المجلة الثقافية الجزائرية

يا تلاميذ غزّة.. هاتوا حبالكم واشنقونا!!!!!!

معمر طاهر الشريف

اشنقوا ضمير الإنسانية أولا، ودقوا خازوقا مدببا في أسفله، وارفعوا جثته المترهلة عاليا ليراها الجميع، لأنه لم يبق له عقل للتفكير والتدبير، ولا عاطفة للإحساس والشعور…
أغرقوا هذا الضمير المزيف في دمائكم الزكية الطاهرة ليستحم، ويتطهر من أدرانه المتراكمة عبر السنين…
اجلدوه بأشلاء صغاركم ونسائكم ورضّعكم، واخنقوه بعبير دمائهم الفائرة علّ روح الرأفة تنبض في جنباته يوما وتعود لها الحياة…
اشنقوا هذا الضمير أولا، ونكلوا به، ثم انتقلوا إلى غيره…..
اشنقونا كلنا في العلن، ولا تستثنوا منا أحدا ، تحت شمس الهجير، وعلى المقصلة نفسها التي نصبها لكم صمتنا، وتخاذلنا ونفاقنا…
نكّلوا بأجسادنا المتعفنة التي أصبحت لا تستجيب لأحاسيس عواطفنا الميتة، ولا لنداءات عقولنا المتكلسة، وصارت أقسى من الحجر….
اشنقوا إخوانكم في الدم……
اشنقوا إخوانكم في الدين ……..
اشنقوا إخوانكم في الإنسانية…..
لا تذروا منهم أحدا.. لعل دابر الشر يغادر عالمنا دون رجعة….
أين عاطفة وإحساس العرب والمسلمين مما يجري بغزة….
وأين هي نخوتهم الكارتونية المميعة.. وأين أخوة دمهم التي كثيرا ما تغنوا بها ومضغوها حتى اسود لونها، وتعلقم طعمها…
وأين أخوة الدين، وينكم يا مسلمين.. !!!!!
لقد أصبحت أرض عقيدتكم مستباحة، ودماء أمتكم مهدورة …وصدوركم مكشوفة، وظهوركم مركوبة محتلة، لأنكم بالغتم بالانحناء لغير ربكم، وعبدتم ألهة أخرى سواه…
وأين ضمير الانسانية من مناظر الأشلاء الممزقة للأطفال في شوارع غزة، ومستشفياتها…. ومدارسها ومساجدها …..
أين هي أخوة الإنسانية التي يتغنى بها كبار العالم… إنها وهم كبير ، وخديعة عظمى …
لا شيء من هذا، ولا بصيص أمل من ذلك..
لقد سقطت جميع الأقنعة… وفضحت الأيام والأحداث جميع آيات النفاق المتداولة، التي يرتلها العالم آناء الليل واطراف النهار، ليمثل بعضهم على الآخر و يخدع بعضهم بعضا..
لا أخوة الدم والعرق استيقظت، وهبت لنجدة الأخوة المستضعفين الذين تتطاير أجسادهم في الفضاء، وتروي دماؤهم عطش الأرض المسلوبة دفاعا عن العرض الذي قال فيه شاعرهم يوما:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم
يا جدنا أبا الطيب ( المتنبي ) لقد اصبح شرفنا رخيصا ، مستباحا ،لا قيمة له ولا وزن ، لا نستطيع حتى أن نريق عليه بعض الكلمات للتنديد بمن دنسه ، فكيف نستبق الأحداث لنريق دماءنا منعا لتدنيسه كما كان الحال عندكم؟ لأنه أصبح أمرا محرما أفتى به سلاطيننا وملوكنا، قبل أن يفرضه علينا أعداؤنا …..
أخوة الدين جعلت منها فرقنا الدينية والمذهبية (المتقاتلة على بقايا تمرة) وهما كبيرا من المستحيل تحقيقه ، بعد أن كانت ماثلة في أبهى تجلياتها بين عمار وبلال وصهيب وسلمان …
يا عمار يا صهيب يا بلال يا سلمان …يا سادتنا الأتقياء الأنقياء ……
لقد خانت الأمة الامانة بعدكم ……
بعد أن كان كلكم يعمل من أجل إعلا كلمة إسلام واحد ..صار الإسلام عندنا اليوم مفرقا بين آلاف المذاهب والفرق …تقاتل بشراسة بعضها أكثر واعنف من قتالها لأعدائها (إن وجد قتال هؤلاء الأعداء أصلا)، لأن مصطلح العدو أصبح عندنا الآن مقصورا على الأخ القريب الذي نختلف معه في تحريك اصبع التشهد، وإسبال الثوب ، وفرش الرجل أو تنكيبها ، ولم يعد لعدو العقيدة والتوحيد وجود في واقعنا المعاصر لأننا قربناه، وأصبح صديقنا الأمين، وناصحنا الوفي، يعيننا مشكورا على محاربة البدع التي أحدثها إخواننا في ديننا الحنيف …..
أخوة الإنسانية صيّرتها المصالح المادية، والمنافع الذاتية إلى وسيلة تمويه كبرى تتستر وراءها الدول القوية لتمارس جشعها ، وتفرض هيمنها على الجميع ……
لقد انتحرت الإنسانية وأخواتها على مشارف قرى المستضعفين، وفي شوارع مدنهم الضيقة …أصبح لمسمى الإنسانية قرونا ومخالب وأنيابا تفترس بها الضعفاء لتبيد وجودهم، وتمحو صورهم من العالم الذي يسيطر على جنباته الأقوياء …
أنتم تكذبون…. أيها المشرعون المزعومون لحاضر ومستقبل العالم والإنسانية …..
لا ديمقراطية ..ولا حرية رأي … لا حقوق إنسان ، ولا قوانين دولية تضمن ذلك ……مزاعمكم أوهام كبرى ، وطلاسم سرية سوداء تسحرون بها عقول وقلوب من لا حول لهم ولا قوة …..
صار الوقوف مع الضحايا من المظلومين، وجناية تستدعي المساءلة والتحقيق …وهمجية الظالمين وبطشهم ومساندتهم فضيلة تستحق التشجيع والإشادة والتكريم ….
عن أي حقوق إنسان تتكلمون ، وقوانينكم تطالب بحق القوي على الضعيف ، ولا ترى للضعيف حقا في عالم الأقوياء ، ومن الكفر أن ينوي هذا الضعيف ، أو أن يجهر أو يطالب بما يضمن له الحياة البسيطة الكريمة… وكل مرادكم أن تحافظوا على ضعفه، وتشلوا حركته، ليبقى أسيرا لفتات موائدكم، متعلقا بخيوط أحذيتكم، مسخرا ظهره لخدمتكم..
أيها المستضعفون في هذا العالم :
كل الذي يتم تزيينه لكم الآن في عالكم المحسوس والمسموع والمرئي هو وهم عظيم، وخديعة كبرى… لا ديمقراطية لا حقوق إنسان، لا إنسانية ولا قوانين دولية تضمن لكم العيش الكريم، إن لم تؤسسوا لهذا العيش الكريم بأنفسكم وتنافحوا من أجل أن يكون ويتحقق …
كل هذه المصطلحات الرنانة البراقة أوجدها الأقوياء من أجل إغرائكم لتمكّنوهم من هاماتكم بمحض إرادتكم فرحين مسرورين مبتهجين وانتم في كامل قواكم العقلية….
القوانين والأعراف سنها الأقوياء وفرضوها ، من أجل حمايتهم هم لا غير، ولتمهيد السبل لهم للتحكم في رقاب الخلق، وتطويع خيرات العالم لتنساب بسهولة إلى جيوبهم وخزائنهم وتنضمّ تباعا إلى مقدرات أممهم وشعوبهم……
كم استيقظتم على زيف حقيقتهم لكنكم لا تتذكرون …
وطحنتكم رحى خبثهم لكنكم لا تدركون …
وشتتتكم مزاعم اتحادهم لكنكم تزدادون فرقة يوما بعد يوم ..
وعدكم أقوياء العالم ومشرعوه بالأمن.. فازددتم خوفا وهلعا وفزعا..
وعدوكم بالأمل فازددتم خيبة وقنوطا..
وعدوكم بالسلم فازداد عالمكم دموية ووحشية ودمارا…
كلما أطفأ الله للحرب نارا، أشعلوها في مكان آخر ليشغلوكم عن التفكير والتدبير ويؤججوا عواطفكم وجوارحكم للتقويض والتدمير، وكانهم يقولن لكم اثبتوا وجود ارواحكم بتعذيب اجسادكم ومحقها، وتفتيت قدراتكم و تبذيرها…
وعدوكم بالسعادة لكنهم منعوا عنكم رغيف الخبز وجرعة الماء وقايضوا بها شرفكم فتهافتم على بيع هذا الشرف الغالي فرحين مسرورين… وشكرتم من تفضل عليكم بهذا الكرم الحاتمي مقابل هذا الشرف الرفيع على حسن صنيعه وعلى انسانيته الزائدة…..
وبلغ نفاق أقوياء العالم أقصاء عندما حرموكم قوت يومكم ،وجوّعوكم حتى شارفتم على الأفول ثم تهافتوا على إرسال أدويتهم إلى أدغالكم و مداشركم وكهوفكم، وكتبوا فوق علب هذا الدواء عبارة “يؤخذ بعد الأكل” على حد تعبير بوكوفسكي…..
أقاموا فوق أراضيكم محميات كبيرة للحيوانات ووفروا لها جميع متطلبات الحياة البرية اللازمة، وتفضلوا عليها بالرعاية الطبية الكاملة ، لكنهم يقتلونكم خارج اسوارها بلا رحمة، بأسلحتهم المتنوعة، وانقلبت الآية من حماية الإنسان من الحيوان إلى حماية الحيوان من الإنسان، لأن أرواحكم أصبحت حقيرة لا ترقى إلى درجة الحيوانية التي تدر عليهم الذهب والماس، ومختلف الثروات…..
أيها المعذبون في الأرض:
أنتم في نظر أقوياء العالم محميات بشرية كبرى، عليكم بالطاعة، وتسليم كل الأمور لهم، حتى التفكير والإحساس والعواطف، يجب أن تكون وفق ما يقررون، وموافقة لما يأملون، وإلا فالويل لكم من التحليق خارج سرب عقولهم، والإبحار في غير أحاسيسهم ومشاعرهم….. لأنكم في نظرهم لا تجيدون ممارسة لعبة الحياة المعقدة دون توجيههم، وإذا تركوكم تجربونها أحرارا فحتما سوف تقوّضون أركان هذا العالم، وتفسدون في الأرض، وتهلكون الحرث والنسل……
أيها المستضعون في الأرض :
أنتم من رضيتم بهذا الضعف وآثرتم هذه المسكنة…. لأنكم استجبتم لندائها الناعم…. ولم تعيروا اهتماما لزئير قوتكم وعنفوانكم الجبار الذي فطركم خالقكم عليه، وأهملتموه ……
أنتم من رحبتهم بالأطواق التي تحيط بأعناكم، وتباهيتم بها، وحفظتموها من الصدأ والانحلال والأفول….
أنتم من رضيتم بالاستقرار في الأقفاص البراقة التي وضعت لكم وأبيتم مغادرتها، لأنها تضمن لكم الحماية ،والسلامة من صروف الدهر وتقلباته، فأصبحتم تقدسون العبودية، وتخافون من عالم الحرية الرحب خارج شبر محيطكم الضيق الذي حشركم فيه أقوياء العالم ومشرعوه …..
أنتم من بالغتم في الانحناء والركوع لغير إراداتكم ، فامتطى سادتكم الأقوياء ظهوركم، وساقوكم حيث يريدون، وعندما استجبتم طائعين ألجموكم وتمكنوا من هاماتكم وسخّروها….. فأصبحتم لا تتحكمون إلا في أرجلكم لتأمروها بالسير في الوجهة التي يسلكها القطيع، وأنتم تجهلون حتى إلى أين تذهبون …..
وفي الأخير :
أيها العرب ….
أيها المسلمون….
أيها المعذبون في الأرض …
أيها المستضعفون في عالم الأقوياء فوق حنايا هذه الأرض، وفي أجواء فضائها…
الحياة سجال بين ما نحب وما نكره…. سجال بين الفقر والغنى…. سجال بين القوة والضعف…. سجال بين السعادة والتعاسة… بين النصر والهزيمة… بين الحرية والعبودية….. وبين النهضة والسقوط …
قد كان أجدادكم يوما في أعلى عليين، وكان أجداد أقوياء العالم الآن يخشونهم، ويحسبون لهم ألف حساب عندما حققوا ما أراد الله لهم أن يكونوه، وعاشوا لأنفسهم، ولأممهم…. ولله …
ولكنكم الآن نكصتم على أعقابكم فأصبحتم خاسرين …..
أصبحتم تسبحون عكس تيار الحياة التي أراد الله لكم أن تعيشوها….
أراد لكم السعادة …. لكنكم رضيتم بالتعاسة و الاسترزاق من الفتات الذي يتساقط من موائد الأقوياء….
أراد لكم العزة والكرامة …. لكنكم آثرتم الذل والاستكانة والهوان…..
أراد لكم الحرية…. فأحطتم معاصمكم بعبودية القيود…. لتتملصوا من عز التكليف الذي يبلّغكم الدرجات العلى ….
لقد عشتم ما يكفي في الحضيض…. حتى ملّ هذا الحضيض منكم…. لقد عمرتم طويلا في جنباته، لذا يترجاكم أن تغادروه، يتمناكم أن ترحلوا، لأنه كرهكم، إنه يتشوق لقوم آخرين غيركم، فلا تخيبوا ظنه في هذا المراد المأمول …..
لقد آن أوانكم أن تسافروا صعودا إلى الأعلى ، وتجربوا واقعا جديدا غير واقعكم هذا …..
فأعدوا العدة …..
وأول زاد عدتكم وعتادكم، أن تقنعوا أنفسكم أنها تستطيع …..
و هي فعلا تستطيع …….
وإن غدا لناظره قريب ……