المجلة الثقافية الجزائرية

وقائع مدينة كابدت الزلزال ثمّ انهارت

وداعا فايز نظير عطّاف سلاما فايز نظير عطّاف أيها الجرّاح النبيل

أ. د. محمد عبد الرحمن يونس

فايز عطّاف طبيب جرّاح سوري، من أبرع جرّاحي سورية، ودود لطيف دمث، نبيل في عيادته، عالي الهمّة في قومه، وفي المشافي التي يعمل بها. نال محبة الناس، وكان كريما ووفيا معهم، فتح لهم عيادته وقلبه، وكان المال، في تعامله معهم، آخر همّه ما دخل أحد عيادته إلاّ و خرج منها شاكرا راضيا مبتسما، وقلبه مفعما بحب فائز عطّاف.
​أحبّه الجميع، لأنه أحبهم. كان، عليه واسع الرحمة والمغفرة، يجري العمليات الجراحيّة، ويتنازل عن نصف أجوره، بل أحيانا أجرّه كاملا. أطلق عليه المرضى: طبيب الفقراء، والنبيل، والسيد المتفاني، والخلوق الأديب، وسيد الأطباء. ولم يشغل الطب والجراحة الدكتور فائز عطاف عن القراءة في شتى مجالاتها وآفاقها، فقد كان قارئا متميزا في الأدب، نثرا وشعرا، والفلسفة والفن والتاريخ والتراث، والأنثروبولوجيا، وعلم النفس والفلسفة، والاقتصاد والسياسة.
​ومن سمو أخلاقه ونبله كان يزور مرضاه في منازلهم بسيارته الخاصة، ويتفقد أحوالهم، ويقدّم لهم الدواء مجانا, وينقلهم، إذا رأى ضرورة، وبسيارته إلى المشفى والعيادة. لقد زار والدتي، رحمة الله عليها، مرتين إلى منزلها، واتصلت به من خارج سورية شاكرا ومقدّرا، وأجرى عمليات جراحية عديدة لكثير من أصدقائي، وما تقاضى أي أجر عليها.
ما زرت سورية في العطل الجامعية الصيفية إلاّ وزرته، والتقينا في عيادته أو خارجها، وكان حضوره مفعما بالحيوية والتألق. يطرح آراءه في السياسة والفكر والثقافة، بثقة وجرأة وهدوء مقدّما حججه المنطقية المحكومة بمنهج علمي تحليلي، ويقبل آراء الآخرين، مهما كانت مغايرة لآرائه، غير متبرم، و غير مستهجن لها. أدبه النبيل ورؤيته الهادئة البعيدة، وكرمه في علاقاته الإنسانية والاجتماعية والمهنية خصال جعلته نجما محبوبا لدى كل من عرفه، ودخل عيادته، وزاره في منزله، والتقى به في مطعم أو مقهى. فائز عطاف صديقا غاليا كان، ووفيا لكلّ من عرفه.
​وتؤكد سيرته العطرة أنّه كان يتصدّق سرا على العديد من الأسر الفقيرة، و كان يعمل، دائما، على زيادة أجر الممرضات في القطاع الصحي الخاص الذي يعمل به، وكان مدافعا عن حقوقهنّ المالية، ومانحا لهنّ المكافآت المجزية.
​ذات صباح، وتحديدا في يوم الاثنين الدامي 6 شباط( فبراير) في الساعة الرابعة و ( 17) دقيقة صباحا، وفي هذا العام الكابوسي الكئيب (2023م)، اكفهرت السماء، وزمجرت الرياح وعلت، وانهمرت السماء بسيول المطر، ثم هبط الزلزال مدويا، وبقوة (7,6، سبع، فاصلة، ست درجة وفق مقياس ريختر) كما أشارت دوائر الأرصاد الجويّة، وهزّ المدينة عنيفا قاتما مدويا، فاستيقظت مرعوبة، باكية، وفاضت فاجعا وقتامة، وألما، ثم سرعان ما تداعت المنازل واحدا تلو الآخر، وسقطت بناية صديقي فايز عطّاف في شارع ( الغزالات)، وتحوّلت إلى قاع من الاسمنت والأحجار المتهالكة التي بدت ترابا ورمادا، وفاضت روح صديقي فايز عطاف إلى باريها الكريم، وانتقل معها إلى رحمة ربه زوجه الدكتورة هالة سعيد، الأستاذة في جامعة تشرين باللاذقية السورية، ومعهما الدكتور محمود بكري، والدكتور خالد يونس، عليهم واسع الرحمة و المغفرة جميعا.
​ومهيبا وفاجعا وجنائزيا كان موكب تأبينه وزوجه، مئات الأصدقاء وطلاب الجامعة والأطباء الجدد المتدربين تحت إشرافه، ساروا في الموكب. مئات المرضى الذين أشرف على علاجهم، و أقرباؤهم تضامّوا ودموعهم الهاطلة، وهم يودعون طبيبهم النبيل البهي.
​مات فايز عطاف، ومات القلب الشفيف ألقا وصفاء و بركة ، لكن تاريخه الحافل خيرا وبهاء ورحمة ونبلا سيظلّ ماثلا قويا في ذاكرة الناس، ودموعهم، وآمالهم، وأجسادهم المحفورة بمشارط عملياته الناجحة جدا، والمشهود لها بالإبداع والتقنية الطبية العالية، والشفاء العاجل السريع بحول الله.
​سلاما لك أيها الطبيب الجرّاح النبيل، سلاما لك أيها المحبوب المبتهج بشفاء مرضاه، الأبيض في خفاياه وظله، وسرّه وعلانيته، الأخضر في لقاءاته، المحبوب صدقا وعمقا وأدبا، ولطفا بهيا، الفائض نايا شفيفا، وعذبا فراتا على قلوب مرضاه وأجسادهم، وأرواحهم المتعبة. الرحمة والمغفرة لك، أنّى كنت في منازل ربك الكريم، وأنّى كنت في جنانه، وأنّى كنت في قلوب أصدقائك ومحبيك ومرضاك, وفي كل بيت دخلته، وفي كل مشفى أزلت ورما وألما منه، وفي كل قلب أوقفت نزيفه، وأينعت روحه.


​سلاما لك أيها البحر المديد عمقا واتساعا، وسفنا وارتحالا، سلاما لك أيها البهي في كل فضاءات حياتك التي ملأتها وردا وزنابق وزّعتها بسخاء لكلّ من طرق بابك أيها الأمير الذي لم يقفله في وجه من قصده. سلاما لروحك التي ستظلّ لاعنة مقاولي الأبنية الفاسدين المفسدين، الراشين المرتشين، الذين استمرأوا المال الكلبي الحرام، وبنوا وأقاموا عمرانا مجبولا بالغش والفساد واللصوصية، هشا لا يصمد في وجه ريح أو رعد أو بحر أو موجة، أو زلزال.
وعندما سقطت أبراجهم الكلبية الجاعرة المتبجحة بالحديد المصفح، وفاض الحزن دما في أرواح قاطنيها، وقذفها الزلزال إلى القيعان المزدحمة، أسرع هؤلاء المقاولون وهربوا بأموالهم وأزواجهم و خليلاتهم إلى أمكنة بعيدة لا يعرفها القاصي ولا الداني، ولا الأنس ولا الجان، و لا الذباب الأزرق والأحمر، وبكل ألوانه وفئاته، ولا الشرطة ولا العسس، ولا الطيور المهاجرة.
​في الزلزال الأول الفاتك، ارتجت البنيات عنيفا، سقطت الكتب من على رفوف المكتبات، سقطت الأواني الزجاجية في المطابخ، وتهشمت. المنازل المتماسكة المدعّمة قويا، المصفحة بالحديد والاسمنت، استقامت ثانية، وابتسمت في وجوه قاطنيها: ها عدت لكم، لا تقلقوا، لكنّ هؤلاء ما رفّ لهم جفن ابتسامة وقلقوا وقنطوا ويأسوا. والبنايات الهشّة التي جبلها مقاولو البناء، والمهندسون المعماريون المرتشون الذين طوّعوا أنفسهم إرضاء لهؤلاء المقاولين، بحجج واهية أهمها أنّ رواتبهم الحكومية لا تكفيهم لخمسة أيام في الشهر، و أنهم عاجزون عن تلبية رغبات نسائهم وصديقاتهم وخليلاتهم بالبذخ والبهرجة و السهر في المقاصف والمطاعم الفاخرة، البنايات الهشة المدموغة بالاسمنت المغشوش والحديد غير المناسب وغير الكافي الذي لا يحمل حتى نفسه، تهاوت كجلمود صخر حطّه الغش من زواياه وأعمدته، وكل ذراته، صارخة: سامحوني لا أستطيع أن أحمي عمودا من أعمدتي حتى أحميكم، ثم سرعان ما دفنت ساكنيها أحياء، وهم يرفعون بصرهم إلى السماء صائحين متوسلين: لا إله إلا الله.. لطفك يا الله. ربنا اغفر لنا ، و تولّنا برحمتك، نحن موتى: {رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (سورة آل عمران 16). دماؤنا و أوجاعنا في أعناق من بنوا بناياتنا، وسرقوا أموالنا. ونجا من نجا، وفاض إلى رحمة ربه كثير من فقراء الناس وبسطائهم الذين لا يملكون قوت يومهم، ودُفنت عائلات بأكملها تحت ركام الأنقاض، واستمرأت البلديات و فرق الإنقاذ المراوغة، وقدّمت أرقاما قليلة عن عدد الوفيات، وعندما علمت أن هناك بعض شرفاء القوم و غضاريفهم ودولا كثيرة شمّرت عن سواعدها وبدأت ترسل المساعدات الكثيرة، زادت الأرقام، وزادت الأهوال، أملا في أصناف الكعك الكثيرة الواردة الشهية تارة، وتلك التي تأبى الكلاب أن تأكلها تارة أخري.
​في الهزّة الثانية التي كانت بتاريخ يوم الخميس 16 شباط (فبراير) تمام الساعة الحادية عشرة ليلا وخمس دقائق، أتت أقل قوة من الزلزال الأول، لكن البنايات لم تسلم من قوتها، وهرع الناس من منازلهم، وناموا في أطواق المدينة، وفي البساتين المحيطة بها، وضمن سياراتهم الخاصة، أمّا الذين كانت سياراتهم غاصة بالوقود فقد أخذوا يتجولون في الشوارع الخالية، وهم يراقبون قطيع السيارات المركونة على الأرصفة الواسعة في منطقة ( المحلّق)، وفي اليوم الثاني عادوا إلى منازلهم ليجدوا أن ما عجز عنه الزلزال الأول قامت الهزة الثانية بتجاوز هذا العجز، إذ زادت الصدوع، وتشققت الجدران، وباتت الأعمدة على وشك السقوط، لكنهم رددوا بأسى عميق: {حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (سورة آل عمران 173))، و: ({ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (سورة الأنبياء 87)، وردد آخرون المثل الشعبي : ( في المال و لا في العيان) ، أي: الحمد لله، كانت الخسائر في أموالنا، وليست في أهلنا و أبنائنا.
​في الهزّة الثالثة التي حدثت يوم الاثنين الدامي الثاني، 20 شباط (فبراير) من عام الحزن والفجيعة و الرماد نفسه 2023 م، وفي تمام الساعة الثامنة مساء وخمس دقائق، التي بدت قوية مثل الزلزال الأول، لكنها قصيرة جدا، عادت البنايات إلى ارتجاجها القوي صارخة نازفة، وخرجت النساء والأطفال، وأصوات استغاثاتهم تملأ الأرض و السماء وتدافعوا على سلالم البنايات، وهم يهبطون نازفين رعبهم وهلعهم، خارجين بملابس نومهم، ولم تستطع كثير من النساء المحجّبات ارتداء أحجبتهن، فخرجن مضطرّات سافرات. ويحدّثنا رجل صادق أنّ امرأة فتشت عن حجابها، ومن وهل الصدمة، لم تجده، و تباطأت في الخروج، فصرخ عليها زوجها الغضنفر: (ويلك.. أباك و أبا الحجاب.. حمقاء.. بلهاء لأجل الحجاب ستقتليننا)، وشدّها وأخرجها عنوة، وبدون حجاب.


​النساء تولول.. الأطفال يلوذون بصدور أمهاتهم.. الرجال الأشداء حاملين شيوخهم و مرضاهم على ظهورهم، لكنهم مدهوشون، غارقون، مهزومون في نخاعهم، وبقايا أرواحهم الميتة. تعطّلت خلايا أدمغتهم عن التفكير، فقط كان الهروب يرتسم عريضا على شاشات عقولهم، فأسرعوا، وركضوا، وتقطّعوا، وانهاروا، وخرجوا إلى ضواحي المدينة حاملين قطعانهم المرتعدة، ومعظمهم التجأ إلى بيت صغير أو كوخ آمن في أعلى القرى والجبال.
​ وفي الأيام التالية عندما عادت الأسواق إلى فتح متاجرها، أسرعوا وابتنوا الخيم والشوادر الجديدة والقديمة، ونصبوها على أرصفة الشوارع العريضة البعيدة عن البنايات. وكعادة تجارنا الأشاوس، والمتاجرين المهرة في فنون الاستغلال والبيع والشراء، الكاسرة العطشى اللاهثة وراء المال دائما وأبدا، الوالغة في دماء سكان مدينتهم، غشوا وزادوا في الأسعار أضاعفا مضاعفة، وما خافوا الله ولا رسوله، ولا أي دائرة من دوائر الرقابة أو التموين, ولا الزلازل التي قد تحدث مباغتة وفجأة، وتذكرت أقوال رسولنا الكريم، عليه أفضل الصلاة والسلام، و على آل بيته وأصحابه أجمعين، حين وصفهم صادقا، عارفا بما توسوس به نفوسهم وخلايا دمائهم الملتاثة: “إنّ التجار يُبعثون يوم القيامة فجّاراً إلاّ من اتقى الله وبرّ وصدق”، و: (( التجار فجار، قِيل: يا رسول الله، و لم وقد أحلّ الله البيع؟ فقال: إنّهم يحلفون ويكذبون))، وقول الصوفي الرائع الكبير، رضي الله عنه، الذي ما التقط حبّ سلطان أو وال في دولة أشاوس بني العباس، سفيان الثوري حين جهر بقوله: ((لا تنظروا إلى ظاهر لباس التجار والسوقة فإنّ تحتها ذئاباً كاسرة)).
​ ونصبوا الخيم والشوادر، و حتى الغد، وبعده، بقيت منصوبة على ناصية الشوارع والأرصفة، ويبدو أنّها ستظلّ إلى وقت طويل، بعد أن صرّح أحد مهندسي العمران العقلاء والشرفاء و الخبراء الذين يعرفون تاريخ الغش و الفساد في حاضر العمران، وإشادته ودعائمه، قائلا، وبثقة عالية: إن حدثت هزّة رابعة، وبقوة الزلزال الأول، فإنّ ثلاثة أرباع بنايات المدينة وأبراجها ستسقط على رؤوس ساكنيها وقلوبهم المكلومة، لأنّها صارت هشّة متآكلة بفعل الهزات الثلاث السابقة. وبعدها هرع الناس إلى المتاجر واشتروا الخيم والشوادر بأبهظ الأثمان. ولا يزالون يلجـؤون إليها نياما ليلا حتى الآن .
****
​بناية صديقي فايز عطاف المزخرفة زخرفة خارجية بديعة، والمزركشة في شُرَفها و(بلاكينها)، المطلة على شارعين مركزيين (شمالي وجنوبي)، يمتدان ليلتصقا بالبحر، التي تضمّ شققا عديدة، الهشّة في أعمدتها، المتآكلة في حديدها و صدأها لم تصمد حتى وقوع الهزتين الثانية والثالثة، بل تهاوت وبكامل شققها ​ابتداء من الدقيقة الأولى للزلزال الأول، وأصبحت قاعا حزينا باكيا، وهي تدفن قاطنيها، رويدا رويدا.
​عليك واسع الرحمة والمغفرة يا أخي ويا صديقي الدكتور فايز عطاف، وعلى زوجك، و على كل من فتك بهم هذا الزلزال الذي يؤكّد العارفون أنّ سورية لم تمرّ بمثل قوته منذ (200) سنة خلت، والرحمة والمغفرة على الذين بقوا أحياء، فالفقر والأهوال والمصائب وغلاء الأسعار فتكت بهم، ولا تزال تفتك حتى الآن، وغدا وبعده، وإلى وقت بعيد و طويل لا يعلمه إلاّ باني السموات والأرض، ربّنا الكريم في عليائه وعزّه وملكوته وعرشه.
​سلاما لك. سلاما عليك أيها النبيل زارع الرحمة والوجد والحلم والآس في نفوس المرضى المهمَشين المستلَبين المقهورين في فيافيهم القريبة و البعيدة، ومدنهم الآيلة إلى السقوط دائما. سلاما لك أخي و. صديقي فايز عطاف.
الجمعة في 17 آذار، مارس 2023م ​


​ 
نائب رئيس جامعة ابن رشد في هولندا للشؤون العلمية
مدير تحرير مجلة جامعة ابن رشد الأكاديمية المحكمة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ