منير بولاهمي – تونس
المقدّمة: لطالما استهواني عنوان رواية “ضمير مستتر” للكاتبة بسمة الشّوالي بما يطرحه من دلالات وأبعاد رمزيّة تدعو إلى قراءتها قراءة مختلفة عن المعتاد فرغم أنّ المداخل لدراسة الرّواية عديدة إلاّ أنّني فضّلت اختيار مدخل الضّمير نفسه لقراءتها واستقراء أغوارها واكتشاف أسرارها, فتساءلت مرارا وتكرارا عن سبب اختيار الكاتبة لهذا العنوان دون غيره وتساءلت عن علاقته بمضمون الرّواية وخاصّة بشخصياتها وبالعودة إلى مفهوم الضّمير لغة واصطلاحا اكتشفت السرّ الكامن وراء هذا الاختيار وعرفت أنّ الكاتبة لم تختر هذا العنوان اعتباطا وإنّما عن وعي بما يحيل عليه من دلالات ذات ارتباط وثيق بنماذج مخصوصة من شخصيات ذات وجود واقعيّ قد تكون الكاتبة قد عايشتها وتفاعلت معها أو قد تكون هي إحدى هذه الشخصيات أو طرفا مشاركا في مختلف أحداث الرّواية فمن تكون هذه الكاتبة؟
① من هي الكاتبة بسمة الشوّالي
هي مربّية وكاتبة من مدينة بوسالم وعضو في نادي القصّة بتونس ومؤسّسة نادي محمّد اليعلاوي للقراءة بالمكتبة العموميّة ببوسالم تحصّلت الكاتبة على العديد من الجوائز وطنيّا وعربيّا في القصّة القصيرة ونالت مجموعتها القصصيّة الأولى “مزالق الحنين” جائزة الكريديف, ومن أهمّ مؤلفاتها القصصيّة والروائيّة:
1ـ مزالق الحنين عن دار الأطلسيّة للنشر سنة 2008
2ـ سؤال الحدث المقبل سنة 2010
3ـ قناديل المطر عن الدّار التونسيّة للكتاب سنة 2013
4 ـ تاء عن دار البدوي للنّشر سنة 2019
5ـ رواية “ضمير مستتر عن دار سحر للنشر سنة 2019
② تقديم رواية “ضمير مستتر”
هي رواية واقعيّة اختارت لها الكاتبة من العناوين “ضمير مستتر” وهو عنوان يطرح الكثير من المعاني والدلالات الرّمزيّة في إحالة مباشرة على الواقع المهمّش باعتباره عالما قبيحا وموجعا ولهذا كان الكون الرّوائيّ في هذه الرّواية متطابقا مع الوجود فجاء المكان في الرواية محدَّدا بدقة وعناية فائقة وذكرت فيه الكاتبة مختلف الأماكن الواقعيّة الّتي دارت فيها الأحداث مثل المدن الساحليّة والنزل والفيلات وواد الزان وسوسة وتونس وبيروت ودار فاطمة وغيرها فأوجدت بينها علاقات تعمّق الفوارق الاجتماعية والطّبقيّة وتبرز مدى تأثيرها في المجتمع, وجاء الزمان محدّدا في تواريخ دقيقة توهم بالواقعيّة وتؤرّخ للمأساة الاجتماعيّة, وجاءت الشخصيات على اختلاف أنواعها كالشخصيات الماكرة الّتي انعدم فيها الضّمير والشّخصيات البريئة الّتي كانت عرضة للتهميش والتلاعب بها مثل شخصية الأب والأم والابن مروان والقاتل ومالك وحليمة وغيرها من الشّخصيات الّتي تحكمها علاقات النفاق والكذب والزّيف والغدر والخيانة, وهي شخصيات فقدت قيمتها في المجتمع بفعل ما حصل لها من جرائم واضطهاد وآلام…, وجاءت الأحداث لتترجم قصص العصابات وما اقترفته من جرائم بحق الأبرياء والمهمّشين في المجتمع, وأسندت هذه الأحداث إلى شخصيات هي عبارة عن ضمائر مستترة لا يمكن تحديد هويتها أو محاسبتها على ما اقترفته من آثام وجرائم لأنّها شخصيات منتظمة في شكل عصابات وشبكات عابرة للقارّات تمتدّ يداها لتعبث بضحاياها في كلّ مكان وزمان فهي تتراءى مثل الضمائر المستترة تقوم بأفعالها الشنيعة بأياد مجنّديها وتتخفّى وراء الحدود فلا يطالها لا القضاء ولا القانون إنّها تعبث بكلّ شيء وتتحكّم حتّى في سجلاّت المواليد والوفيات وتقرّر من يموت ومن يحيى إنّها إحالة على مـــــــا يعنيه “الضمير المستتر” لغة من دلالة على ما لا صورة له في اللّفظ نطقا وكتابة باعتباره ضميرا خفيّا غير ظاهر في النطق والكتابة وهو ضمير في محل فاعل مرفوع لكنّه مستتر لا يشمل كلّ الضمائر لكنّه يقتصر على خمسة منها من أصل اثني عشر ضميرا وهذه الضمائر الخمسة المستترة هي ضميرا الغائب: (هو + هي) وضميرا المتكلّم (أنا + نحن) وضمير المخاطب المذكّر: (أنتَ) ويبدو أنّ الكاتبة تحمّل المسؤوليّة كاملة لمن تحيل عليه هذه الضمائر المنفصلة فالمعنيّ بموضوع الرّواية هو ضميرا الغائب (هو وهي): وهما ضميران حاضران من حيث الوجودُ غائبان من حيث الفاعليّة فهما شخصيتان فقدتا قيمتهما في الواقع بفعل وجودهما في أماكن مهمّشة وفي أزمنة غير مناسبة لذلك وقع لهما ما وقع من أحداث ظالمة أطاحت بقيمتهما في المجتمع ولعلّ أبرز الأمثلة عليهما هو مروان وحليمة, أمّا ضميرا المتكلّم المفرد والجمع (أنا + نحن) فهما يحيلان على الكاتبة نفسها وعلينا نحن القرّاء باعتبارنا نمثّل محيط الكاتبة ونمثل الدّوائر المقرّبة إليها وباعتبارنا نشترك مع الكاتبة في نفس الهموم وباعتبارنا نمثل المجتمع الصّامت بما فيه من شخصيات إيجابيّة وسلبيّة, وأمّا ضمير المخاطب المفرد المذكّر:(أنت) فهو كلّ قارئ معاصر وغير معاصر من هذا الجيل أو من الأجيال القادمة فهو معنيّ أيضا بموضوع الرّواية المتعلّق بمأساة الفئات الاجتماعيّة المستهدفة من طرف العصابات الإجراميّة بالقتل والاغتيالات والتصفية الجسديّة والغدر والخداع والتجنيد والاستغلال الفاحش وغيرها من صنوف العسف والاضطهاد والقهر والإذلال وهو لعمري موضوع عابر للأزمنة ماضيا وحاضرا ومستقبلا ,متجاوز للمكان شرقا وغربا, ولعلّ هذا ما جعل هذه الرّواية متناسقة مع عنوانها حتّى أصبحت هي نفسها ضميرا مستترا تقديره ما تحيل عليه الضّمائر الخمسة المستترة من شخصيات هامشيّة مضطهدة في عالم الرّواية وفي عالم الواقع…

③ لعبة الضّمائر الظّاهرة والمستترة:
لقد حرصت الكاتبة في رواية “ضمير مستتر” على جعل الضّمير يحيل على الاسم والفعل في مراوحة عجيبة بين أسماء شخصيات الرّواية القصصيّة الّتي صنعتها وبين أفعالها الّتي نسبتها إليها فأصبح الضّمير بما يعنيه من معان لغويّة واصطلاحيّة إحالة على بقيّة الضّمائر الظّاهرة والمستترة الّتي تتقن لعبة التجلّي والتخفّي وهي جدليّة تكشف حقيقة الصّراع بين هذه الضمائر وما تحيل عليه العلاقات بينها من ظلم وقهر واستبداد ونفاق وغدر وخداع وخيانة وقتل, ومن أفعال خطيرة وردّ أفعال أخطر منها, وكأنّ هذه الضّمائر تتنافس تنافسا شديدا من أجل البقاء, وتتبارى من أجل الانتصار لنفسها والانتقام من الضّمائر الأخرى هكذا ترى الكاتبة الوجود عبارة عن لعبة أبطالها هي الضّمائر الظّاهرة والمستترة ,تلك الّتي تبدو في الرّواية في حالة حرب وتطاحن وتنافر وتنافس, فتكون الحرب سجالا بين ضمائر الحاضر والغائب فتعمد كلّ منها إلى تبادل الأدوار بين الحضور والغياب, وتتفاعل ضمائر المتكلّم مع ضمائر المخاطب إلى حدّ التّماهي والانسجام والحلول والذّوبان, وفي الطّرف المقابل تتشدّد ضمائر الجماعة في مواقفها من بقيّة الضّمائر إلى حدّ التطرّف والإرهاب, وفي الطّرف الآخر تتّسم ضمائر المفرد المذكّر والمؤنّث بالأنانيّة والنرجسيّة, ويحتدم الصّراع بين ضمائر المذكّر وضمائر المؤنّث وتهيمن النظرة الذكوريّة في المجتمع وتتسبّب في الجرائم والمآسي, وتزداد الضّمائر المنفصلة في الرّواية تنافرا وتطاحنا وتمعن في القطيعة والانفصال, أمّا الضّمائر المتّصلة في الرّواية فتزداد شيئا فشيئا اتصالا وتواصلا وتشبّثا بالحياة إلى حدّ معاداة الجميع وإعلان الحرب على الكلّ,وهكذا استطاعت الكاتبة أن تتحدّث عن الضّمائر الحيّة في مقابل الضّمائر الميّتة, فتتحوّل الرواية إلى ملحمة دراميّة ومأسويّة كلّ الضمائر فيها منهزمة, وكلّ الضّمائر فيها تقيم مآتمها على طريقتها, وكلّ الضّمائر تندب حظّها العاثر, وتتهمّ الضّمائر الأخرى بالظّلم والخيانة, فيتساوى الظّالم والمظلوم, ويصعب التّمييز بين الصادق والكاذب والضحيّة والمجرم والمقتول والقاتل وتذهب الأخلاق أدراج الرّياح, وتتهاوى منظومة الأخلاق بفعل تطاحن الضّمائر, ويصبح المجتمع مهدّدا بالذّهاب والانقراض بفعل سيطرة الضّمائر الميّتة على الضّمائر الحيّة, فلا مهرب لقاتل الرّوح من القصاص والدّليل على ذلك ما قام به الأب في الرواية انتقاما من قاتل ابنه مروان, هذا الابن الّذي قتل ظلما وبهتانا, هذا الابن الّذي ظلت روحه شبحا يطارد الضّمائر الحيّة إلى آخر أحداث الرّواية, هذا الابن الّذي لم تستطع أمّه أن تقبل بغيابه دون قصاص,هذا الابن الّذي ظلّت الأمّ تلهج باسمه إلى آخر رمق في حياتها, ومن هنا يمكن القول أنّ لعبة الضّمائر في الرّواية ما هي إلاّ مرآة عاكسة للعبة الوجود في حدّ ذاته, وما الضّمائر إلاّ انعكاس للشخصيات الواقعيّة في المجتمع في حضورها الوجوديّ سواء كان سلبيّا أو إيجابيّا, وفي هذا الإطار أتقنت الكاتبة لعبة الضّمائر مستغلّة مختلف تناقضاتها للإحالة على تناقضات الشخصيات ذات الوجود الواقعيّ فجعلت من الضّمائر الظّاهرة والضّمائر المستترة وجهين لعملة واحدة, هي عملة هذا الوجود المتناقض, وجعلت من هذه الضّمائر على اختلاف أنواعها الحيّة والميّتة, الظّاهرة والمستترة, الحاضرة والغائبة, المتكلمة والمخاطبة, والمذكّرة والمؤنّثة, المتّصلة والمنفصلة, المفردة والمثناة والمجمّعة, المتّصلة والمنفصلة, فجعلت الضمير المفرد يتطوّر في علاقاته الاجتماعيّة من حالة الإفراد إلى حالة التثنية ثمّ إلى حالة الجمع والعكس بالعكس لينتهي به المطاف إلى حالة التلاشي والضياع أو حالة الموت والفناء, وقس على ذلك ضمائر الحاضر والغائب جعلتها الكاتبة تتداول على الحضور والغياب, فالضّمائر الحاضرة مقدّر عليها الغياب, والضّمائر الغائبة ينتظر حضورها في كلّ الأوقات, هكذا هي الحياة في الوجود تبدو كلعبة تتراوح بين الحضور والغياب, وفي خضم لعبة الضّمائر الّتي تلعبها الكاتبة ببراعة في الرّواية, تفاجئنا في مواضع كثيرة من الرّواية بلعبة التفاعل بين ضمائر المتكلّم والمخاطب فتتجسّد من خلالها لعبة الباثّ والمتقبّل أو لعبة الكاتبة والقارئ, فينصهران في ذات واحدة أو يتبادلان دوريهما ويتشاركان في نفس المشاعر والأحاسيس والمواقف والآراء ,وتأتي ضمائر المذكّر والمؤنّث لتلخّص مأساة الإنسان: (الرجل والمرأة) في الوجود فتكشف أسباب الزّوال والتلاشي والموت والفناء, وتتراءى الضمائر المتّصلة والمنفصلة في الرّواية في حالة سجال متواصل يلخّص سرّ الوجود عبر مختلف مراحل خلق الكون منذ لحظة الخلق الأولى إلى يوم الانبعاث .
الخاتمة:
من خلال هذه القراءة السريعة لرواية: “ضمير مستتر” للكاتبة بسمة الشّوالي نلاحظ أنّها أرادت أن تسلّط الضوء على كلّ ضمير مستتر بجعله محور كونها الرّوائي فعمدت إلى توظيف لعبة الضّمائر في كتابة روايتها بهدف تسليط الضّوء على الشخصيات الواقعيّة على اختلاف أنواعها سواء تلك الّتي تحيى على هامش هذه الحياة أو تلك الّتي تهيمن عليها, فكشفت من خلال لعبة الضّمائر طبيعة العلاقة بين الضّمائر الظّاهرة والضّمائر المستترة وبين الضّمائر الحيّة والضّمائر الميّتة, وأفردت الضّمائر الخمسة المستترة الغائبة منها والحاضرة المتكلّمة والمخاطبة وهي (هو + هي + أنا + نحن + أنت) بكل اهتمامها في محاولة منها لكشف مأساة الواقع الاجتماعي للشّخصيات الّتي تحيل عليها هذه الضّمائر.





