المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

“كايا، الاختفاء الحتمي؟”. 

حوار مع جيمس لوفلوك ..

ترجمة محمد منير الحجوجي الوردي  

 

جيمس لوفلوك James Lovelock، هذا الكاتب العصامي ذو 100 سنة (توفي الأن. المترجم)، هو عضو في الجمعية الملكية البريطانية منذ 1974. ساهم لوفلوك بطريقة حاسمة في مختلف مجالات العلوم، ومنها دراسة نقل التعفنات التنفسية وطرق تعقيم الهواء، وتحليل دور الكالسيوم في التخثرات الدموية، وتحضير السائل المنوي من أجل التخصيب الاصطناعي. وضع مجموعة من الآلات هي الأن الأكثر فعالية من ضمن كل الألات على مستوى دراسات التلوث. في جعبته اختراعات كثيرة. يتميز عمله بأصالته العجيبة، بساطته وعبقريته. لكنه تميز خاصة بصياغته ل “فرضية كايا” L’hypothèse Gaia، وفيها يقول بأن الأرض، بما فيها الحلقة الحية، يمكن النظر اليها كجهاز عضوي حي يتأقلم مع الظروف ويضمن توازنه عند الحاجة.

 

سؤال: كنت “طبيب الكوكب الأرضي” لعقود طويلة. كيف هي حالة كايا اليوم؟.

جيمس لوفلوك: كايا اليوم “سيدة عجوز”، سيدة من سن متقدم، وصحتها هي تقريبا نفس حالتي الصحية: نحن شيخان (يضحك)، ولكننا نجحنا في أن نحافظ على أنفسنا جيدا. بطبيعة الحال، ما نقوم به في حق الكوكب ليس حكيما بتاتا، وسيدتي ليست شابة مثلما يمكننا أن نعتقد، لكني لست قلقا كثيرا.

سؤال: قبل عشر سنوات، كتبت في ثورة كايا La révolution…… بأنه “عند نهاية القرن، أقلية فقط من البشر سيستطيعون الإفلات بجلدهم والبقاء على قيد الحياة”. كنت قلقا بصدد الأرض أو على الأقل بصدد البشرية. تقول اليوم بأنك تشعر بالندم. ما هو سبب هذا التحول؟.

جواب: أنا كارثوي لكني من التائبين الأن. في تلك الفترة، كنت مقتنعا بأن انبعاثات غاز “الأنيدريد الكربوني” الذي ينتجه البشر قد يساهم في مثل هذا الارتفاع في الحرارة بشكل قد يجعل الكوكب – وبشكل أقل نوعنا البشري- عاجزا على تحمله. ها أنتم تلاحظون أن نظريتي حول كايا تقف على فكرة أن الحلقة الحية قادرة على أن تنظم ذاتها بذاتها حتى تظل على قيد الحياة. لكن عمر الغلاف الجوي الأن أربعة ملايير سنة. كنت دوما مقتنعا بقدرة الكوكب على أن يفلت لمخالب الأزمة ويعثر على توازن خاص على مدى فترات طويلة. لكني لاحظت أننا – على الأقل على المدى القصير- أمام سيدة عجوز، وكنت أقول مع نفسي: أوكي، يمكن أن يشكل الزكام ازعاجا لمراهق، لكنه يمكنه أن يكون قاتلا بالنسبة لسيدة تبلغ مئة عام. وكنت أعتقد بالطريقة ذاتها بأن كايا لم يكن بإمكانها أن تتحمل أفعالنا. كانت ستقوم بالانتقام منا، وبقائنا كان سيصبح مهددا.

سؤال: تقول اليوم بأنه “لا يجب أن نهلع”؟.

جواب: نعم.

سؤال: لماذا؟ ألم تسجل خلال 11 شهرا متتالية درجات حرارة حطمت كل الأرقام، ولم نشاهد شهرا أكثر حرارة من غشت الأخير، مثلا، منذ 136 سنة.؟.

جواب: لقد فهمت بأنه ليس بإمكاننا أن نقوم باستشرافات ما فوق ثماني أو عشر سنوات: الأشياء تتغير بسرعة شديدة ما يجعل من الصعب تشكيل فكرة حول الأمور على المدى المتوسط أو البعيد. لو كانت تنبؤاتي صحيحة لكنا الأن في عداد الموتى. ومع ذلك تفاجأت بأنه منذ صدور كتابي لم تتغير درجة الحرارة كثيرا. لا أعتقد أننا مهددون بشكل حقيقي في الوقت الحالي. لكن إذا ما أمرضنا كايا، فإن الأثار سنستشعرها في غضون 3000 سنة. حينها ربما قد تأتي “الثورة”، وسيتوجب حينها القيام بشيء ما. أنا واثق من أننا سنكون في مستوى رفع التحدي: فنحن الحيوانات الأكثر مقاومة فوق الكوكب.

سؤال: تقول بأن الأرض تمرض بسبب طريقتنا في التعامل معها. هل نقوم بما يكفي لتفادي كل هذا؟. ما رأيك مثلا في الكوب 21 (اتفاق باريس حول المناخ الموقع في ديسمبر سنة 2015. المترجم)؟.

جواب: حتى نتفادى أن تصل الأرض الى درجة حرارة غير قابلة للتحمل، من الضروري تقليص انبعاثات الغازات الاحتباسية. أعتقد أننا نسير في الاتجاه الجيد، وهنا أيضا لست قلقا كثيرا. أنا فعلا معجب جدا باتفاق باريس. فهو يبين أننا قادرون على أن نأخذ على محمل الجد مسألة المناخ. ان التزام عدد مهم من الدول، وخاصة “الملوثون الكبار”، يجعل من الاتفاق حقا اتفاقا شاملا. انها خطوة غير مسبوقة، خطوة تسير في الاتجاه الصحيح. لكني أنبهكم فورا: لن يكون لأية خطوة أية نتيجة تذكر ان لم يغير كل واحد منا سلوكه جذريا، بأن يختار مثلا المشي عوض التنقل بالسيارة.

سؤال: هل المشاكل الطاقية اليوم هي نفسها مشاكل البارحة؟. أنت تعتبر بأن الثورة الصناعية طبعت بداية عصر إيكولوجي جديد، هو عصر الأنتروبوسين . نحن نلج عصرا صناعيا جديدا، عصر “التقنية”: ما هو التأثير الذي سيكون لكل هذا على كايا؟.

جواب: النسق الجديد للإنتاج والاستهلاك، الألات التي تسير ذاتها بذاتها، الانعطاف التكنولوجي، هذه أمور ستؤثر علينا أكثر بكثير مما ستؤثر على الكوكب. أنا قلق مما يلي: أن نتوقف عن تشغيل ذكاءاتنا من أجل وضع كل شيء بين أيادي الحواسيب. خوفي اذن أن تخطف منا الآلات “العمل”. ولكن، ومن وجهة نظر مناخية، لا أستشعر قدوم انعطاف شبيه بالثورة الصناعية قبل 300 سنة. لقد أعاد اختراع الألة البخارية صياغة علاقتنا بالأرض، ألقى بنا نحو عصر جيولوجي جديد، هو الأنتروبوسين تحديدا. بالتالي، وكما كان الأمر مع الأشكال الأولى للحياة التي عرفت كيف تستعمل طاقة الشمس لإنتاج الأوكسيجين – وهذا الانعطاف حدد كل ما جاء لاحقا – كان الانسان وبالطريقة نفسها أول حيوان يستعمل الطاقة الشمسية ليستقبل، ويحافظ، ويستعمل المعلومة. هذا هو الانعطاف الأساسي الذي سيحدد كل ما سيأتي.

 

*منير الحجوجي الوردي: باحث ومترجم، المغرب