د/ محمود حسن محمد
إن العقبات فى حياتنا ليست جدرانا صماء تضع حدا لطموحاتنا ، بل هى فى حقيقتها اختبارات لمدى عمق رؤيتنا وقدراتنا على التكيف ، العقل المحدود دائما ما يرى المشكلة ” نقطة نهاية ” يتوقف عندها ، ويبدأ فى اجترار مشاعر الإحباط ، بينما العقل الاستراتيجى يرى فيها ” عقلا ذكيا ” يتطلب إعادة تقييم للمسار لا التخلى عنه .
إن فلسفة التجاوز لا تعنى أبدا إنكار وجود الصعاب أو محاولة القفز فوقها بتهور أو سذاجة ، بل تعنى القدرة على الارتفاع بوعينا فوق مستوى المشكلة لنراها من زاوية أشمل ، فمن يغرق فى تفاصيل الأزمة لا يرى المخرج ، بينما من يمتلك رؤية أبعد يرى أن كل عقبة تحمل فى طياتها بذرة حل أو فرصة للنمو كانت ستبقى خفية لولا ظهور هذا التحدى .
تتطلب عملية التجاوز منا أن نتحلى بما يمكن تسميته ” المسافة المعرفية ” وهى القدرة على الانفصال الشعورى عن الحدث المزعج للنظر إليه كظاهرة موضوعية قابلة للتحليل ، عندما ننزع صفة ” المأساة ” او “الاستحالة ” عن العوائق ، ونبدأ فى التعامل معها كمتغيرات فى معادلة حياتنا ، تتحول طاقة القلق المدمرة إلى طاقة تفكير إبداعى بناءة.
إن الشخص الذى يمتلك هذه الرؤية لا يسأل نفسه ” لماذا يحدث هذا لى ” لأن هذا السؤال يضعنا فى دور الضجية ، بل يسأل بذكاء : ما الذى يطلبه منى هذا الموقف لأتطور ؟ أو ما هى المهارة التى ينقصنى امتلاكها لأتجاوز هذا الحاجز ؟ ، هذا التبدل الجوهرى فى صياغة السؤال هو الذى يفتح أفق التجاوز ، ويحول الضعف إلى قوة ، والتعثر إلى وثبة .
علاوة على ذلك ، إن التجاوز هو تمرين مستمر على الصبر والاستبصار حيث ندرك أن مسيرة النجاح ليست خطا مستقيما ، بل هى تراكم خبرات اكتسبناها من تجاوز كل عثرة …
إننا نخطئ عندما نظن أن الناجحين مروا بطريق مفروش بالورود ، الحقيقة أنهم مروا بعقبات ربما كانت أكبر من عقباتنا ، لكنهم امتلكوا ميزة ” الرؤية البعيدة “، ولم يركزوا على الحفرة التى سقطوا فيها ، بل ركزوا على الأفق الذى يريدون الوصول إليه.
هذا التركيز هو ما يمنح العقل القوة لتجاوز العقبة ، لأن الهدف الأكبر يصبح هو المغناطيس الذى يجذبنا للتحرك ، ويجعل من العقبات مجرد تفاصيل صغيرة لا تستحق أن تأخذ من وقتنا ، أو طاقتنا أكثر مما تستحق.
ويقينا فإن أعظم إنجازات البشرية لم تتحقق فى ظروف مثالية ، بل تحققت من خلال أفراد قرروا ألا يتوقفوا عن التحديات ، بل استخدموها كسلالم للصعود نحو رؤيتهم البعيدة ….
يدعونا ذلك إلى جعل رؤيتنا أكبر من أى مشكلة نواجهها ، فعندما يكون الهدف نبيل وواضح سنجد ان العقبات تصغر فى عيوننا ، وأن قدرتنا على تجاوزها تصبح طبيعة ثانية فى شخصيتنا .
إن التجاوز ليس فعلا عشوائيا بل قرار واع يبدء المرء فى اتخاذه الآن ليمنحه ثباتا لا يتزعزع فى طريقه نحو المستقبل ، ليكتشف فى النهاية أن كل عقبة تجاوزها قد صقلت جزءا من شخصيته كان يحتاج إلى التجديد.





