المجلة الثقافية الجزائرية

تي اس إليوت.. صدمة الاستهلال ومحاولة لفك الشيفرة

 محمد رياض الشريف

كثيرة هي التساؤلات حول جمال الشعر ومنطقيته خاصة عند قراءة القصيدة للمرة الأولى. إن تجريدية الإستعارات وغموض الوصف للأحداث ربما تصنع إشكالية لدى القاريء تحول بينه وبين معالجة أو حتى محاولة معالجة القصيدة.

وتعتبر قصيدة الأرض اليباب لتي اس إليوت من أعظم القصائد بل تحفة من روائع الأدب الحديث ومثال بارز للقصائد الشاقة لدى قراءتها للمرة الأولى مع الاتفاق الدائم على جمالها.

بداية القصيدة صادمة ومزعجة للقاريء وربما تسبب له صعوبة في معالجتها.. ولكن يمكن التغلب على تلك الصدمة عند فهم منطقية تناقضها.

أبريل أكثر الشهور قسوة

يخرج الليلك من الأرض الميتة

يمزج الذاكرة والرغبة

ويثير جذورا كسولة مع أمطار الربيع

أبقانا الشتاء دافئين

غطى الأرض بثلج باعث على النسيان

وغذي قليلا من حياة بدرنات جافة

افتتاحية غريبة – قسوة لمجيء الربيع وتفتح الأزهار ونظر بحنين إلى الشتاء وتساقط ثلوج تجعلنا نشعر بالدفء – هذا على عكس مواقف معظم الناس لفصلي الربيع والشتاء!

ما الرسالة التي أراد تي اس إليوت إيصالها وما وسيلته؟

نقول ربما ولا نجزم أنه التناقض الصارخ لليأس في مواجهة التناقض الصارخ للعالم من حوله.. وكانت وسيلته التباين.

فكرة التناقض التي تعزز الشعور بالملل والتعاسة على المدى الطويل.. أن حزن الراوي سيزداد سوءا بسبب امتلاء العالم من حوله بالحياة.

كما استخدم تي اس إليوت الذكريات كغاية ووسيلة لكل من الربيع و الشتاء في جميع أنحاء القصيدة.. ماذا يمكننا أن نتذكر وماذا لا يمكننا؟ الماضي والحاضر.. ربيع يسحبنا وشتاء يخدرنا.. ربيع يحيي ذكريات الألم وشتاء يداوينا بذاكرة مضمحلة.. وفي الوسط نفس تاهت في الذكريات وظلالها.. نفس بشرية تنشد راحتها ورحابتها فتصطدم بالحضارة الحديثة وعقلها الفردي.. والتعقيد البنيوي للقصيدة يتوازى مع فكرتها.

إن وصف تي إس إليوت شهر أبريل بأنه “أكثر الشهور قسوة” لأن هذا هو الوقت الذي تتفتح فيه الأزهار قد يبدو غريبا، لكنه سمة من سمات شاعر كان يزدري الحضارة الحديثة ويعادي عالمها بلا هوادة.

لقد شخص تي اس إليوت الشعور بالضيق وخيبة الأمل اللذين يعاني منهما جيله بشاعرية ذات صدى روحي وعاطفي وفكري. عزلة ثم عزلة عميقة فعزلة مطلقة.. أن تسجن في الفكر.. أن تفكر دون أن تتكلم.. أن يصبح الحوار مع النفس هو كل الإحتمالات اللانهائية والمستحيلة للحوار مع الآخر. وهنا أراد تي اس إليوت أن تكون افتتاحيته معقدة جزئيا في محاولة بديعة للتغلب على العزلة من خلال اجبار القاريء للتعاون في شعره.. أن النص كائن مكتف ذاتيا وفي نفس الوقت بناء يحققه القاريء بشكل تعاوني.