المجلة الثقافية الجزائرية

قَطعٌ بإسماعيلية إخوان الصفا

بقلم: معاذ محمد رمضان

قَطَعَ الدكتور علي سامي النَشّار ب”إسماعيلية” إخوان الصفا (وإخوان الصفا إسماعيلية قَطعاً) 1

قَطَعَ النَشّار بهذه “الحقيقة” في سياق عرضه المخصص ل”الفيثاغورية” ومعرفة المفكرين الإسلاميين بها.

ولم يَقف النَشّار عند هذا القطع، بل “أكَّدَ” رأيه بإعلانٍ من قِبَل المفكرين المسلمين (ولم تصادف رسائل إخوان الصفا أي قبول من مفكري الإسلام، بل أعلن المتكلمون شيعةً وسُنةً ومعتزلةً أنها إسماعيلية) 2

عندما قرأتُ هذا الرأي القاطع من جناب الأستاذ النَشّار، قفزت لذهني فوراً قراءات سابقة، وتذكرتُ أن القول ب”إسماعيلية” الإخوان ليس دقيقاً، فضلاً عن القطع به.

سأستشهد الآن بمرجعين مُهمَيّنِ في هذا المجال:

1ـ العَلاّمة الدكتور أحمد أمين

2ـ الأستاذ فراس السوّاح

يقول أحمد أمين:

(ما الغرض من هذه الرسائل؟ أسياسي هو؟ أم شيعي إمامي، أم شيعي قرمطي، أم غير ذلك؟ إحتار الباحثون عند إجابتهم على هذا السؤال ـ نعم: إن في بعض مواضعها إشارات الى التشيع، ولذلك نَسبها بعضهم الى جعفر الصادق، الإمام المعروف) 3

وبدوري “أُشَدّدُ” على: إحتار الباحثون عند إجابتهم على هذا السؤال.

ويعرض أحمد أمين عدداً من نصوص الإخوان “المتعارضة”، فبعضها يُبين أنهم شيعة، والبعض الآخر خلاف ذلك، وخاصة “إنكارهم” لنظرية الإمام المنتظر.

ليستشهد بعدها برأي لباحث إمامي كبير، هو السيد محسن الأمين العاملي صاحب موسوعة “أعيان الشيعة”، يقول:

(ويؤيد ذلك، أن الأستاذ السيد محسن العامل صاحب أعيان الشيعة مع إجتهاده في ترجمة من يُنسَب الى التشيع، قال عند الكلام عليهم: “وكيفما كان فَلَم يتحقق إنتساب إخوان الصفا الى التشيع، ولا أنهم موضوع كتابنا، وإنما ذكرناهم لنسبة بعض الناس لهم الى ذلك”)

لينتهي أحمد أمين الى الآتي:

(ونستخلص من كل ذلك أنهم جماعة متخيرون، يتخيرون من كل دين ومذهب، ما يناسب عقليتهم، لا يتورعون من إقتباس من النصرانية، واليهودية، ووثنيي اليونان، والفرس، والهند، وما يرون أنه معقول. فمن قال: إنهم سنيون سنية تامةً فقد أخطأ. ومن قال إنهم شيعةٌ شيعة تامة فقد أخطأ. ولكنهم من غير شك أميالهم شيعية) 4

أما عن الأستاذ فراس السواح، فيقول:

(أما عن جِدّةِ هذا المذهب، وعدم إنتمائه الى أحد المذاهب الإسلامية المعروفة من شيعة أو معتزلة أو إسماعيلية أو قرمطية، فنجده في قول التوحيدي إن زيداً ورفاقه “قد وضعوا فيما بينهم مذهباً”، ولم ينسبهم الى أحد. ولو كان على دراية بصلتهم بإحدى الجماعات السياسية أو الفكرية أو الدينية، لما تردد في ذكر ذلك.

وهذا الرأي الذي يصدر عن شخصية مرموقة عاصرت إخوان الصفاء، وعرفت بعضاً من أعضائها البارزين، هو أكثر مصداقيةً من آراء بعض المؤلفين الإسماعيليين المتأخرين على إخوان الصفاء بنحو قرنين أو أكثر، والذين يؤكدون إنتماء الإخوان الى الإسماعيلية… إن فكرة الإمامة، وهي حجر الرحى في الفكر الشيعي عامةً والفكر الإسماعيلي خاصة، لم تكن موضع توكيد لدى الإخوان، وهم في أكثر من موضع في رسائلهم يستبعدونها من مذهبهم) 5

ثم يُثبتُ السواح “حقيقة” مهمة:

(وفي الحقيقة، فإن أي تشابه بين فكر الإخوان وفكر فلاسفة الإسماعيلية المتأخرين عليهم، إنما يعكس تأثير الإخوان في الإسماعيلية وليس العكس، وأثناء القرن الرابع الهجري لا نجد أي أثر فكري إسماعيلي بارز كان يمكن له أن يرفد فكر الإخوان) 6

وفي الختام:

كان الأولى بالدكتور النَشّار ـ وهو أستاذ كرسي الفلسفة الإسلامية في جامعة الإسكندرية ـ أن “يتريث” قليلاً، و “يُرَجّح” الرأي ، لا أن يقطع به.

فضلاً عن أنه لم يكن دقيقاً في قوله (بل أعلن المتكلمون شيعة وسنة ومعتزلة أنها إسماعيلية)؟ إذ لم يذكر لنا النشار أسماء هؤلاء المتكلمين؟ فَهل أجمعَ المتكلمون ـ فعلاً ـ من هذه المذاهب الفكرية على هذا الإعلان؟

الحواشي:

1ـ علي سامي النَشّار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، الطبعة الأولى لدار السلام 2008 م، الجزء الأول ص132

2ـ المصدر السابق ص133

3ـ أحمد أمين: ظُهر الإسلام، طبعة المكتبة العصرية الأولى 2006 م، المجلد الأول، الجزء الثاني ص357

4ـ المصدر السابق ص359

5ـ فراس السوّاح: طريق إخوان الصفاء / المدخل الى الغنوصية الإسلامية، طبعة دار التكوين الثالثة 2016، ص26

6ـ المصدر السابق ص26