المجلة الثقافية الجزائرية

فراشات الذاكرة

زيــاد المحـسـن

 

عندما ينام قمرك في الإناء أبات ظامئاً أرتشفُ كؤوس الأرق لأنني أخشى إيقاظه وعندما يصحو أكون قد فهرست الدمع في مذكرات خيبتي لتضعي عنوانا لغيابك

ها أنت وقد أسرجت خافقي للبكاء ترحلين إلى ملكوت الغياب متغبطة بياض اللحظة المستديرة ,وها أنا ألملم أوجاعي وأصرخ ملء صمتي “ما قيمة الأيام بعد هواك تنقص أو تزيد”رغم أنك من قال لي ذات عشق أن الغرباء لا يحتفي بأحزانهم سوى الموت …. أستنشق فرحتك مع أنني لا أملك من الحظ ما يؤهلني للبكاء بين ذراعيك .

آهٍ يا أنت!! كيف وضعت السقاية في رحلي ؟ وأذنت في ألناس أيتها العير إنكم لسارقون!!! أدري أن فستانك الأبيض لم يترك وقتاً لقراءة ما كتبه شاعرك المجنون !!لكنني أجدني باب دهرك أغنية تأكل الطير منها فأنَّى لها أن تموت وقلبها عالقٌ بأهدابك

هاأنا أقف وحيداً لا أجد من تمسح بمنديل ابتسامتها دموع كبريائي بعد أن كسرت فراشات الذاكرة أجنحتها فوق أغصان الرحيل …. أسافرُ وحيداً بين خارطة الفقد لا أبحث عن شيء سوى الموت ؛علّني أن أستريح من هذا القلب الذي تركته خاوياً على عروشه غير مكترثة بدهشتي التي أثخنها جفاك بالصمت

ربما كنت مخطئاً عندما جئت نحوك أحمل في جوفي نبوءةً ذابلة ؛لكنك أنت من نفخ من روحه في ظمأي فأخرج أنفاسنا قصائدَ أخرى تتمرى في بهائها الملائكة .

لماذا ذهبت ؟؟ كان عليك أن تودعي تلك الأيام التي ضمتنا معاً في خجلها الملائكي …. تلك الشعاب التي مازال عطرك يعبق ملء ثوبها …. تلك الأشجار التي استعذنا بها من عيون الرُّقباء …تلك االمراعي التي تساقينا فيها كؤوس الفجر وأسكرنا فيها هديل اليمام ….تلك الليالي المقمرة التي توضأت فيها أشواقنا بدموع اللقاء

آهٍ يا أنت !! كيف أن أعود وقد رحلت؟ … كيف لي أن أحن لأرض لا أسمع غناءَ قدميك فوق ظهرها؟ …. أن أستجدي صمت السنابل التي فلسفها ظمأنا الخرافي؟ كان بإمكانك أن تضيئي الجانب المظلم من أبديتي !!أن تكتبيني دمعة في كتاب أشواقك ….. أن تؤبجديني في أفياء عاطفتك الوارفة ,

ربما هي الآنية التي تعلمناها من النهر لم تترك من الشجن ما يكفي لإعادة عقارب ذاكرتك إلى الوراء لكن ما يزال بإمكان الحصى أن تختزل سذاجة الرحيل .

أدري أن فستانك الأبيض أنساك تلك الأيام الخريفية التي ظِلنا نجهش فيها محاجين الهوى ….. ضحكة الغمام التي كادت أن تشي بنا لولا أن تداركنا هطول المطر ….. تلك المسجلة الصغيرة التي كنت تخبئينها في “طنمة العويد ” لتسمعيني (يا حبيبي لن نتوب ليس في الحب ذنوب )

ها أنا أقف كالعادة إلى جوار منزلي ….أشرب شاي الظهيرة ….. أرجع بصري إلى سمائك فلا يرتد إلا قلبي خاسئاً وهو حسير .. لم تعد أحجار منزلك مضيئة كما كانت من قبل .. أشجار “العِلْب” التي كان كشافك يخالسني الضوء من أغصانها صارت لا ترد عليَّ السلام …. “مَصَرُّكِ الأحمر “الذي كنت أميزك به عن صديقاتك أهدته أمك لجارتكم المسكينة لفرط بكائها عليك …. “زنتك القطيفة المشجر ” كما كنت تسمينها لي أخذتها معك ….. قصائدي التي كتبتها على وزن أنفاسك أضحت مثخنة برغبة اللحاق بك

آه يا راهبة الماء..لم أعد جميلاً كما كنت تقولين لي ..صرت لا أهتم بترتيب شعري لأني لا أجد فرحة تكفي لترتيبه بعد شغلني الغياب بترتيب مواجعي… صرت لا أهتم بتقليم أظافري بعد أن شغلتني الحياة بتقليم أحزانها …صرت معنى بلا هوية يبحث عن ربه في جغرافيا الهباء فكيف لي أن أقابل السماء ولم تكمل قصيدتي طوافها حول قلبك العتيق

ما أزال هنا حيث تركتني في الربع الأخير من اعوجاج الظل أبحث عن نافذة أطل من خلالها على الله , لم أجد لغة مجازية أتسرب من خلالها إليك لأكمل دورتي قبل أن تغلق علي العبارة ظمـأها,أو ترشح روحي قبل أن تزهر رغبتك في صحار الجفاء ..أين ذهبت ؟؟لقد مللت البكاء على مشارف الانتظار, تعالي نكتب بأهدابنا سيرة للسحاب فما يزال بوحي دافئاً كضحكتك الريفية …. تعالي نغتسل من غبار الآدمية في مرايا البحر المنطفئة ؛فالمكان هنا ما يزال سبح في عطر حنائك والزمن يتراقص على حفيف رموشك التي لا تعرف الإصغاء