العربي بنجلون
لَطالَما تساءلتُ في نفسي :
ـ كيف يفكر ويعيش الآخَرونَ؟.. وكيف يكتبون سيـرَهُـمُ الذَّاتــيَّـةَ؟
وذلك بعد أنْ قرأتُ، طَوالَ حياتي، عددًا لا يُحْصى من سِــيَــرٍ عربيةٍ لعميد الأدب العربي طه حسين ((الأيام)) وللأدباءِ الرُّوادِ أحمد أمين ((حياتي)) وعباس محمود العقاد ((أنا)) وإبراهيم عبد القادر المازني ((إبراهيم الكاتب)) في جُزْءَيْها، وتوفيق الحكيم ((عصفور من الشرق)) وجبرا إبراهيم جبرا ((البئر الأولى)) وميخائيل نعيمة ((سبعون)) وللكُتابِ المغاربةِ التُّهامي الْـوَزَّاني ((الزاوية)) وعبد اللطيف اللعبي ((قاعُ الْخابِـيَـةِ)) ومحمد التَّازي ((تلك الأيام)) والقائمةُ طويلةٌ…!
فأدركتُ من قراءاتي المتنوعةِ أنَّ هناك فرقا كبيرا في الرؤية الفنية، التي يباشر بها هؤلاء وأولئك حيواتِهِمْ، وهذا أمرٌ طبيعي، لا يختلف فيه اثنان. لكنْ، أيَّ فرقٍ بَيِّنٍ أقصِدُ في الرؤيتين؟.. وكيف نحدد نُـقَـطَ الاختلافِ والائتلافِ بينهما ؟
إنَّ النُّـقـطةَ الجوهريةَ، التي لاحـظـتُها، هي أنَّ غالبيةَ السِّـيَــرِ الذاتيةِ العربيةِ، اتخذتْ لها في الكتابةِ نَسَقًا معينا، يكاد أنْ يتـشابَهَ ويتطابَقَ، كأنَّ كلَّ كاتبٍ يقلدُ أو يستــقي من الآخر ليُعيدَ تجربةَ كتابتِهِ، مع شيء من التعديل أو التمايز، اللذين لا يظهران أو يؤثِّـران، حتى تشعر بأنك تقرأ سيرةً واحدةً، بغَضِّ النَّظرِ عن مستوياتِ اللغة، والأحداثِ التي تُمْليها حِقْـبةُ الكتابةِ، ومع تحفظي بالنسبة لقلةٍ من السير، مثل ((خارجَ المكانِ)) للكاتب الفلسطيني إدوارد سعيد (يستعرض فيها حياتَهُ الحافـلةَ بالمواقفِ المتـناقـضةِ، كتبها وهو يحتضر، إثْــرَ إصابتِهِ بمرض مُزمِنٍ) و((الخبز الحافي)) للكاتب المغربي محمد شكري (عَدَّها سيرةً روائيةً، تفضَحُ المسكوتَ عنه في محيطِهِ العائلي والاجتماعي برُمَّتِهِ، وتُـبرزُ شعورَ الكاتب ـ الطفل بهذه الظروف الحرِجةِ) فهذان الكاتبان عاشا سنواتٍ طويلةً، لصيقين بالثقافةِ والأدب الغربيين، ما جعل سيرتيهما مختلفتيـن تماما عن باقي السير !
وبالنظر إلى رديفَـتِها الغربيةِ، نلحظ تباينا بين السيرة والسيرة، مما يُـثْري هذا الحقلَ من الكتابةِ الذاتيةِ. وأؤكد أنني أقصد (الشكلَ الفني) بحدِّ ذاتِهِ، لأنه الأهَـمُّ، في نظري، في عمليةِ الكتابةِ، ليس في السيرة فقط، إنما في كافة الأجناس الأدبية، كالقصة والرواية والمسرحية والشعر…!
والسيرةُ الذاتيَّةُ، سواء لدى كُتابِنا، أو لدى غيرهِمُ الأوروبيين والأمريكيين والآسيويين، تطوَّرتْ كثيرًا، ولم تَعُـدْ تكتفي بسرد الحقائق والوقائع (من لحظةِ الولادةِ، إلى الطفولة المتدرجة عبرَ البيت والحي والمدرسة، فالشباب وصراعاته الاجتماعية والفكرية والعاطفية، والمَهام التي تَوَلاها، مثلما عاشها صاحبُها).. لأنَّ فَنَّ السرد، أكسبَها أساليبَ ورُؤًى غنيةً، جعلتها عالمًا مفتوحًا، مُشْرَعًا على التعبيريْن الشعري والروائي، ممزوجا بالخيالِ، فإذا لَمْ تكُنْ متمكِّنا من سيرةِ كاتبِها، أو تُــدْرِكُ، على الأقــل، خيوطا رَهيفةً من حياته، فـقـد تختلط عليك بجنسٍ أدبــي آخــرَ، وهــو ما ــنــراهُ بتفاصيلَ دقيقةٍ في الــنــماذجِ الســيــريــةِ العالميـةِ. فكما أنَّ الأممَ والشعوبَ ترتحــلُ وتهاجِــرُ، لتتعايشَ مع أخرى، هكذا الأجناسُ الأدبيةُ، تُــزيــلُ الحدودَ بينها، لــنجــدَ في الروايةِ سيرةً، وفي القصةِ شعرًا…!
وهذا يعود إلى التمرُّد الذي قادتْهُ الرؤيةُ السيريةُ الحديثةُ، على المفاهيمِ العامةِ، التي أطلقها النقادُ والباحثون ومنهمُ المنظِّرُ (فيليبْ لوجونْ) الذي كان حاضِرًا في كلِّ الأعمالِ النقديةِ، بل يُــعْــتــدُّ برأيِهِ، ويُعْتمَدُ عليه دراسةً وتحليلا، لحدِّ اليوم، وإنْ صار مُتَجاوزا لدى العديدين. فهو يعرِّف السيرةَ بأنَّها نصٌّ حُكائي، يستعيدُ الماضي نظريًّا، ويرويه أو يُلقيه شخص حقيقي، عن حياته الخاصة!..فهذا الشكلُ، بناءً على تعريف (لوجونْ) ذو عناصرَ تركيبيةٍ ثلاثةٍ، محوريةٍ في كل عملٍ سيري، أو روائي : الكاتبُ ـ الرَّاوي، الشخصيةُ المركزيةُ أو الرئيسيةُ .
هذه العناصرُ الثلاثةُ، تنسُجُ بدورِها عالَمًا متكامِلًا، أو بأصَحّ تعبيرٍ، تــتولَّــد عنها عناصرُ جُزئيةٌ، تُــسْهِمُ في تــشكيل هذا العالم . فالكاتبُ راوٍ، وشخصيةٌ رئيسيةٌ في الحينِ نفسِهِ . والنص السيري، أيضا، تجربةٌ فرديةٌ، ينقلُها الكاتبُ ـ الراوي، البطلُ، من المَعيشِ إلى المَحكي، بطريقة سردية، تجعل الماضيَ حاضرا في النصِّ. كما يُشَكِّل (ضميرُ المتكلم) عنصرا فنيا في السير الذاتية، وإنْ كنا لا نتخذ هذا العنصرَ مِعْيارًا فاصلا بين النصين السيري والروائي. وفي هذا الصَّدد، يُحَذِّر الناقدُ الأدبي (جان ستازوبنسكي) من أن نعتبرَ (الأنا) تماثُلا حقيقيا للشخص الواقعي، ذي الوجود الفعلي، ويقصد به (الكاتبَ) أو بتعبيرٍ آخرَ، تطابقا بين المؤلف والسارد!.. فيما ينبغي أن يتماثــلَ الكاتبُ مع الراوي، وهذا الأخيرُ مع البطل المركزي (ليس كلُّ من يستعمل ضميرَ المتكلم، يحكي عن نفسِهِ، أو من يستعمل ضميرَ الغائب أو المخاطب، لا يسرد حياتَهُ).. إلا إذا أعلن الكاتبُ على الغلافِ أنَّ نصَّهُ (قصة حياتي) أو (سيرتي الذاتية) لــهُ أو لسِواهُ. أو صَدَّرَها بـ(إهداءٍ) يُــفـيد بأنها سيرته، بل إنَّ ستازوبنسكي دعا إلى تفادي تحديدِ أسلوبِ، وحتى شكلِ السيرةِ الذاتيةِ، لأنه ـ في رأيِهِ ـ لا يوجد أسلوبٌ أو شكلٌ يميزها عن غيرِها!..لكنْ، في رأيي، كي ننأى بأنفسِنا عن هذه الموضوعةِ الشائكةِ، أنْ نعزِّز قراءتَنا بما يُصَرِّح به الكاتبُ، على ظهر الغلافِ، أو في الإهداءِ، وفي العتبةِ، إنْ وُجِدا، أو إنْ أعلنَ ذلك صراحةً، أو إذا أثبتَ في النصِّ أسماءً بعينِها وتواريخَ وأماكنَ، وهكذا بما يمكننا مقارنتُهُ بالواقع !
وبالمناسبة أشير، إلى كاتب مغربي، أصدر سيرتَهُ موسومةً بعنوان : ((أنا الموقِّعَ أسفلَهُ)) ووضع في أعلى الغلاف جِنْسَها (سيرة ذاتية) وأدناهُ اسمَهُ الشخصي . فأجمع النقادُ الذين تناولوا الكتابَ بالدراسةِ، على أنه سيرة ذاتية، دون أنْ يختلفوا في تجنيسه، على عكس كتب أخرى، مثل ((محاولة عيش)) لمحمد زفزاف، و((قاع الخابية)) لعبد اللطيف اللعبي، و((مثلَ صيفٍ لنْ يتكرَّرَ)) لمحمد برادة، الذي جنَّسَهُ في المغرب بـ(محكيات) وفي مصر بـ(رواية) بينما هو سيرة ذاتية له، تعكس حياتَهُ التي قضاها بين فاس والقاهرة، أيامَ الطفولةِ والشَّبابِ، وإن حَرَّف أسماءَ أدقائه، مثل (برهوم) ويعني به (إبراهيم السولامي) و(علاء) علي أومليل، و(حمَّاد) هو نفسه !
ويُرْجِعُ نقادٌ هذا الجدالَ الدائرَ حولَ هويةِ (النص السيري) إلى حداثتِهِ؛ فالناقد الفرنسي (جورج ماي) في كتابِهِ ((السيرة الذاتية)) الذي يدرس ويحلل هذا الجنس، وسائرَ الأجناسِ القريبةِ منه كالروايةِ والقصةِ الطويلة، يشير إلى أنَّ أصْلَ الجدال بين الباحثين والدارسين يكمُنُ في عجزِهِمْ عن تعريفهِمْ (السير ذاتي) لحداثــتِهِ. وهذا الرأيُ فيه نظرٌ، لأنَّ الأدبَ العربي، أدرك هذا اللونَ من الكتابةِ قـديما، نستـدل بــ((ســـيــرة ابــن هــــشـام)) و((ســيــرة ابــن سـيـنا)) و((سيرة سليمان الفارسي)) و((سيرة ابن الهيثم)) فضْلا عن التراجم، كـ((معجم الأدباء)) لياقوت الحموي!
ونــخْــــلُــــصُ مــن هــــذه الــــنــــقــــطــةِ بــالــــذاتِ، إلى أنَّ الموضوعيةَ الكاملةَ في الكتابةِ السيريةِ، غير ممكــنةٍ، بل حتى في (الرحلة) لأنَّ كاتــبَها ينطلقُ من وجْهةِ النَّظَر الخاصَّةِ، التي يتحكَّم فيها الْعِرْقُ، والجِنْسُ، والْعُرْفُ، والمرحلةُ الزمنيةُ، وزاويةُ الرؤيةِ، والذَّوْق، وعوامل نفسية وفكرية واجتماعية وسياسية أخرى… فهي ليستْ تاريخا، يسرد فيه الأحداثَ والشخصياتِ، ويستشهِدُ بأقوالٍ ومصادِرَ متنوعةٍ، ويقارن بينها ليستنتجَ (حقيقةً ما).. الأمرُ الذي يُتيحُ له أنْ يُطلِقَ الْعِنانَ لخياله، فيُنْسِب لنفسِهِ أحداثًا، تخيلها أو سمِعَ بها، ولم يَخُضْها أو كان طرفا ثانويا فيها حتى. أو يستغني عن أحداثٍ حقيقيةٍ عاشها، خَشْيةَ أنْ تجُرَّ عليه انتقاداتٍ لاذعةً، أو تُعَرِّضه للمساءلةِ الأخلاقية. وبالتالي، يضطرُّ الناقدُ إلى أنْ يدرس ويحلل السيرةَ الذاتيةَ والغيريَّةَ، شكلا ومضمونا، كوثيقةٍ وطنية واجتماعية وتربوية وتاريخية، دون أنْ يعتبر شخصيةَ صاحبها (نقطةَ ارتكازٍ) قويةً، منها ينطلق، وإليها ينتهي،
كأنَّه يطبِّق ما يصطلح عليه (موتُ المؤلفِ) فيكتفي بـ(النصِّ السيري) !





