوجود علاقة الصداقة هذه، وفاعليتها واستمرارها بل وفيما تشهده من تقلبات وربما انقطاعها حتى، حضورا يختلط فيه غالبا هذا “الفلسفي” “بالشخصي”، لتقترن المواقف الفكرية للفلاسفة بضروب الانفعالات والأحاسيس، وتختلط أحيانا كثيرة بالسلوكات الشخصية، الحياتية، باليومي، بأحوال الفيلسوف “فردا” يعتريه ما يعتري سائر الكائنات من فرح وألم ويأس وفشل ونجاح وخيبة وانتصار الخ. ذلك أن “صداقة الفلاسفة” إن جاز التعبير، بغض النظر عن “نسبتها” إلى فلاسفة، لا تختلف في بعدها الإنساني عن سائر “الصداقات” بين البشر. للفلاسفة صداقات مع “علماء وفنانين وشعراء الخ، أي مع أناس من خارج دائرة “مجتمع الفلاسفة” إن جاز القول. ولهم أيضا صداقات فيما بينهم كفلاسفة. ومن الصداقات الملفتة للانتباه والمثيرة للاهتمام، الصداقة التي جمعت “فيجنشتين” بـ”برترندرسّل”. وهي مثيرة لأكثر من سبب خاصّة في عناصر التباين الشديد ووجوه التشابه أيضا. وحتى نفهم حقيقة هذه الصداقة المميزة علينا أن نعود إلى السيرة الذاتية لكلا الفيلسوفين لعلنا نجد في هذه السيرة ما يفسر هذه الصداقة “المتينة” والمتقلبة .
برترند رسّل، (برتراند آرتير وليام) بالمناسبة هو فيلسوف معاصر (ولد يوم 18 ماي 1872 في رافونسكروفت، في بلاد الغال- وتوفي يوم 3 فيفري 1970) . عرف بدفاعه عن الحريات الدستورية. تتلمذ على الفيلسوف “جان ستيوارت ميل” صديق أبيه. ربته جدته، وقد صار يتيما في عمر ست سنوات، تربية دينية صارمة وقد قضى سني طفولته إلى حد 12 سنة في مكتبة العائلة .قارئا لأوقليدس منبهرا بوضوح وصرامة الهندسة . غير أن حياته بدأت “حقا “سنة 1890 حينما ذهب إلى كامبريدج للدراسة، في كوليج “ترينيتي”. حيث سيصبح فيه أستاذا. ليكتشف” عالما جديدا لمتع لا تنتهي”: الرياضيات والفلسفة والنقاش الحرّ وصداقةألفريد،. وايتهيد وجورج مور، الذي بتأثيرمنه تخلى عن كل مثالية. وقد كان جيساب بينو Giuseppe Peano” المعلم العظيم لفن التفكير الصوري “والذي التقاه في باريس في 1900، أثره في تحديد أو توجيه بحوثه بإقناعه “بأهمية إصلاح للمنطق في فلسفة الرياضيات”. هو أكثر من إصلاح، هي ثورة تلك التي أثارها سنة 1903″ مبادئ الرياضيات والثلاثة أجزاء “برنسيبيا ماتيماتيكا Principia mathematica (1910-1913 الذي كتبه مع وايتهيد. لقد دشّن رسّل طريقة أخرى في الفعل الفلسفي بل ابتكر” بموازاة مع جوتلوب فراج المنطق الصوري المعاصر؛ وحينما “مَنْطَقَ” «logicise» رسّل كل الرياضيات ،أولى اهتمامه بالأبعاد التركيبية للمعنى وبنيات اللغة. وأحدث “منعطفا ألسنيا” . هذا الابتكار الهام للقرن هو الذي أخذته الفلسفة التحليليّة. وعام 1911 يستقبل برترند رسّل في كمبريدج من سيكون، وبفعل تغيير زاوية النظر، “المبشّر”: لوديغ فيدجنشتين، التلميذ الذي سينتهي إلى “قتل” المعلّم.
لودفينغ فيدجنشتين (ولد في 26 أفريل 1889- وتوفي في 29 أفريل 1951) فيلسوف نمساوي – بريطاني، اشتغل أساسا بالمنطق ، وفلسفة الرياضيات وفلسفة الفكر وفلسفة اللغة. درّس فيدجنشتين من 1929-1947 في جامعة كامبريدج مع برترند رسّل. وكان يعتبر من أعظم فلاسفة القرن 20، بل ربما حتى لسائر الأزمان، رغم أنه لم ينشر سوى كتابا واحدا صغير الحجم لكنه مؤثّر جدا وكثيف المحتوى، تراكتاتوس لوجيكو- فيلوسوفيكوسTractatus Logico-Philosophicus” رسالة منطقية – فلسفية” ذات 75 صفحة (1921)، ثم مقالا ونقدا لكتاب ومعجما للأطفال. ولد فيجنشين في أسرة غنية ، وقد تربى في منزل عرف في فيينا باسم “قصر فيجنشتين”. قصرا كان الفن فيه موضوع احتفاء .تلقى تربية من مدربين. ليختار في سنّ المراهقة مهنة ” المهندس ” . تابع تعليمه في برلين في مدرسة شهيرة وفي عمر ال20 سنة رحل إلى مانشستر لمتابعة بحوثه حول الملاحة الجويّة . ولما كانت هذه البحوث تقتضي كثيرا من الرياضيات ، فقد أعجب بالرياضيات وبقوتها وأناقتها، الأمر الذي جعله لا يهتم بدراسته للمهندسة ليكرّس وقته في دراسة أسس الرياضيات. وهو ما دشّن بدايته كفيلسوف. نصحه رجل المنطق والفلسفة (جوتلوب فراج: 1848-1925) بأن يلتحق برسّل لدراسة المنطق في جامعة كامبريدج. كان بارترند رسّل وهو في سنّ 40 مختصا في المنطق الرياضي. ولذا سرعان ما ارتبط فيجنشتين بأستاذه رسّل بعلاقة صداقة. وقد نصحه رسّل بالاهتمام بالفلسفة بدل الملاحة الجوية. وحينما اندلعت الحرب العالمية الأولى سنة 1914 التحق فيجنشتين بالجيش النمساوي . وفي خنادق الجيش حرّر جانبا من أوّل كتبه، المعروف باسم:” رسالة في المنطق والفلسفة ” وهو كتاب يعالج مسائل جوهرية في المنطق والأخلاق. ظهرت هذه ” الرسالة ..” سنة 1922 وعرفت بسرعة نجاحا باهرا. كان فيجنشتين حينها في سنّ 33 . وقد نشر كتابه وهو في أسير حرب في إيطاليا. ثم وقع تحريره وعاد إلى فيينا ليصبح احد ورثة ثروة كبيرة لم يرغب فيجنشتين فيها وسلم نصيبه منها لأخوته وفضل أن يكسب قوته بعمله وبوسائله الخاصّة … لذلك اشتغل بمهن عديدة منها أستاذا في مدرسة ابتدائية ومهنة مهندس معماري . غير أنه في بداية سنوات 30 انصرف فيجنشتين إلى الاهتمام بالفلسفة . وكان تدريسه في جامعة كمبريدج متميزا . فهو لا يقدم محاضرات ولكنه كان يفكر بصوت عال بإثارة النقاش أحيانا مع الطلبة الذين كانوا يجتمعون حوله على الكراسي وغيرها وكان لا يلبس على شاكلة ” الأساتذة” ( رسّل مثلا) بدلة وربطة عنق . وبعد كل درس كان يهرع إلى السينما لمشاهدة فيلما لرعاة البقر معتبرا ذلك ضربا من ” الاستحمام “الجيد.
تكشف لنا ترجمة سيرة كل من برترند رسّل ولوديفيغ فيدجنشتين عن عناصر تباين وتشابه سيكون لها أثرها في إقامة علاقة الصداقة ” بين الرجلين وما اعتراها من تنقلب وتصدع الخ … فقد كان بينهما فارق سنّ ( كان بارترند رسّل في سنّ الأربعين حينما كان مدرسا في جامعة كامبرديج . بينما فيجنشتين ما يزال شابا حينما التحق بهذه الجامعة طالبا ، تلميذا لدى رسّل قبل أن يصبح أستاذا في هذه الجامعة ). إذن قامت الصداقة بين الرجلين على أساس التفاوت في السنّ وفي المنزلة العلمية : علاقة الأستاذ بالتلميذ. وقد كان لبرترند رسل وقتها صيته وشهرته كفيلسوف ورجل منطق بينما كان فيجنشتين يتخطى بداياته كفيلسوف ” محمّلا بإعجاب شديد بالمنطق والرياضيات خاصّة . وهذا الإعجاب هو الأصل في ” الصداقة ” بينه ورسل . إذ كثيرا ما تبدآ الصداقة كما يقول أرسطو بـ”إعجاب” ، إعجاب بالفيلسوف ” رسّل ” ؛ الأمر الذي يفسّر انشداد فيجنشتين إلى ” الرجل ” أي ” رسل” في صفته كفيلسوف ومنطقي ، في اهتمامه تحديدا بالمنطق واللغة …لقد وجد فيجنشتين في برترندرسّل ” ضالته” معرفيا ( وتحت تأثير نصيحة ” فراج “له ( وهو أعظم منطقي في القرن 20) بالانضمام إلى طلبة رسّل في جامعة كامبرديج لدراسة المنطق وفلسفة الرياضيات ، وقد كان رسّل فيهما متميزا مشهورا خاصة بعد نشر كتابه ” الحدث” مبادئ الرياضيات ” (1910). إن صداقة فيجنشتين برسل كانت بدايتها ” الإعجاب” قبل أن تصبح صداقة متينة . وكان المحفّز فيها ” المشاركة في ” الاهتمام بالمنطق والرياضيات واللغة وهي المسائل التي كان لرسّل قول بارز فيها ؛ بل هو أحد المجدّدين في هذا المجال وصاحب مدرسة باتت تسمّى ” الذرية المنطقية” والتي ستصبح قاعدة لنشأة ” الفلسفة التحليلية ” مع أحد أعلامها ” فيجنشتين” . غير أنّ هذه الصداقة بين التلميذ والأستاذ سرعان ما أخذت وجها آخر، حينما بدأت شهرة ” التلميذ “فيجنشتين تضرب في الآفاق بمناسبة نشر كتابه ” رسالة في المنطق والفلسفة ” ، وكشفت عن ” عبقرية ” صاحبه . الأمر الذي جعل برترند رسّل ” يخشى” على مؤلفه ” مبادىء رياضية ” أن يموت تحت تأثير نقد فيجنشتين ” العميق ” والدقيق ” والمزعج ” جدا ، وتحت تأثير عمق وطرافة محتوى ” رسالة ” فيجنشتين. فقد صرّح رسّل في إحدى رسائله لصديقه ” اوتولين مورال ” بقوله :” لقد تفتّت جهدي (…) وبلغت قاع اليأس”. لقد أصاب فيجنشين أستاذه رسّل في مقتل كما يقال. .وكان لابدّ للأستاذ أن يلتفت إلى هذا ” القادم” على مهل ،هذا ” الفيلسوف الواعد ” الذي جاءه يوما يسأله هل هو غبيّ أم لا ، حتى يهتم بالفلسفة أم بالملاحة الجوية”؟ . لقد أدرك رسّل بوضوح ” قيمة” الرجل وشعر أنه ” منافس” بل ندّ ، بل قد يتفوّق عليه بالنظر إلى ” عمق” تفكيره ” وما لديه من ” كاريزما” ، بل وقدرته ، وهو ما يزال شابا، على أن يحدث في الفلسفة منعرجا ، قد يجعل من ” فلسفة رسّل ” شأنا من الماضي. وبالفعل فقد خطّ فيجنشتين ” الطريق” لنشأة ” الفلسفة التحليلية” التي ، وإن استندت إلى آراء رسّل المنطقية( المنطق الذري) ، فقد رسمت لنفسها طريقها الخاص في باب ” المنطق والأخلاق ..” ، وطرحت رؤية جديدة للعالم . من هنا فقد باتت العلاقة بين الصديقين لا تخلو من ” الغيرة” والحذر؛ خاصّة أن فيجنشتين لا يتوانى عن نقد آراء أستاذه في المنطق واللغة …بل ويصرّح دون تردّد بأنه ” بات لا يفهم آراءه..” وهو الذي كان ” معجبا إعجابا شديدا” . وكان لابد لرسّل أن : ينتصر ” إن صح التعبير لفلسفته وأن يستعيد ” حيويته” بعد ” شلله ” الفكري المؤقت الذي أصابه بعد قراءته ” لرسالة المنطق والفلسفة ” لفيجنشتين وتأثره بنقد. وقد وجد رسّل في ” فيجنشين ” الثاني ” ذاك الذي يتجلى في ” الفلسفة التحليلية” ( فيجنشين الفيلسوف لا ” الدارس للمنطق …” والذي يتحرك في فلك ” فلسفة رسّل) ضالته لتبدأ ” مرحلة ” المواجهة ( وجها لوجه) بين الصديقين وذلك بنقد ” بعض انحرافات الفلسفة التحليلية ، ليردّ عليه فيجنشتين ردّا عنيفا ، ولتبدأ مرحلة ” الخصام ” والنزاع بينهما وليدبّ في العلاقة بينهما شيء من البرودة بل من ” الكره” نتيجة هذه الخصومة . لقد نقد أخيرا الرصيد ” العاطفي” لهذه العلاقة التي بدأت ” بودّ” ومحبّة وبإعجاب متبادل . فقد وصف الفيلسوف برترند رسّل صديقه لودفينغ فيتجنشتين يوما بكونه” أحسن مثال لعبقرية بالمعنى التقليدي. لم أعرف له مثيلا ؛ شغوف ، عميق وشديد وذي شخصية مهيمنة “. وعلى الرغم من أن لرسّل ضعف عمر فيجنشتين ، فإنّ علاقتهما سرعان ما أصبحت علاقة ندّية ، وبعد أربعين سنة، وفي ملاحظته في ” فكر” ( كراس فلسفة ) عن نعي موت فيجنشتين ، وصف برترند رسّل صداقته مع فيجنشتين كـ” إحدى المغامرات الفكرية الأكثر إثارة في حياته”.
غير أن رسّل لم يكن يخفي ( كما جاء في مذكراته) من جهة أخرى ” حيرته” إزاء ” شخصية ” فيجنشتين ” التي تبدو له غريبة وغير مفهومة أحيانا . فهو القائل عنه :” يقول برتراند رسل عن صديقه لودينغ فيجنشتين :” لقد قلت له أن يكتب لي شيئا أثناء عُطَلِه عن موضوع فلسفي وقلت له بعد ذلك “هل كان أحمق أم لا”.
” لقد كان مثليا ، وتبدو لي أفكاره غريبة ، بحيث طيلة فترة انتداب كاملة لم أستطع أن أقرّر في شأنه هل كان إنسانا عبقريّا أو ببساطة شخصا غريب الأطوار.وفي نهاية فترة انتدابه في كمبريدج، زارني وقال لي : ” هل يمكن أن تقول لي هل أنّني أحمق للغاية أم لا؟” فأجبته :” لا أعرف صديقي العزيز. لماذا تطلبني مني ذلك؟ ” فقال :” لأنّه إذا لم أكن أحمق للغاية فسأصبح رائد طيران . ولكن إن لم أكن كذلك ، فسأصبح فيلسوفا.”
قلت له أن يكتب لي شيئا أثناء العطل حول موضوع فلسفي وسأقول له بعد ذلك هل كان أحمق للغاية أم لا. وفي بداية فترة العمل الثانية ، جاءني بمقترحه منجزا. وبعد قراءتي لجملة واحدة، قلت له :” لا . لا يجب أن تصبح رائد طيران. فلم يفعل. غير انه مع ذلك لم يكن من السهل التعامل معه. كان يزورني في غرفتي في منتصف الليل وطيلة ساعات، كان يمشي إلى الوراء ثم إلى الأمام مثل نمر في قفصه. كان يقول عند حلوله بغرفي بأنّه سينتحر عند مغادرتها. ورغم مغالبة النعاس فلم أشأ طرده. وفي إحدى الأمسيات ، وبعد ساعة أو ساعتين من الصمت المطبق ، قلت له:” فيجنشتين ، هل تفكّر في المنطق أم في خطاياك؟ فأجابني ” في كليهما”، ثمّ عاد إلى صمته.
ومع ذلك فنحن لم نلتقي إلاّ في الليل . كنت أصاحبه في جولات طويلة في الريف حول كامبريدج . وفي إحدى المناسبات شجعته على الدخول إلى غابة مادينغلاي حيث تسلّق شجرة . وبعد أن قطعنا شوطا داخل الغابة ، اعترضنا حارس الغابة مسلّحا وقدم نفسه واحتجّ عليّ في الدخول إلى الغابة والعبث بالأشجار. ناديت فيدجنشتين وقلت له بأنّ الرجل وعد بأن لا يطلق النار إذا ما نزل فيجنشتين في دقيقة.فصدّقني ثم نزل من الشجرة.” ( صورة من الذاكرة، القسم 2 ، بعض اللقاءات الفلسفية، ص 23) .

(رسم لـ” إدوارد سورال ” لودفينغ فيجنشتين وبرترند رسّل” آرتسي Artsy )
” – هلاّ قلتم لي ، من فضلكم ،إذا ما كنت أحمق تماما أم لا؟
– زميلي العزيز ، لا أعرف.لماذا تطلب منّي ذلك؟
– لأنّه ، إذا ما كنت غبيّا تماما ، فسأصير رائد طيران ؛ لكن إذا لم يكن الأمر كذلك ، صرت إذن فيلسوفا”.( من حوار بين فيجنشتين وب. رسّل – كامبريدج 1911- بيبليوغرافيا فيجنشتين) .
لكن، وبالرغم من نفاذ الرصيد العاطفي لكل من رسّل وفيجنشتين الناتج عن هذه الصداقة وتحوّل علاقتهما إلى خصام ونزاع فكري بالخصوص،فقد قضّى رسّل وقتا طويلا في تشجيع فيجنشتين الشابّ ، لأنّ علاقتهما في البداية كانت قويّة جدّا . إذ كان على رسّل أن يجهد نفسه كثيرا من أجل متابعة الأفكار الجذريّة الجديدة لفيجنشتين عن المنطق، واللغة والعالم. لقد كان فيجنشتين على نحو ما مثيلا لرسّل الشابّ من حيث الشغف الشديد بالمسائل التقنية الصعبة للفلسفة. كان فيجنشتين يشعر أنّه عليه أن يطرح المسائل الجوهريّة عن الطبيعة والهوية ووظيفة المنطق. ولكنه على خلاف رسّل لم يعتقد يوما في أنّه على الفلسفة أن تكون بحثا عن المعرفة الإدراكية أو” عن المادّة” . تتمركز الفلسفة حول مشكلات المعنى لا المعرفة .
سرعان ما أحسّ برترند رسل بهيمنة فيجنشتين – فهو لم يكن فحسب غير مستقرّ مزاجيا وغاضبا من ليونة الطبع لدى برترندرسّل، ولأسباب ليست دوما واضحة، كان لا يرتاح لأغلب أعمال رسّل وخاصة عجزه عن فهم ” نظرية الصورة” التي يجدها ” صوفية” أكثر من المعنى لدى فيجنشتين..” لا أستطيع فهمه بصواب (هو أي رسّل) إلا إذا أجهدت عقلي إلى أقصى حدود قدرته.”

” يؤسفني بشدّة … أن يكون اعتراضي على نظريتك في الحكم قد أشلّ جهودك”.( ” من رسالة لبرترند رسّل بتاريخ 22 جويلية 1913 ” ( بخط فيجنشتين)
كان رسّل يسند بقوّة العمل الذي أدى إلى “مقالة في المنطق والفلسفة ” التي تحمّس لها فيجنشتين. والتي يتعلق الأمر فيها بمشروع واعد – بتعيين العلاقة بين المنطق والواقع وتعريف حدود العلم – والذي اعتبر من أهم الأعمال الفلسفية في القرن 20. جاء في ” مقالة ” فجشنشتين قوله عن هذه العلاقة :”
“يملأ المنطق العالم. وحدود العالم حدوده أيضا. إذن، لا يمكننا في المنطق أن نقول ، يوجد في العالم هذا أو ذاك، لكن ليس فحسب، فلكي نقوله، يفترض ذلك في الظاهر، أن نستبعد بعض الإمكانيات، وهو ما لا يمكن أن يكون واقع الحال، إذ يقتضي ذلك بأن يذهب المنطق إلى ما بعد حدود العالم كما لو كان بمقدوره تصوّرها من الجهة الأخرى أيضا. إنّ ما لا يمكن أن نفكّر فيه، لا يمكننا أن نفكّر فيه، إذن لا يمكننا أيضا قوله” .فجنشتين مدخل إلى”تراتكتاكوس …” ماي 1922- ترجمة : بيار بيسو)

” إنّ حدود اللغة هي حدود عالمي ” (فيجنشتين ” الرسالة المنطقية – الفلسفية”
إن العامل المحوري في دراسة أعمال فيجنشتين هو الطبيعة المتشعّبة لتأويل هذه الأعمال ، مما يؤدّي إلى جملة من الصعوبات في تحديد جوهرها ومنهجها الفلسفي .
ومع ذلك فقد طوّر رسّل رؤيته الخاصّة للأفكار التي قدّمها في كتابه هذا ، ومقدّما جملة من المحاضرات حول المنطق الوضعي في 1918، بينما ما يزال فيجنشتين في معسكر سجناء الحرب في الحرب العالمية الأولى. فقد تطوّع فيجنشتين للانضمام إلى الجيش الأسترالي- النمساوي ، بالرغم من أنه ألْحق ببعثة طبية. يقول رسّل بأن فيجنشتين قد عاد من الحرب وقد تغيّر تغيرا كبيرا ، وأصبح ذي مظهر صوفي وزهدي .
كان فيجنشين يؤكّد على أن أفكاره أسيء فهمها وبالتالي أسيء تقدميها من برترند رسّل ، وقد هذا يكون هذا أحد الأسباب التي تفسر استمرار انقطاع العلاقة بينهما وعدم عودتها بالمرّة إلى سالف عهدها. ثمّ إنّ رسّل قد استوعب بعض أفكار فيجنشتين في فلسفته الخاصّة بنجاح متفاوت. وفي النهاية فقد تخاصم الرجلان ، خصاما شديدا ربما كان محتما ، رغم أننا لا زلنا نجهل أسبابه.
مات فيجنشين في سنّ 62 عاما، متأثرا بمرض سرطان البروستاتا، وكان معجبا إلى آخر أيامه ببرترند رسّل. إذ يقول :” قولوا له بأنّ حياتي كانت رائعة” ويضيف :” لا يمكن أن توجد”.
ومهما يكن من أمر صداقة رسّل بفجنشتين وما اعتراها من تقلّبات من الناحية الإنسانية ، فإنّها كانت صورة لعلاقة صداقة كان فيها ” الانشغال الفلسفي ” ذا أهمية قصوى من حيث أنه ساهم في إثراء هذه العلاقة وتعميقها، وإثراء أفكار أصحابها بل وإثراء تاريخ الفلسفية ؛ بما يسمح به من نقد دقيق وعميق من شأنه أن يوضح مضامين فلسفية ويرفع اللبس عما غمض منها ويدقق أكثر الخ .. كتب رسّل في “سيرته الذاتية ” ما يشبه الاعتراف بأهمية النقد الذي وجهه فيجنشتين لنظريته في المعرفة ، نقدا أربكه ولكنه حمله على مزيد التدقيق والمراجعة . فقد صرّح فيجنشتين بأن نظرية رسّل في المعرفة ” خاطئة” .. يقول رسّل مخاطبا السيدة اوتولين موريل :” هل تتذكّرين في ذلك الوقت كتبت الكثير من الأشياء حول نظرية المعرفة التي انتقدها فيجنشتين بأقصر درجا ت الشدّة؟ لقد كان انتقاده (…) حدثا ذا أهمية من الدرجة الأولى في حياتي ، حتى أنه أثّر في كلّ ما قمت به منذ ذلك الحين. كان ما وجدته من صواب في رأيه، جعلني أفقد الأمل في القيام بعمل أصليّ في الفلسفة مرّة أخرى. غنّ اندفاعي محطّم مثل موجة متقطّعة في مواجهة كاسر الأمواج ” ( من رسال إلى السيد اوتولين موريل عام 1916).
يتضمّن هذا المقطع من الرسالة ” شهادة ” من رسّل على أهمية وجود فيجنشتين ( كفيلسوف) في حياته بل وأهميته ” كإنسان” يملك ” كاريزما ” قل نظريها ، شخصية جذّابة ، غامضة مركبّة يغنم منها كل من يجالسه ناهيك عن صداقته . يقرّ رسّل باعتزازه بهذه الصداقة فيقل :” كانت صداقتي لفيجنشتين إحدى المغامرات الفكرية الأكثر إثارة في حياتي”(برترند رسّل” فكر). وبالمثل فقد كان فيجنشين شديد التمسّك بصداقته لرسّل ، على الرغم من فارق السنّ وعلى الرغم أيضا مّا تثيره هذه العلاقة أحيانا من قلق وحيرة وانزعاج . حيث كان فيجنشتين غير مرتاح لكثير من أفكار ” رسّل ” بل ويتهمه أحيانا بأنه ” لا يفهم أفكاره” ويجد عناء في ذلك . لقد وجد فيجنشتين ربما في رسّل ” راع ” أبويا خاصة بعد موت أبيه وقد كان شديد الالتصاق به يزوره ليلا ويظل عنده صامتا لساعات كما يقول رسّل ، وكان يشكوه أحيانا أحزانه ورغبته في الانتحار . وفي المقابل وجد رسّل في فيجنشين ” حماس” الشباب وكان يرى فيه ” فيلسوفا واعدا ” ، شخصية فذّة ، بالرغم من انزعاجه احيانا من تصرّفاته المتناقضة وغير المفهومة . لقد عثر رسّل في فيجنشتين على” بذرة ” جنون ، جعلته ” يحبّه ” كما يقول ” دولوز. وهذا فضلا عمّا وجده رسل فيه كقارئ وناقد فذّ لأفكاره. لقد كانت شخصية فيجنشتين ” مزاجية ” ولكنها كانت ” مستقلّة” تطلب شيئا أصيلا في الفلسفة” كما يقول رسّل . ولذا قلما تأثر فيجنشتين بأفكار غيره . وكان شديدا على نفسه حينما يكتب يختار كلماته اختيارا دقيقا حتى إذا ما كتبها لم يغيرها . ولعلّ هذا ما يفسّر انه لم يكتب كثيرا خلاف برترند رسّل . بيد أن ما كتبه على قلّته كان له عميق الأثر ” لقوته ومتانته وعمقه وخاصّة ” أصالته” الفلسفية . يذكّرنا هذا بطينة العباقرة أمثال ” بيتهوفن ” وغيره ممن يطلبون ” المتفرّد ” والاستثناء … كل هذا كان عناصر شدّت رسّل إلى فيجنشتين الذي كان يدرك قدر نفسه ولا يتأخر عن نقد وإبداء رأيه في أفكاره أستاذه دون مجاملة بل بشدّة قصوى أحيانا. وكان رسّل في المقابل لطيفا معه يشدّه يده ويساعده على التقدّم في أطروحاته وخاصة في كتابه ” رسالة منطقية فلسفية ” والتي بعث منه فيجنشين أولى النسخ إلى رسّل وفراج وهو في المعسكر. كان يرغب ربما في أن يبديا رأيهما فيما كتب لأنّ ذلك يعنيه لقيمة الرجلين لديه وخاصة رسّل ثم لمنزلتهما العلمية البارزة في ذلك الوقت.
الصداقات على وجه العموم علاقة إنسانية يغتني منها كلا الصديقين إنسانيا وعلى جميع الأصعدة . كما يستفيد منها الآخرون أيضا لا بوصفها صورة لعلاقة إنسانية رفيعة فحسب، بل لما يفيض منها من آراء وأفكار ومشاعر وأحلام الخ… خاصّة إذا ما كانت هذه العلاقة -كما أسلفنا- بين شخصيات “ممتازة “بعبارة برجسون، فلاسفة وعلماء … يشعّون بصدقاتهم على الآخرين، بل على الإنسانية. كثيرا من الصداقات باتت مثالا يذكر ويحتذى به. وحتى إذا ما لم تخل هذه الصداقات من تقلبات وتعثرات وربما انتهت إلى خصومات ونزاعات وقطيعات..، فإنها تظلّ مع ذلك ” أفقا” قيميا ننشده ونفضله على علاقات العداوة والكراهية … فالأصل في الإنسان الميل إلى التآنس، وفي ّ الصداقة “أنس” يبدّد وحشة العزلة والوحدة ويرتقي بإنسانية الإنسان بفعل اللقاء، لقاء الإنسان بالإنسان .
عبد الوهاب البراهمي
متفقد عام للتربية سابقا ( فلسفة)





