المجلة الثقافية الجزائرية

وجود الله رهين الأخلاق

عزيز الخزرجي

يُعتبر (ديفيد هيوم) و(رينيه ديكارت) و(إيمانوئيل كانط) أعمدة ألنّهضة الغربيّة ألحديثة ألتي بدأت منذ آلقرون الوسطى بعد ثورة (الرينوسانس).. عبر ثلاثة مراحل(1) لتحقيق آلجّانب ألمدنيّ وآلحضاري بعد مراحل و تطورات عديدة ورغم إعتقاد الناس بخلاصهم من ظلم ألكنسيّة مع آلنظام الملكي وآلثيوقراطي وكان واقعاً حقاً؛ إلّا أنّ وقوعهم أليوم أسرى بيد (ألمنظمة الأقتصادية العالمية) رويداً رويداً كتحصيل حاصل بسبب (فخّ) ألدّيمقراطيّة ألمُستهدفة، لا ألهادفة لانتخاب حكومات تديرها الأحزاب ألمُوالية في واقع الأمر لتحقيق أهدافهم التي هي أهدف (المنظمة الأقتصادية العالمية)؛ هذا الواقع يكشف في آلحقيقة ألمظالم ألتي وقعت وتقع ولم ينتبه لها آلنّاس حتى يومنا هذا بسبب ألجّهل وألفراغ الفكريّ والفلسفيّ الذي تركه الفلاسفة أنفسهم في مسألة (فلسفة ألقيم و الكرامة الأنسانية) التي كشفتها الفلسفة الكونية العزيزية مع مطلع الألفية الثالثة.

إنّ روّاد النهضة الأوربيّة ركّزوا وإنحازوا عند تطبيق مبادئهم الفلسفيّة على آلجّانب ألماديّ خارج مدار ألدِّين – ألعرفانيّ لا التقليدي ألّذي إعتبروه بآلخطأ سبَبَاً للتّخلف بسبب تسلط ألكنسية وآلفؤداليستية ثمّ البرجوازية إبان القرون الوسطى، لذلك كان سقوطهم في أحضان ألمنظمة الأقتصاديّة ألعالمية اليوم مسألة طبيعية وحتميّة أكثر بؤساً وخطراً مِمّا كانَ عليه الوضع قبل ذلك بسبب أستخدام التكنولوجيا والحروب والمال سندأً لمصالحهم الأقتصاديّة على حساب أخلاق وقيم الناس!

ورغم إعتراف (كانط) علناً بقوله؛ [أنّ (هيوم) صاحب نظريّة (الشّك) قد أيقضني من سباتي]؛ إلّا أنّ (كانط) يُعتبر بنظري رائد ألنهضة الأوربيّة بلا منازع بإستثناء فشله وأقرانه عبر جميع المراحل في طرح نظريّة فلسفيّة كونيّة شاملة تُحقق الهدف من وجود الأنسان والخلق لأسباب زمكانيّة وعقائديّة، وربّما كانت مشيئة الله لجعلها بإسمي بعد مرور القرون على تلك الأطروحات الفلسفيّة ألأحاديّة ألجانب الممتدة بجذورها عبر العصور ألفلسفيّة ألخمسة(2) ثمّ إعلان (فلسفتنا الكونية) مع بدء الألفية الثالثة، لكن آلأجمل الذي كشفه (كانط) وسيبقى في فلسفته، هو إعتقاده بأنّ [المعرفة نتاج ألعلاقة بين آلذّهن وآلأحساس في زمكاني مُعَيَّن] مختلفاً عن الفلاسفة الإسلاميين سيّما المُلا صدرا ألذي تأثّر بإبن عربي – لذلك إتّخذتْ فلسفتهِ – أيّ كانط – من (آلعقل و آلأدراك) أصلاً لكلّ الفلسفة على مذهب (هيوم) وحاول تطبيق الأشياء عليها وليس ألعكس كما إدّعى آلفلاسفة من قبله، وبذلك أبْطَلَ آلبراهين ألتقليديّة ألتي ما زالَ بعض ألعُلماء يعتقدون بها، مُعتبراً كُلّ الأدلة ألواردة حول إثبات (الله) ليست تامّة وليست حُجّة، ومن آلمستحيل (إثبات أصل ألذات – ألدّليل ألوجوديّ – ألذّهنيّ أو بقاء النفس أو الأختيار) عن طريق الأستدلال ألعقليّ، لذا حين لا يكون آلذّهن وآلوجود دليل كافٍ على الله، فلا بُدّ من وجود دليل ثالث وهي الأخلاق!

فما هي آلأخلاق ألتي تكون مقدّمة للتّدين و لوجود الله؟:

هي قتل الذّات و آلتّحليّ بآلفضائل ألحسنة – بعد آلتّجرّد من الحالة البشرية وخبائثها وآلتّحلي بآلطيّبات – حتى مكارم الأخلاق وبعدها نكون مُتديّنيّن، وهذا يعني بطلان إدّعاء ألدِّين مِنْ أيِّ كان حتى لو كان عالماً أو شعباً أو أمّة لم تُهذّب أخلاقها وسيرتها بتطهير ذاتها من آلنّفاق وآلكذب وآلنّميمة و آلفساد وآلتكبر, وبآلتّالي وبحسب نظر هذا آلفيلسوف ألكبير يُعتبر كلّ مُتديّن لم يُزكيّ نفسه ولم يعرف حدودهُ وروح رسالته ألسّماويّة – كلّ ألرّسالات لا فرق – خارج عن ألتّديّن وآلدِّين مهما إدّعى وقال!

ومجمل هذه الفلسفة تتوافق مع آلنّبأ العظيم على لسان الخاتم (ص)؛ [إنّما بُعثّتُ لأتمّمَ مكارم الأخلاق]!

وقد تمّ ترجمته و خلاصته من خلال فلسفتنا بعد طي المحطات الكونيّة السبعة(4)؛ لنتخلص أولاً من الحالة البشرية التي تدور على البشرة والسطح, للأنتقال إلى الحالة الأنسانية التي يتحلى فيها العبد بصفات راقية تمهيداً لنيل مرتبة الآدميّة.

و هكذا إعتقدَ (كانط) بأنّ الأخلاق(3) هي آلتي تصنع ألدِّين, وآلعقل ألعمليّ(5) هي آلتي تصنع ألأخلاق الممهدة للآدمية و التي بها يكون الله موجوداً في الأرض من خلال الملتزمين بها!

خلاصة نظريّة هذا الفيلسوف هي: [بدون إعْمالِ ألأخلاق في آلحياة يغدو كلّ ما يتظاهر به ويدّعيه أو يُمارسه البشر في مرضاة الرّب زَعْمَاً دينيّاً وعبوديّةً كاذبة و مُفتعلة], وهذا هو حال ألمُدّعين أليوم للأسف، لهذا لا مستقبل لشعوبنا والعالم بدونها – بدون الأخلاق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لمعرفة التفاصيل راجع الحلقة 3 من[فلسفة الفلسفة الكونية].

(2) لمعرفة تفاصيل(المراحل الستة)، راجع ألحلقة 3 من[فلسفة الفلسفة آلكونيّة].

(3) ألأخلاق؛ دراسة معياريّة للخير والشّر, تهتمّ بالقيم المُثلى، و تصلُ بالإنسان إلى الارتقاء عن السّلوك الغريزي – البشري بمحض إرادته ألحرّة؛ بعكس ألّذين قالوا؛ بأنّ الأخلاق ترتبط بما يُحدّدهُ و يفرضهُ الآخرون كعرف أو قانون وترى أنّها تخصّ الإنسان وحده، و مصدرها ذاته (ضميره) ووعيه، ويعتقد (أفلاطون) بأنّ الأخلاق تتمثّل في كبح شهوات الإنسان، والتّسامي فوق مطالب الجسد بالالتفات إلى النفس والرّوح وتوجيههما لتحصيل الخير و المعرفة و محاربة الجهل والأمية الفكرية ليصل مرحلة الآدمية.

أمّا (آلأخلاق) بنظر الأنبياء و أئمة المسلمين(ع) فإنّها تتغذى بآلطاقة من القوة الغيبية التي تُوجه عقل وروح الأنسان لأن تحفظ في النهاية الكرامة الأنسانية من خلال القول والفعل و النيّة, و لهذا يمكن إعتبار تعريف (أفلاطون) ثمّ (كانت) و(شوبنهاور) و غيرهم من أقرانهم الأسلاميين: (بأنها زبدة وروح ما جاء به ألعرفاء والأئمة والأنبياء وهي (إتمام مكارم الأخلاق) بحسب النصّ مع فاصل الزمن بين الفئتين, بإختصار الأخلاق في العقيدة الإسلامية هي التخلص من الحالة البشرية إبتداءاً ثم آلسّير للوصول إلى الأنسانية و من بعدها الآدمية.

(4) المحطات الكونية السبعة للعطار النيشابوري, هي على التوالي: [الطلب – العشق – المعرفة – التوحيد – الإستغناء – الحيرة – الفقر و الفناء].

(5) العقل النظري والعقل العملي، مصطلحان يجري استخدامهما في بعض العلوم؛ فالعقل العمليّ في اصطلاح المناطقة هو المعبَّر عنه (بالحسن والقبح) عند المتكلّمين، والمعبَّر عنه (بالخير والشرّ) عند الفلاسفة، والمعبَّر عنه (بالفضيلة والرّذيلة) في اصطلاح علماء و أئمة الأخلاق, أما المراد من العقل النظري فهو العقل المُدرك للواقعيات التي ليس لها تأثير في مقام العمل إلاّ بتوسّط مقدّمة اخرى، كإدراك العقل لوجود الله، فإنَّ هذا الإدراك لا يستتبع أثراً عملياً دون توسّط مقدّمة أخرى كإدراك حقّ المولويّة وأنَّ آلله هو المولى ألجدير بالطاعة، والمراد من العقل العمليّ هو المُدرك لما ينبغي فعله وايقاعه أو تركه والتحفّظ عن ايقاعه، فالعدل مثلا ممّا يُدرك العقل حُسنهُ وانبغاء فعله والظلم ممّا يُدرك العقل قبحه وانبغاء تركه، وهذا ما يُعبِّر عن إنّ (حسن العدل وقبح الظلم) من مُدركات أو بديهيات العقل العملي وذلك لأنَّ المُمَيّز للعقل العمليّ هو نوع المدرَك فلمَّا كان المُدرك من قبيل ما ينبغي فعله أو تركه فهذا يعني انَّه مدرك بالعقل العمليّ هذا ما هو متداول في تعريف العقل العملي، وجاء السيد الصدر بصياغة اخرى لتعريف العقل العملي وحاصلها؛ إنَّ العقل العملي هو ما يكون لمُدركه تأثير عملي مباشر دون الحاجة لتوسّط مقدّمة خارجيّة.