المجلة الثقافية الجزائرية

طلع زيد بغتة: النحو العربي فعل تأويلي لا تقعيد شكلي

 د. أحمد كرماني عبد الحميد

 

  من المألوف أن يُختزل النحو العربي في المخيال العام إلى كونه مجرد منظومة من القواعد الجافة التي وُضعت لضبط الكلام وصيانة اللسان، أو يُقدَّم في مناهج التعليم على أنه علم “الصحة اللغوية”، فينزلق إلى مقاييس معيارية وأحكام تقويمية. غير أن هذه الصورة المبسطة، على ما فيها من جزئية، تُهمل جانبًا جوهريًا من وظيفة النحو كما مارسه النحاة الأوائل، وكما تشكّل في لحظته التأسيسية: النحو بوصفه تفكيرًا في اللغة، لا ضبطًا لها فقط، وبوصفه تأويلًا للنص، لا تقعيدًا جامدًا. لقد كان النحو، في عمقه، نوعًا من التأملية، حيث يتحول النظر في البنية إلى وسيلة لفهم الدلالة، ويصبح الإعراب سعيًا إلى القبض على المعنى الهارب، لا ممارسة آلية لإسقاط القوالب على النصوص.

  لقد وُلد النحو في سياق حضاري شديد الوعي باللفظ والمعنى، في لحظة شعورية رأت في الكلمة جسدًا للمعنى، وفي المعنى أثرًا إلهيًا يتجلّى في القرآن الكريم. فكان أن انطلق النحوي العربي في بنائه للعلم لا من فراغ، بل من مواجهة جمالية وعقلية مع نصّ الوحي، ومع الشعر، ومع الكلام العربي في فطرته. ولم يكن سؤال النحوي سؤالًا تقنيًا بحتًا، بل كان سؤالًا تأويليًا بامتياز: كيف تُبنى الجملة لتقول المعنى؟ وكيف يمكن لهذا المعنى أن يتعدد بتعدد وجوه التركيب؟ فالنحوي لم يكن يبحث عن صواب شكلي، بل عن انسجام داخلي بين الصورة النحوية ونسق المعنى.

    من هنا نفهم لماذا كان النحاة يستميتون في تتبّع الفروق الدقيقة بين الحال والتمييز، بين الظرف والمفعول فيه، بين النعت والبدل؛ إذ إن كل حدّ نحوي بالنسبة إليهم هو حدّ دلالي. والمعركة بين البصريين والكوفيين مثلًا لم تكن معركة مصطلحات، بل معركة في تأويل اللغة، كلٌّ منهم يسعى إلى فرض تصور معيّن لطبيعة العلاقة بين اللفظ والمعنى، بين التركيب والدلالة. هذا الصراع ما كان ليحتدم لو لم يكن النحو، في عمقه، محاولة لفهم اللغة بوصفها تأويلًا للوجود، وللنصوص بوصفها تجلّيًا لهذا الوجود في الكلام.

    وقد لا نحتاج إلى التنظير المطوّل لإثبات أن النحو يحمل في جوهره بذور التأويل، يكفينا أن ننظر في طريقة تعامل النحاة مع الشواهد القرآنية والشعرية. فهم حين يقفون على آية، لا يتعاملون معها كـ”نص توثيقي” لقاعدة، بل كنص يحتاج إلى فَهم، وتحديدٍ للعلاقات التركيبية فيه، من أجل الإبانة عن المعنى المراد. ومن هنا كان الإعراب القرآني ضربًا من ضروب التفسير، وامتداده الزمني حتى العصور المتأخرة شاهدٌ على أن النحو ظل دائمًا تأويلًا متجددًا للنصوص.

  ولعل المثال التالي خير ما يكشف عن هذا الجانب التأويلي الخفي: في مراجعة لأحد دروس “الحال” في شروح ألفية ابن مالك، وقفت عند مثال بسيط في ظاهره: “طلع زيد بغتة”. عند هذا المثال نشبت معركة تأويلية صامتة بين النحاة، حول جواز مجيء المصدر حالًا. القاعدة الأصلية تقول إن الحال لا تكون مصدرًا، لأن المصدر يدل على المعنى لا على الهيئة المتلبسة بصاحب الحال. لكن سيبويه، ببصيرته النحوية التي لا تنفصل عن إدراكه لسعة اللغة، أجاز أن يأتي المصدر حالًا، رافعًا القيد، ومُفتحًا باب الاحتمال. أما الكوفيون، فوقفوا موقفًا آخر، فأجازوا نصب “بغتة” على المصدرية، بتقدير عامل محذوف: “طلع زيد، يبغت بغتة”. أي أن الفعل المقدَّر “يبغت” هو العامل في المصدر المنصوب. أما الأخفش، فقد أعاد تأويل الفعل المذكور “طلع”، فجعل معناه “بغت”، وقال إن “بغتة” منصوبة على الحال من الفعل نفسه، بعد إعادة تفسيره دلاليًا.

  هنا، لا نشهد مجرد خلاف في الإعراب، بل اختلافًا في الرؤية إلى الجملة، وفي تأويل الفعل والمعنى، وفي طبيعة العلاقة بين الفعل والهيئة والحال. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح: لماذا يَجهد النحاة في تأويل تركيب لغوي بسيط؟ لماذا يستنفرون آليات التأويل وتقدير المحذوف وإعادة فهم الفعل، في جملة ظاهرها سهل؟

   الجواب يكمن في الآية الكريمة التي مثّلوا بها أو انطلقوا منها: “إلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً”. هذه الآية لم تكن فقط شاهدًا لغويًا، بل كانت محورًا دلاليًا. أراد النحاة أن يفسروا النصب في “بغتة”، دون المساس بجلال النص، ودون التساهل في دقته النحوية. أرادوا أن يكونوا في مقام من يفهم النص لا من يُقحمه في قاعدة. وهكذا بدأ الاشتغال النحوي يتحول إلى تأويل، وصار النحو هنا بحثًا عن مطابقة تركيبية للمعنى الكامن، لا حكمًا قاطعًا.

   في هذه اللحظة التأويلية، نرى كيف يتمثل النحوي العربي أدب التواضع أمام النص، فلا يزعم امتلاك المعنى، ولا يتسرع في فرض التخريج، بل يفتح الباب لاختلاف الرأي، ويحتفي بتعدد الوجوه، بل ويصوغ المثال النحوي بعناية ليقارب دلالة الآية دون أن يمسّها. فقولهم “طلع زيد بغتة” ليس فقط شاهدًا لغويًا، بل صورة لغوية أُنشئت لتكون حقل اختبار للاحتمال دون أن تزاحم النص القرآني.

    وهكذا تتجلّى عبقرية النحو العربي لا في إحكام القاعدة فقط، بل في أدب الاختلاف الذي مارسه النحاة حين تعاملوا مع النص، وفي براعتهم التأويلية التي جعلت من كل خلاف في التقدير مناسبة لتوليد المعنى، لا لإغلاقه. وهذا ما يجعل النحو العربي تجربة فريدة في تاريخ التفكير اللغوي: تجربة تمزج بين القاعدة والتأويل، بين التركيب والمعنى، بين القصد اللغوي والوعي التأويلي.

     وإذا تأملنا سياقات الاشتغال النحوي عبر العصور، وجدنا أن هذا البُعد التأويلي ظل حاضرًا، وإن تراجع أحيانًا لصالح التقريرية المدرسية. فشروح الألفية، وحواشيها، وتقريرات الشيوخ، كلها كانت تُعيد النظر في المثال الواحد، وتفتح فيه ما لا يُحصى من وجوه الفهم. لم يكن “ضرب زيد عمرًا” مجرد تمرين على المفعول به، بل مختبرًا لترتيب المعنى، ومجالًا للتأمل في مراتب الفعل والفاعل والمفعول، وفي علاقاتهم الزمنية والمنطقية. وحتى أدق التفاصيل، كجواز تقدم الحال، أو حذف العائد في الجملة الصلة، أو تعدد وجوه النعت، كانت تُناقش بوصفها قضايا دلالية، لا صيغًا شكلية.

    من هنا، نستطيع أن نعيد فهم النحو العربي اليوم بوصفه خطابًا معرفيًا ذا طبيعة تأويلية، لا مجرد منظومة معيارية. النحوي العربي لم يكن صانع قوالب، بل كان مفكرًا في اللغة، مفسرًا للنص، متأملًا في الكيفية التي يتلبّس فيها المعنى باللفظ، ويُبنى فيها الكلام ليقول ما لا يُقال إلا به. وإذا أردنا أن نُعيد إحياء النحو اليوم، فإن السبيل ليس في تبسيطه وتقديمه كقواعد مدرسية، بل في إعادة اكتشافه بوصفه أفقًا تأويليًا، وفهمًا متجددًا للنص، واللغة، والعالَم.

    لقد أجاد النحاة في التفكير باللغة، واحترام اتساعها، وقابلية التعبير بها. لقد أدركوا أن النص قد يكون حمّال أوجه، قابلًا لتلقّي العقل الإنساني المتقد، المتأمل، الصابر.