المجلة الثقافية الجزائرية

جدلية التناص القرآني وتجلياته الدلالية في شعر الدكتور حلمي الزَّواتي: قراءة في قصيدة “الطوفان”

د. ندى شداد1

ملخّص: تتناول هذه الدراسة التفاعلية المزدوجة بين النصّ القرآني والشعر المقاوم في قصيدة الطوفان للشاعر العربي الدكتور حلمي الزَّواتي، بوصفها نموذجًا فريدًا يمزج بين البنية الجمالية والدلالات العقائدية والسياسية والإنسانية. تنطلق هذه الدراسة من سياق ما بعد نكبة 1948، لتؤكّد أنّ الشعر الفلسطيني لم يكن مجرّد خطاب فني، بل كان، ولا يزال، مشروعا وطنيا وأخلاقيا يستمدّ شرعيته من النصّ المقدّس. وتبرز أهمية القصيدة في توظيفها الكثيف للنصوص القرآنية والحديثية — ثمانية وعشرون اقتباسًا قرآنيًا وثلاثة شعرية تراثية — بما يجعل التناصّ فيها بنية تأسيسية وليست زخرفًا لغويًا. من خلال هذه التناصّات، يعيد الدكتور الزَّواتي إنتاج التجربة الفلسطينية ضمن خطاب مقاومة مؤسَّس على القيم القرآنية في الصبر والجهاد والعدل، في مقابل تخاذل الأنظمة العربية وصمتها. كما تكشف الدراسة عن أبعاد جديدة لما يمكن تسميته بـ “أدب الطوفان”، الذي يجسّد مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر 2023، ويحوّل النص القرآني إلى أداة لإعادة بناء الوعي الجمعي. وتخلص الدراسة إلى أن الطوفان ليس نصًا عن غزة فحسب، بل وثيقة أدبية وإنسانية تُعيد تعريف المقاومة بوصفها فعلًا إيمانيًا وإنسانيًا، وتجعل من التناصّ القرآني خطابًا متجدّدًا للحياة والتحرّر والنهضة.

كلمات مفتاحية

التناص القرآني؛ شعر المقاومة الفلسطينية؛ حلمي الزَّواتي؛ الطوفان؛ النكبة الفلسطينية؛ الإبادة الجماعية في غزة؛ النصوص المقدسة في الأدب؛ ما بعد 7 أكتوبر 2023؛ أدب الطوفان.

مقدمة

منذ النكبة الفلسطينية عام 1948 والشعر العربي ينهض بوظيفة أساسية في حفظ الذاكرة الجمعية، وصيانة الهوية، ومقاومة المحو والتهميش. فالشعر الفلسطيني تحديداً لم يكن مجرّد فنٍّ جمالي خالص، بل كان ولا يزال خطاباً سياسياً ومشروعاً وطنياً وصرخةً إنسانية في وجه الظلم التاريخي الذي تعرّض له الشعب الفلسطيني. وإذا كان شعراء المقاومة الفلسطينيون، الذين واكبوا مسيرة النضال الفلسطيني منذ فرض الانتداب على فلسطين في عشرينيات القرن الماضي، قد أسسوا لمفهوم “شعر المقاومة”، فإن الأجيال اللاحقة واصلت هذا المسار، مضيفة إليه أبعاداً جديدة في اللغة والرمز والدلالة.

في هذا السياق التاريخي الممتد، تجيء قصيدة “الطوفان” للشاعر الفلسطيني الدكتور حلمي الزَّواتي علامة فارقة في الشعر الفلسطيني المعاصر، لكونها تمزج بين الإبداع الشعري والعمق العقدي والسياسي والإنساني. فهي قصيدة ولدت من رحم المأساة الفلسطينية، لتؤرخ لحدث السابع من أكتوبر 2023 على حدود غزة، بعد خمسة وسبعين عاماً من النكبة، وعشرين عاماً من حصار خانق جعل من غزة “أكبر سجن مفتوح في العالم”. القصيدة لا تكتفي بوصف المأساة، بل تتجاوزها إلى فضاء المقاومة والصمود، مُشيدة ببطولة الغزيين وقدرتهم على انتزاع النصر، في مقابل إدانة واضحة لتخاذل الحكومات العربية عن نصرة فلسطين. إنها قصيدة تزاوج بين حرقة اللحظة السياسية ورسوخ المرجعية القرآنية، لتُحيل المأساة الفلسطينية إلى سياق تفاعلي أوسع.

تتجلى فرادة القصيدة في اعتمادها المكثف على التناص القرآني والحديثي، إذ وظّف الشاعر ثمانية وعشرين تناصاً مع النصوص القرآنية والحديثية، بالإضافة إلى ثلاثة تضمينات شعرية من عيون الشعر العربي. هذا الحضور المكثّف للقرآن والحديث يمنح النص أبعاداً بلاغية ورمزية عميقة، ويضفي عليه شرعية عقدية وتاريخية، تجعله جزءاً من خطاب مقاوم متجذر في الثقافة العربية الإسلامية. ومن ثم فإن دراستها لا تقتصر على الجانب الأدبي، بل تشمل البعد السياسي والإنساني والروحي، مما يجعل البحث فيها جديداً على مستويين:

الأول، على مستوى المتن الشعري، إذ أن القصيدة تؤسس لتيار يمكن أن نطلق عليه “أدب الطوفان”، وهو أدب يرافق مرحلة ما بعد أكتوبر 2023، وهو جدير بالبحث والمناقشة.

والثاني، على مستوى المقاربة النقدية، فهذا البحث يُعدّ أول محاولة أكاديمية لرصد وتحليل مظاهر التناص القرآني في القصيدة، وبيان قدرة الشاعر على توظيفه لخدمة أبعادها الإبداعية والسياسية والإنسانية. كما نتوقف عند التضمينات الشعرية الثلاثة، لنبيّن كيف ينسج الدكتور الزَّواتي نصه في حوارٍ متصل مع الموروث الشعري العربي.

الجديد هنا أنّ التناص في “الطوفان” ليس مجرد زخرفة بلاغية، بل هو آلية مركزية لبناء النص، بحيث تتحول الآيات القرآنية والأحاديث النبوية إلى شبكة من الإشارات الرمزية التي تؤكد مشروعية المقاومة، وتدين الخذلان العربي، وتبث الأمل في المستقبل القادم رغم ضبابية المرحلة. ومن ثم فإنّ دراسة هذا التناص تعني دراسة البنية الفنية للقصيدة وسبر أعماقها.

لتحليل مظاهر التناص القرآني وتجلياته الدلالية في قصيدة الطوفان، سيناقش هذا البحث مفهوم التناص وإطاره النظري، وملامح التناص القرآني في القصيدة، والتناصات القرآنية والحديثية في متن القصيدة، والأبعاد السياسية والإنسانية للتناص، ويختم بالنتائج التي توصل اليها البحث.

الإطار النظري للتناص

ظهر مفهوم التناص (Intertextualité) أول مرة في النقد الغربي مع الناقدة الفرنسية جوليا كريستيفا في ستينيات القرن العشرين، متأثرة بأفكار الفيلسوف الروسي ميخائيل باختين، حيث عرّفته بأنه “امتصاص وتحويل لنصوص أخرى”، مؤكدة أن كل نص هو شبكة علاقات مع نصوص سابقة. أما باختين فقد تحدث عن “الحوارية”، أي أنّ النصوص تتحاور فيما بينها، وأن معنى النص لا يُبنى بمعزل عن غيره.

أما في التراث النقدي العربي القديم، فلم يكن مفهوم التناص غريباً ، وإن اختلفت المصطلحات والتسميات. لقد كانت مفاهيم”الاقتباس” و”التضمين” و”المعارضة” —مثلا معارضة أحمد شوقي في قصيدته نهج البردة للبوصيري في قصيدته البردة، والتي عارض فيها هذا الأخير قصيدة كعب بن زهير في قصيدته التي حملت الاسم نفسه —بمثابة إرهاصات مبكرة لتوصيف التناص. كما ميز النقاد بين الاقتباس المشروع من القرآن الكريم، الذي يعدّ إضافة جمالية وروحية للنص، وبين السطو والانتحال، وكلاهما غيرمشروع. أما في النقد الحديث، فقد أولى عدد من النقاد والأكاديميين العرب اهتماماً بارزاً بالتناص وتحليل الخطاب الشعري، فأعاد محمد مفتاح، وصلاح فضل، ومحمد عزام، وغيرهم صياغة المفهوم في إطار معاصر، وربطوا بين التناص والبلاغة القرآنية والتداولية النصية.

التناص القرآني على وجه الخصوص يحظى بخصوصية في الأدب العربي، لأنه يرتبط بقداسة النص القرآني وحضوره في الوعي الجمعي للأمة. فهو لا يُعدّ مجرد توظيف لغوي، بل يمثل استدعاءً للسلطة النصية التي يختزنها القرآن، ومن ثم يتحول الشعر إلى خطاب مزدوج: جمالي/فني من جهة، وديني/سياسي من جهة أخرى. وهذا ما نراه جلياً في قصيدة “الطوفان”، حيث يندمج النص الشعري بالنص القرآني في جدليةٍ تُعيد بناء المعنى. وهكذا فقد تمكن الدكتور الزَّواتي من توظيف التناص القرآني والحديثي بوصفه استراتيجية جمالية ودلالية، تمنح القصيدة قوةً مضاعفة، وتربطها بذاكرة الأمة الثقافية والروحية.

ملامح التناص القرآني في القصيدة

إن من يقرأ قصيدة “الطوفان” يلحظ أن التناص القرآني والحديثي ليس مجرد زينة بلاغية، بل هو نسيج مكوّن للنص. إذ ينتقل الشاعر بين الآيات القرآنية والأحداث المعاصرة بسلاسة بالغة، ليبني جسراً بين الماضي المقدس والحاضر الفلسطيني المقاوم. هذا التداخل يمنح المقاومة الفلسطينية بعداً عقديا ويجعل صمودهم استمراراً لصراع الحق مع الباطل.

لقد نسج الدكتور الزَّواتي قصيدة “الطوفان” على خيوط قرآنية وحديثية متشابكة. فمنذ المطلع “ضَاقَتْ بِكَ الأَرْضُ” يحيلنا الشاعر مباشرة إلى القرآن، ليصوّر الاختناق الفلسطيني في ظل الحصار. ومع كل بيت، نلحظ إحالة إلى آية أو حديث أو بيت شعري من التراث، حتى ليبدو النص كله وكأنه “نصّ ثانٍ” داخل نصوص أولى. وعليه فإنه يمكننا القول بأن التناص هنا يؤدي ثلاث وظائف أساسية:

الأولى وظيفة إثباتية/شرعية: حيث يُثبت حق الفلسطينيين في المقاومة بوصفه امتداداً للجهاد القرآني المنضبط بالدفاع عن النفس ودفع العدوان.

والثانية وظيفة رمزية/تصويرية: إذ تتحول الصور القرآنية (بيت العنكبوت، الطوفان، الحصون، السنبلات…) إلى استعارات للواقع المعيش بكل قسوته.

والثالثة وظيفة تحريضية/أخلاقية: فهي تخاطب الأمة، وتدين خذلانها، وتدعوها إلى النهوض والقيام بمسؤولياتها.

التناصات القرآنية والحديثية في متن القصيدة

1. افتتح الدكتور الزَّواتي قصيدته بصورة قرآنية مكثفة: “ضَاقَتْ بِكَ الأَرْضُ”، وهي إحالة مباشرة إلى الآية “وضَاقَتْ عَليْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَت” ، الخاصة بيوم حُنين حين ضاقت الأرض بالمسلمين رغم اتساعها وكثرة عددهم. في سياق القصيدة، تتحول هذه الآية إلى مرآة لحال الفلسطيني المحاصر في غزة؛ إذ كيف يمكن لأرض فلسطين الواسعة تاريخياً وحضارياً أن تضيق بأهلها؟ هنا يضع الشاعرُ القارئَ أمام مفارقة وجودية: أن الأرض التي هي رمز الاتساع والحياة، صارت ضيقة وسجناً. هذا الاستدعاء القرآني ليس تزييناً بل هو إعلان عن طبيعة المأساة الفلسطينية، سيما في زمن التخاذل العربي وترك الفلسطينيين يواجهون عدوهم بصدورهم العارية ولحم أطفالهم المجوعين.

2. يشف الشطر الأخير من البيت الثاني في القصيدة: “تَحنو عَليكَ، وَلا الأرْحامُ قد وَصَلوا” عن حجم الغضب الذي يمور في صدر الشاعر بسبب تخلف العرب “الأرحام” عن القيام بواجبهم تجاه أرحامهم في غزة، حيث أداروا لهم ظهورهم، مكتفين بشعارات الشجب والتنديد. إنه يذكرهم بقوله تعالى “وَألوا الأرْحامِ بَعضُهُم أوْلى بِبَعضٍ في كتابِ الله”. وهكذا تتحوّل الإشارة القرآنية هنا إلى اتهامٍ أخلاقيٍّ صريح يكشف سقوط معنى الأخوّة العربية في لحظة العجز والصمت.

3. بعد تصوير الضيق والاختناق، ينتقل الشاعر إلى صورة الخلاص: “يا مُخْرِجَ الفَجرِ من دَيْجورِ ظُلمَتِه”، حيث يبدو التناص جليا مع الآية ” يُخرجُ الحيَّ من الميتِ ومُخرجُ الميتَ من الحَي”. هنا يؤكد الشاعر أنّ النور يولد من رحم الظلام، وأن الظلم والقهر الذي فرضه الاحتلال على أهل غزة، في هذا السياق، هو الموت الذي تخرج منه الحياة، وهو ليل طويل لكنه ينطوي على فجر قريب. هنا تتجاوز القصيدة البعد السياسي لتلامس البعد الوجودي: أن المقاومة الفلسطينية هي شكل من أشكال إعادة تشكيل الحياة من الموت، وانبعاث طائر الفينيق الفلسطيني من الرماد.

4-5. يحيلنا الشاعر في البيت الرابع من القصيدة:

خَمسٌ وَسَبعونَ مِنْ عَجْفاءَ كالِحَةٍ لَمْ تُبْقِ سُنْبُلَةً، لَمْ يُورِقِ الأَمَلُ

إلى الرُّؤيا الشهيرة الواردة في سورة يوسف: “سبعُ بقراتٍ سمانٍ يأكلهُنَ سَبعٌ عِجاف”، و”سبعُ سُنبلات خُضر وأُخرَ يابِسات”. إنه يُسقطها على واقع أكثر قسوة: خمسة وسبعون عاماً من الجدب منذ النكبة. إذا كانت سنوات يوسف سبعاً، فإن سنوات الفلسطينيين خمس وسبعون! المفارقة هنا تبرز طول المعاناة، وتحوّل قصة يوسف من حكاية خلاص إلى رمز لخلاص بعد محنة أطول. كما أنّ اختيار صورة السنابل يعمّق دلالة الحرمان، فحياة الفلسطينيين المفعمة بالخصب والعطاء في بلادهم فلسطين أجدبت بعد النكبة، ولم يورق الأمل إلا بعد الطوفان الذي غير معادلات كثيرة وكشف زيف ونفاق العالم الذي يدعي الحرية وحماية حقوق الإنسان.

6. حين يتحدث الشاعر عن خيول المقاومة التي أغارت في الصباح من مرابضها، فهو لا يستحضر مشهداً تاريخياً عسكرياً فحسب، بل يربطه مباشرة بالآية القرآنية التي تجعل الإعداد العسكري واجباً شرعياً: “وأعِدوا لهُم ما استطَعتُم من قوةٍ ومن رِباطِ الخَيل”. التناص هنا يُضفي على مقاومة غزة بعداً قانونياً، كأنها تطيع أمراً قرآنياً أزلياً مرتبطا بالدفاع عن النفس ورد الصائل. الخيل رمز القوة، لكنها في السياق المعاصر تشمل الطائرات الشراعية والدراجات والصواريخ والأنفاق والتكتيكات. وهكذا يُثبت النص أنّ الفلسطينيين لم يخرجوا عن سياق الأمة العريقة، بل هم امتداد لها في العمل والأخذ بأسباب القوة وعدم الخنوع للعدو.

7. عندما يقول الشاعر ” فَوَلَّى الجَمْعُ أَوْ قُتِلوا ” فإنه يذكرنا بالآية “سَيهزمُ الجَمْعُ ويُولونَ الدُّبُر”، والتي تعود إلى معركة بدر، حين هزم المسلمون جموع قريش رغم قلة عددهم. باستدعائها، يربط الشاعر بين غزة وبدر: كلاهما قلة تواجه كثرة، لكن النصر حليفها. في هذا التناص، يتجلى البعد الملحمي للقصيدة، حيث تتحول المقاومة إلى إعادة تمثيل لتاريخ الإسلام الأول.

8. قول الشاعر “جَاسوا الدِّيارَ” يتمثل الآية “فجَاسوا خلالَ الدِّيار”، والتي تخبرنا عن عقوبة بني إسرائيل عندما سلّط الله عليهم قوماً أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار. التوظيف هنا مباشر: الغزيون هم الذين جاسوا خلال مواقع العدو (الأرض المحتلة منذ خمسة وسبعين عاما)، وهو وعد إلهي تحقق. هذا التناص يؤكد المعادلة التاريخية: إذا كان بنو إسرائيل قد عوقبوا قديماً على علوهم وفسادهم في الأرض، فإن التاريخ يعيد نفسه عندما هب الفلسطينيون في معركة الطوفان للنيل ممن حاصرهم وطردهم من وطنهم ولاحقهم في مخيمات اللجوء.

9. ينتقل الشاعر في هذا المقطع (فَمَا هَانَتْ عَزائِمُهِمْ) من صورة الهجوم إلى صورة الصبرالمتمثلة في قوله تعالى”ولا تَهِنوا في ابتغاءِ القَوْم”. التناص هنا وظيفته مزدوجة: أولاً، يعيد إلى المقاومة طابعها الأخلاقي وهو عدم الهوان والاستكانة، وثانياً، يقارن بين آلام الفلسطينيين وآلام عدوهم (كما ورد في النص القرآني: إنهم يألمون كما تألمون). المعنى أن التفوق الفلسطيني يوم الطوفان ليس عسكرياً فقط، بل معنوياً أيضاً.

10. المقطع “وَعْدٌ تَنَزَّلَ في القُرآن” إشارة إلى إيمان المقاتلين في غزة بوعد الله تعالى لهم بالنصر إن هم باعوا انفسهم لله، “وعدا عليه حقا”. يجسد التناص هنا صورة إيمانية تمنح المقاومة معنى عقدياً يتجاوز جميع الحسابات السياسية.

11. يستدعي الشاعر بقوله “لَمْ تُغْنِ عَنهُم حُصُونٌ خَلْفَها نَزلُوا” صورة حصون بني النضير التي دمرها المسلمون الأوائل، وكما وصفها القرآن “وظَنُّوا أنَّهم مانِعتهم حُصونُهم منَ الله”. الحصون التي ظن العدو أنها مانعته من المسلمين فسرعان ما انهارت. هنا يقارن الشاعر حصون العدو بذاك المصير القرآني، مؤكداً أنّ “القبة الحديدية” ودبابات الميركافا وعربات النمر لا تختلف عن الحصون القديمة، والتي حطمها المقاومون الفلسطينيون بأسلحة بدائية من صنع أيديهم.

12. يستدعي الشاعر في قوله ” هارَتْ عَليهم” الآية “أم مَن أسَّسَ بنيانَه على شفا جُرف هارٍ”، والتي تؤكد على أن البناء على حافة منهارة رمزٌ لعدم الاستقرار. التناص هنا يوحي بأن الكيان الصهيوني بُنِيَ على شفا جرف تاريخي وأخلاقي متصدع. فعلى الرغم مما يبدو عليه من قوة ودعم عالمي، فإنّه قائم على أسس من الظلم والاحتلال والنفاق، محكومٌ عليه بالانهيار تحت ثقل تناقضاته وجرائمه، مهما طال الزمن، وعظمت التضحيات، وتكاثرت القوى الغربية المتغطرسة التي تسنده.

13. تُعَدّ صُورةُ “بُيوتُ العَنكَبُوتِ” من أدق الصور ومن أبرز الرموز المجازية في القصيدة وأكثرها دلالة. بيت العنكبوت رمز للوهن رغم تعقيد شكله. وفي الإحالة الى الآية “كمثلِ العنكبوتِ اتخذَتْ بَيتاً”، يُسقط الشاعر الوهن على دولة الاحتلال: ظاهرها قوة وباطنها ضعف. ومن خلال هذه الصورة، يفكك الدكتور الزَّواتي أسطورة مناعة إسرائيل؛ فبراعتها العسكرية والتكنولوجية تبدو مهيبة في ظاهرها، لكنها في جوهرها واهية كخيوط العنكبوت. وهكذا يقابل الشاعر بين التعقيد الظاهري والضعف الجوهري، كاشفاً أن القوة القائمة على الظلم لا بد أن تتحول إلى قوة مدمّرة لذاتها. إنها صورة تُفكّك أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”.

14. يتجلى التناص هنا في قوله “لَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ مِنَ الطُّوفانِ إِذْ ثُكِلُوا” مع الآية “إنَّ الذينَ كَفروا لَن تُغني عَنهم أموالُهم ولا أولادُهم”. وعليه، يؤكد الشاعر أنّ الحصون التي بناها العدو بمليارات الدولارات لا تساوي شيئا أمام قَدَرِ الله وعزيمة المقاتلين الفلسطينين الذين عزموا على الفكاك من الحصار والاحتلال. هنا يعيد الشاعر الزَّواتي صياغة جدلية فشل التفوق المادي مقابل التفوق الإيماني.

15. وعندما يقول الشاعر “قَدْ ذُهِلوا” فإنه يستدعي الآية “يوم تَرونَها تَذهَلُ كُلُّ مُرضِعةٍ عَمَّا أرضَعت، وتضعُ كلُّ ذاتِ حَملٍ حَملَها، وترى الناسَ سُكارى وما هُم بسُكارى”، حيث يصف بها حالة ارتباك الصهاينة، ليس سُكراً بل ذُهولاً. الصورة هنا تعكس حالة الصدمة والانهيار للعدو يوم الطوفان، وكيف استسلم جنوده للمقاومين الفلسطينيين وهم في حالة ذهول مما حدث لهم.

16. يقول الشاعر”أبطالَ غَزَّةَ صَبْراً”، فإنه يُذَكِّر هنا بدعاء أصحاب طالوت في الآية “رَبنا أفرِغْ عَلينا صَبْرا”. الصبر هنا ليس حالة سلبية بل قوة تُمكّن المقاوم من الثبات وهزيمة العدو. وهنا يُعيد الدكتور الزَّواتي تعريف الصبر، لا باعتباره احتمالًا سلبيًا، بل قوة فاعلة تُلهِم المقهورين الصمود في وجه القهر. فالصبر عنده سلاح إيماني لا يقل أهمية عن السلاح المادي، إذ يشكّل ركيزة للنصر والتحرر.

17. وقوله “لَنْ يَضُرَّكُمُ” تناص مع قوله تعالى “إن تَصبروا وتتقوا لا يَضُرُّكم كيدُهم شيئاً”، ويؤكد على أن الصبر والتقوى أقوى الأسلحة التي تمكن المقاتلين الفلسطينيين من احباط مؤامرات العدو. وبذلك يحوّل الدكتور الزَّواتي الاعتقاد الديني إلى قوة نفسية، تؤسس للمقاومة على أرض اليقين الروحي. التناص هنا يربط بوضوح بين الأخلاق والانتصار.

18. القصيدة تحسم الأمر بأن النصر قادم لا محالة، ولن يضر المقاتلين “غَدْرُ الأَعاريبِ ، إِنْ خَانُوا وإِنْ خَذَلُوا “. هذا التناص مع قوله تعالى “إن يَنصُرْكُمُ اللهُ فلا غالبَ لكم” يعبّر عن إيمان الشاعر المطلق بالعون الإلهي، مؤكّدًا أن خذلان الأنظمة العربية لا يمكن أن يحول دون نصرٍ كتبه الله. ومن خلال هذا التناصّ، يُقارن الدكتور الزَّواتي بين ثبات النصرة الإلهية وتقلب المواقف البشرية، ليعلن أن القوة الحقيقية تنبع من الإيمان، لا من التحالفات السياسية.

19. إن تضمين الشاعر لعبارة “رقَّ الحديدُ لبلوانا” من قصيدة بدوي الجبل المعروفة “إني لأشمت بالجبار” يُضفي على القصيدة بعدًا أدبيًا عروبيًا خالصًا. فقد كتب بدوي الجبل قصيدته احتفاءً بانهزام الاستعمار الفرنسي في سوريا، وإذ يستحضر الدكتور الزَّواتي جزءاً منها، فإنه يبني جسرًا تناصياً بين النضال السوري ضد الاستعمار والمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال، موحيًا بأن مصير المحتل الصهيوني سيكون كمصير القوى الاستعمارية السابقة. وفي الوقت نفسه، يتوجه الشاعر إلى إخوته العرب بلومٍ مرير: لقد رقّ الحديد لعذابنا، فكيف قست قلوبكم وبقيت جامدة أمام مجازر أطفال غزة؟ بهذا التضمين، يفضح الشاعر انحطاط الضمير الأخلاقي للأنظمة العربية وانعدام إحساسها الإنساني.

20. حين يكتب الدكتور الزَّواتي “حَطُّوا الأَصابِعَ في آذانِهمْ” فإنه يردد التعبير القرآني في الآية “جعلوا أصابعهم في آذانهم”، وبذلك تتحول هذه الصورة إلى استعارة سياسية بليغة تعبّر عن الصمم الإرادي للأنظمة العربية التي اختارت ألا تسمع استغاثة غزة. ومن خلال هذا التناص القرآني، يُحوّل الشاعر الصورة الدينية إلى نقد سياسي حاد، مشيرًا إلى أن العمى الروحي والصمم القلبي أصبحا السمة الأبرز للعالم العربي المعاصر.

21. أما قول الدكتور الزَّواتي “كَيْ لا يُلامِسَ أَسْماعا لهُم عَذَلُ” فإنه يستحضر بيت عمر أبي ريشة “لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم”. يعقد الشاعر هنا مقارنة مأساوية بين الماضي والحاضر: بين شهامة المعتصم الذي هبّ لإنقاذ امرأة استنجدت به، ولا مبالاة الحكام العرب اليوم أمام صراخ المظلومين في غزة. بهذا التضمين، يُعمّق الشاعر الرثاء الأخلاقي في قصيدته، كاشفًا اتساع الهوّة بين المجد العربي القديم والواقع الممزق الراهن حتى غدت فجوة أخلاقية حضارية.

22. وبالمثل، فإن تضمين الدكتور الزَّواتي مطلع بيت من قصيدة صفي الدين الحلي “لا يَسألونَ أخاهُم حينَ يَندُبُهم” هو إحالة تعيد إلى الأذهان قيمة المروءة العربية الأصيلة، لكنها في الوقت ذاته تبرز اندثارها في الزمن المعاصر. ومن خلال تضميناته الشعرية المتعددة—من بدوي الجبل، وعمر أبو ريشة، وصفي الدين الحلي—يرسم الدكتور الزَّواتي لوحة بانورامية لانحلال القيم العربية، حيث أصبحت الخيانة لا مجرد فعلٍ عابر، بل انحرافًا أخلاقيًا مستدامًا. وهكذا فإن التضمينات ليست مجرد تزيين، وإنما مرايا تاريخية تفضح تراجع القيم العربية والإنسانية عن معاييرها الحقيقية.

23. إن المفارقة الساخرة في قول الدكتور الزَّواتي “كَيْفَ اسْتَوى عِنْدَها المَقْتولُ وَالقَتَلُ؟” تستدعي الآية “هل يَستوي الذينَ يعلمونَ والذينَ لا يَعلمون”. إنه يتساءل بحرقة الموجوع: كيف ساوى بعض العرب قتال الفلسطينيين العدو، للخلاص من الاحتلال والحصار، مع تدمير جيش الاحتلال غزة وقتل أهلها بالمتفجرات والتجويع؟ وهكذا، يقلب الشاعر البنية البلاغية للآية ليُعرّي تشويه المفاهيم الأخلاقية لدى من يساوون بين الجلاد والضحية. فصوته هنا صوت ضميرٍ جريح يستنكر الخطاب العربي والدولي الذي يتبنى رواية المحتل ويصم المقاومة بـ “الإرهاب”. وهكذا يتحول هذا التناص القرآني إلى صرخة احتجاجٍ أخلاقي ضد انهيار ميزان العدالة والتمييز بين الحق والباطل.

24-26. لقد تجلى التناص مع هذه الآيات “وإن استنصَروكُم في الدِّينِ فعليكُمُ النَّصر” ؛ “انفروا خفافاً وثقالاً” ؛ “فلا تَهنوا وتَدعوا إلى السّلم” ، في بيت واحد:

“أَينَ الَّذينَ إذا ما اسْتُنْصِروا نَفَروا لَبُّوا النِّداءَ ، وَمَا هَانوا، وَمَا انْعَزَلوا؟”

لقد خاطب الشاعر العرب والمسلمين خطابا مباشرا، حيث قام التناص هنا — متخذا من القرآن رافعة لحجته—بوضعهم في موقع المتخلّف عن واجب شرعي إنساني. وهو بذلك يُدينُ القعودَ والتخاذل، ومحاولاتِ التطبيع مع العدو، والدعوة الى السلم في وقت الهزيمة.

27- 28. تمثل التناص في بيت الشاعر:

أبطالَ غَزَّةَ، لا حُزْنٌ وَلا وَهَنٌ نَصْرٌ مُبينٌ ، بِهِ الأَجْفانُ تَكْتَحِلُ

مع هاتين الآيتين “ولا تَهنوا ولا تَحزنوا وأنتم الأعلون”، و “متى نَصْرُ الله؟ ألا إن نصرَ اللهِ قَريب”. إنه خطاب داخلي يعيدُ الأمل للمخاطب الداخلي— للغزيين — ويَشدُّ من أزرهم، ويدعوهم الى الثبات وعدم الحزن وإن تخلى عنهم القريب والبعيد. يقول لهم بكل ثقة: أنتم الأعلون رغم الجراح. وهكذا، يحوّل الشاعر المأساة إلى انتظار خلاص محتوم بالنصر الذي ستكتحل به الأجفان.

29. ويستمر التناص في استحضار الحديث النبوي الشريف: (لا تزالُ طائفةٌ من أمتي على الحقِ ظاهرين لا يَضرُّهم من خَذَلهم)، حيث يعكسُ الشاعرُ هذا المعنى في قوله “ما ضَرَّكُم أبداً خذلانُ أمَّتِكم”، مؤكدًا ثبات الإيمان رغم الخذلان. ومن خلال هذا الصدى النبوي، يبعث الدكتور الزَّواتي رسالة طمأنينة إلى أهل غزة بأن الحماية الإلهية تتجاوز الخذلان السياسي للأنظمة العربية، ولو وصلوهم ما زادوهم إلآ خبالا.

30. أما قوله في الشطر الثاني من بيت الشعر” هَيْهاتَ هَيْهاتَ أَنَّ الشَّعْبَ يَنْخَذِلُ” فإنه يحيل الى الآية “هيهاتَ هيهاتَ لما تُوعَدون”. إنه رد على تهديدات العدو وإعلان بأن توعد العدو لأهل غزة وفلسطين بالدمار بعيد التحقيق.

31. ويختتم الدكتور الزَّواتي قصيدته الإستثنائية بإعلانه الحاسم:

“فُزْتُمْ عَلَيْهِمْ وَرَبِّ البَيْتِ في زَمِنٍ قَلَّ الرِّجالُ بِهِ، واسْتَنْوَقَ الجَمَلُ”

مؤكدا بأن وعد الله بالنجاة والنصر سيتحقق ولو بعد حين. وهنا يبلغ التناص ذروته بالإشارة الى الآية “وينجي اللهُ الذين اتقوا بِمفازَتِهم”، وهو بذلك يربط بين التقوى والمفازة. وهكذا يُغلقُ الشاعرقصيدته على يقين مطلق بالفوز والنصر وإن تعاظمت الجراح.

الأبعاد السياسية والإنسانية للتناص

تتجاوز قصيدة الطوفان حدود الإبداع الأدبي لتغدو بيانًا سياسيًا وصرخةً أخلاقية دفاعًا عن الإنسان وكرامته. فالتناصّ القرآني فيها، على الرغم من تجذّره في المقدّس، يقدم في الوقت نفسه خطابًا للمقاومة والتحرّر. وهكذا تتشابك في النصّ الثيولوجيا والسياسة والأخلاق، لتُظهر كيف تتحوّل الإشارات القرآنية من مجرد زخارف جمالية إلى أدوات للنقد الأيديولوجي والتوجيه الأخلاقي.

إنّ توظيف الدكتور الزَّواتي للتضمينات القرآنية والنبوية يُرسّخ النضال الفلسطيني في إطار عقدي وإنساني عالمي، رافعاً إياه من مستوى صراعٍ سياسيٍّ محلّي إلى قضية مقدّسة تمثل العدل والكرامة الإنسانية. كما تُعيد القصيدةُ تعريفَ المقاومة بوصفها حقّاً وواجباً في آنٍ واحد، إذ يصبح الثبات في وجه الظلم شكلاً من أشكال الإيمان والطاعة الأخلاقية. ومن خلال هذا المزج بين المقدّس والسياسي، يستدعي الشاعر لغة التجلّي الروحي، ليحوّل ميدان غزة إلى فضاءٍ روحيٍّ للاختبار والخلاص والوعد الإلهي بالنصر.

وفي الوقت ذاته، تكشف القصيدة الإفلاس الأخلاقي للنظام العربي المعاصر. فحين يخاطب الشاعر شعب غزة قائلًا “ضاقَتْ بِكَ الأرضُ لا تلوي على كَتِفٍ / تَحنو عَليك، ولا الأرحامُ قد وَصَلوا”، فإنّه يُدين صمت العرب وتواطؤَهم. كما أن التناصّ مع الآيات القرآنية التي تدعو إلى التضامن والتناصر بين المؤمنين يتحوّل إلى إدانةٍ أخلاقيةٍ للأنظمة والنخب التي تخلّت عن فلسطين. وهكذا يؤدي التناصّ هنا دور المحكمة الأخلاقية التي تدين تقصير النظام الرسمي العربي وخذلانه لأهل غزة.

وعلى المستوى الإنساني، يستعيد نسيج التناصّ في القصيدة صوت المقهورين وكرامة المشرّدين. فالأصداء القرآنية المتكررة—صورالفجر، والطوفان، والنجاة—تبث الأمل وسط الخراب، وتوحي بأن المعاناة ليست نهاية بل عبور نحو التجدّد. إن استدعاء الدكتور الزَّواتي للنماذج القرآنية والنبوية يمنح التجربة الفلسطينية بعداً إنسانياً كونياً، رابطاً إياها بمسيرة الإنسان في المنفى والصبر والمقاومة. وهكذا يصبح أهل غزة ورثة الأنبياء والأمم التي ابتُليت ونجحت في الاختبار.

وفوق ذلك، يكشف التفاعل التناصيّ في القصيدة مع القرآن عن حركة جدلية بين اليأس، والأمل، والدمار، والبعث، والفناء، والتجاوز. فالطوفان، بوصفه رمزاً وحدثاً، يمثل تطهيراً من الفساد الأخلاقي، وولادة جديدة للضمير الإنساني، وإعادة لإنتاج الأمل وإحيائه في نفوس الفلسطينيين بعد عقود من المراهنة على سلام موهوم من خلال اتفاق أوسلو الذي عزز الاستيطان الصهيوني في فلسطين، وحول عقيدة المقاتلين الفلسطينيين من مقاومة الاحتلال الى التنسيق الأمني معه. ومن جهة أخرى، لقد اعتبرت القصيدة طوفان السابع من أكتوبر بداية الخلاص وجعلت من غزة رمزاً له، كما أكدت أن المقاومة ليست أرهابا وإنما حق مشروع يستمد مشروعيته من الخطاب القرآني والرؤية الإنسانية القائمة على قيم الحق والعدل المطلقة.

الخاتمة

إنّ قصيدة الطوفان ليست مجرّد نص شعري عابر عن مأساة غزة يُقرأ ثم يُطوى، بل هي وثيقة متعدّدة الأبعاد توحّد بين الجمالي والعقدي، والسياسي والإنساني. فمن خلال شبكتها الكثيفة من التناصّ القرآني والنبوي، يُنشئ الدكتور حلمي الزَّواتي فضاءً حوارياً يتجاور فيه الوحي مع التاريخ المعاصر. وهكذا تتجاوز القصيدة حدود التعبير الأدبي لتصبح شهادة ومقاومة، وتعبيراً عن الإيمان والتحدّي في وجه القهر. إنها أول نص شعري يوظف القرآن الكريم بهذا الاتساع في معالجة حدث السابع من أكتوبر، ويجعل من النصوص القرآنية أداة لمساءلة الحاضر، وإدانة الخذلان، وتأكيد شرعية المقاومة.

لقد أظهر هذا البحث أنّ التناص القرآني في القصيدة هو العمود الفقري لبنائها، وأنه لم يأتِ بوصفه زخرفة لغوية، بل باعتباره إستراتيجية خطابية تُعيد وصل الحاضر الفلسطيني بالماضي القرآني والنبوي. كما كشفت المنهجية التناصية عند الدكتور الزَّواتي عن وعي إبداعي فريد حوّل اللغة المقدسة الموروثة إلى قوة شعرية ديناميكية. فكل إشارة قرآنية في القصيدة ليست اقتباساً جامداً، بل إعادة تفعيل للمعنى في سياق جديد يخاطب الواقع الأخلاقي والسياسي للنضال الفلسطيني. وهكذا يُعيد الشاعر إحياء النصّ القرآني بوصفه نصاً حياً قادراً على تفسير الظلم الحديث وتوجيه الوعي الجمعي نحو التحرّر والكرامة.

وما يُميز هذه الدراسة عن غيرها أنها تضع “الطوفان” في قلب النقاش النقدي حول أدب المقاومة بعد 2023، وتقدّم أول قراءة علمية لتوظيف النصوص القرآنية في هذا السياق. وهي بذلك تفتح الباب واسعا أمام دراسات أخرى تتناول “أدب الطوفان” من زوايا مختلفة: بلاغية، ونفسية، وسياسية، ومقارنة مع آداب العالم التي تناولت الكوارث والحروب. كما أنّ الخاتمة تؤكد على أن التناص القرآني في قصيدة “الطوفان” ليس مجرّد تقنية نصية، بل هو نداء للأمة كي تستعيد قيمها الأولى، وتنهض من غفلتها، وتعيد الاعتبار لقضية فلسطين بوصفها قضية وجود وهوية.

إن أهم ما كشفته هذه القصيدة هو أنّ فلسطين ليست مجرد جغرافيا، بل هي فضاء روحي يتجسّد في النص القرآني ذاته. ومن ثم، فإنّ خذلان الأمة العربية للقضية لا يُغيّر من حقيقة أنّ هناك وعداً إلهياً بالنصر، وأن هذه الأمة، مهما ضعفت، ستظل تحمل في عمقها بذرة المقاومة والانتصار. وعليه، يمكن القول أن قصيدة “الطوفان” نصٌّ تأسيسي لـ “أدب الطوفان”، ويستحق أن يكون منطلقاً لدراسات جديدة تبحث في الأبعاد البلاغية والسياسية لهذا الأدب. إن قصيدة الطوفان علامة فارقة في الشعر العربي المعاصر، فقد وحّدت بين التناصّ المقدّس والخطاب الثوري. وبدمجها بين الوحي والواقع، والإيمان والنضال، والرمز والتاريخ، تعيد القصيدة إلى الشعر العربي المقاوم وظيفته الأصيلة: أن يقول الحق في وجه القوة الغاشمة، ويحفظ الذاكرة الجمعية للمقهورين، ويؤكد إيمان الإنسانية بعدالة الله وحتمية التحرير. وهذا ما يجعلها نصاً شعرياً إنسانياً خالداً يبشر ببداية عهد جديد من النهوض العربي والإسلامي، مهما طال ليل الاحتلال والخذلان.

الهوامش

1) ندى شداد، دكتوراه في الأدب المقارن (جامعة لافال، 2005)، باحث أقدم في المركز الدولي للحوار بين الثقافات، كيبك، كندا.

2) د. حلمي الزَّواتي، “الطوفان”، الشرق (2 كانون الأول/ديسمبر 2023)، 9.

3) د. حلمي الزَّواتي، شاعر وأكاديمي فلسطيني، وفقيه في القانون الجنائي الدولي، ورئيس المركز الدولي للمساءلة والعدالة (CIAJ)، مونتريال، كندا. للدكتور الزَّواتي عشرات الأبحاث والكتب في الشعر والأدب والقانون الدولي. أنظر دائرة المعارف الفلسطينية، “حلمي الزَّواتي”، <https://shorturl.at/q0OBG> (تم التصفح يوم 18 تشرين أول 2025)؛ موسوعة النخبة الفلسطينية، “حلمي الزَّواتي”، <https://shorturl.at/7tfJ9> (تم التصفح يوم 18 تشرين أول 2025)؛ موسوعة ويكيبيديا الحرة، ” حلمي الزَّواتي”، < https://shorturl.at/c0P2h> (تم التصفح يوم 18 تشرين أول 2025).

4) جوليا كريستيفا، علم النص. ترجمة فريد الزاهي، ط1 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،1991)، 26.

5) تزفيتان تودوروف، ميخائيل باختين: المبدأ الحواري، ترجمة فخري صالح، ط 2 (بيروت: المؤسسة العربية للنشر والتوزيع ، 1996م)، 121 .

6) نور الهدى لوشن، “التناص بين التراث والمعاصرة،” (2013) 26:15 مجلة جامعة ام القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وادابها 1023.

7) محمد خير البقاعي، آفاق التناصية: المفهوم والمنظور، ط1 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998)، 79.‏

8) آمنة محمد الطويل، “التضمين وعلاقته بالتناص الاقتباسي،” (2010) 12 المجلة الجامعة 108.

9) انظر: عبد الملك مرتاض، ” فكرة السرقات االادبية ونظرية التناص،” (1991) 1:1 مجلة علامات في النقد 80؛ محمد زبير عباسي، التناص وخطر تطبيقه على القرآن الكريم . رسالة دكتوراه مقدمة في قسم اللغة العربية، الجامعة الإسلامية العالمية في اسلام أباد، باكستان، 2016، 36؛ مصطفى السعدني، التناص الشعري: قراءة أخرى لقضية السرقات (الإسكندرية: منشأة المعارف ،1991)، 7.

10) أنظر: محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري: إستراتيجية التناص، ط 3 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1993)، ص 125 ؛ وسميحة جابلي، إشكالية مصطلح التناص في النقد العربي المعاصر: محمد مفتاح نموذجا، رسالة دكتوراه مقدمة الى كلية الآداب . جامعة العربي بن مهدي، الجزائر 2013، 14.

11) انظر: صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص (الكويت: سلسلة عالم المعرفة عدد 164 – آب/أغسطس 1992)، ص 211؛ صلاح فضل، شفرات النص: دراسة سميولوجية في شعرية القص والقصيد، (عابدين: دار رؤية للنشر والتوزيع 2014)، 221.

12) محمد عزام، النصّ الغائب: تجلّيات التناصّ في الشعر العربي (دمشق: اتحاد الكتّاب العرب،2001)، 15.

13) أنظر على سبيل المثال: عبدالقادر بقشي، التناص في الخطاب النقدي والبلاغي: دراسة نظرية وتطبيقية (الدار البيضاء: دار إفريقيا الشرق، 2007)، ص 58؛ عيد بلبع، أكذوبة التناص : مراجعات أسلوبية في السرقات الشعرية (القاهرة: دار النابغة للطبع والنشر والتوزيع ، 2020)، 33.

14) عبدالعزيز بن سعد الشهري، التناص : القرآن في دراسات الحداثة العربية والاستشراق (الرياض: دار الوعي، 2016)، 143.

15) القرآن الكريم، سورة التوبة، آية 25.

16) القرآن الكريم، سورة الأحزاب، آية 6.

17) القرآن الكريم، سورة الأنعام، آية 95.

18) القرآن الكريم، سورة يوسف، آية 43.

19) القرآن الكريم، سورة الأنفال، آية 60.

20) القرآن الكريم، سورة القمر، آية 45.

21) القرآن الكريم، سورة الإسراء، آية 5.

22) القرآن الكريم، سورة النساء، آية 104.

23) القرآن الكريم، سورة التوبة، آية 111.

24) القرآن الكريم، سورة الحشر، آية 2.

25) القرآن الكريم، سورة التوبة، آية 109.

26) القرآن الكريم، سورة العنكبوت، آية 41.

27) القرآن الكريم، سورة آل عمران، آية 10.

28) القرآن الكريم، سورة الحج، آية 2.

29) القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 250.

30) القرآن الكريم، سورة آل عمران، آية 120.

31) القرآن الكريم، سورة آل عمران، آية 160.

32) بدوي الجبل، ديوان بدوي الجبل (بيروت: دار العودة، 1973)، 80.

33) القرآن الكريم، سورة نوح، آية 7.

34) عمر أبو ريشة، ديوان عمر أبو ريشة، المجلد الأول (بيروت: دار العودة، 1971)، 10.

35) صفي الدين الحلي، ديوان صفي الدين الحلي (بيروت: دار صادر، 1981)، 64.

36) القرآن الكريم، سورة الزمر، آية 9.

37) القرآن الكريم، سورة الأنفال، آية 72.

38) القرآن الكريم، سورة التوبة، آية 41.

39) القرآن الكريم، سورة محمد، آية 35.

40) القرآن الكريم، سورة آل عمران، آية 139.

41) القرآن الكريم، سورة البقرة، آية 214.

42) محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1981)، حديث رقم 3641.

43) القرآن الكريم، سورة المؤمنون، آية 36.

44) القرآن الكريم، سورة الزمر، آية 61.

المراجع

مراجع أولية:

البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1981)، حديث رقم 3641.

القرآن الكريم (دمشق: دار النهضة العلمية للطباعة والنشر والتوزيع، 1985).

مراجع ثانوية:

أبو ريشة، عمر، ديوان عمر أبو ريشة، المجلد الأول (بيروت: دار العودة، 1971)، 10.

بدوي الجبل، ديوان بدوي الجبل (بيروت: دار العودة، 1973)، 80.

البقاعي، محمد خير ، آفاق التناصية: المفهوم والمنظور، ط1 (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998)، 79.

بقشي، عبدالقادر، التناص في الخطاب النقدي والبلاغي: دراسة نظرية وتطبيقية (الدار البيضاء: دار إفريقيا الشرق، 2007)، ص 58.

بلبع، عيد ، أكذوبة التناص : مراجعات أسلوبية في السرقات الشعرية (القاهرة: دار النابغة للطبع والنشر والتوزيع ، 2020)، 33.

تودوروف، تزفيتان ، ميخائيل باختين: المبدأ الحواري، ترجمة فخري صالح، ط2 (بيروت: المؤسسة العربية للنشر والتوزيع ، 1996م)، 121 .

جابلي، سميحة ، إشكالية مصطلح التناص في النقد العربي المعاصر: محمد مفتاح نموذجا، رسالة دكتوراه مقدمة الى كلية الآداب . جامعة العربي بن مهدي، الجزائر 2013، 14.

الحلي، صفي الدين، ديوان صفي الدين الحلي (بيروت: دار صادر، 1981)، 64.

دائرة المعارف الفلسطينية، ” حلمي الزَّواتي”، <https://shorturl.at/q0OBG >

(تم التصفح يوم 18 تشرين أول 2025).

الزَّواتي، حلمي ، “الطوفان”، الشرق (2 كانون الأول/ديسمبر 2023)، 9.

السعدني، مصطفى ، التناص الشعري: قراءة أخرى لقضية السرقات (الإسكندرية: منشأة المعارف ،1991)، 7.

الشهري، عبدالعزيز بن سعد، التناص : القرآن في دراسات الحداثة العربية والاستشراق (الرياض: دار الوعي، 2016)، 143.

الطويل، آمنة محمد، “التضمين وعلاقته بالتناص الاقتباسي،” (2010) 12 المجلة الجامعة 108.

عباسي، محمد زبير ، التناص وخطر تطبيقه على القرآن الكريم . رسالة دكتوراه مقدمة في قسم اللغة العربية، الجامعة الإسلامية العالمية في اسلام أباد، باكستان، 2016، 36.

عزام، محمد، النصّ الغائب: تجلّيات التناصّ في الشعر العربي (دمشق: اتحاد الكتّاب العرب،2001)، 15.

فضل، صلاح ، بلاغة الخطاب وعلم النص (الكويت: سلسلة عالم المعرفة عدد 164 – آب/أغسطس 1992)، 211.

فضل، صلاح، شفرات النص: دراسة سميولوجية في شعرية القص والقصيد، (عابدين: دار رؤية للنشر والتوزيع 2014)، 221.

كريستيفا، جوليا، علم النص. ترجمة فريد الزاهي، ط1 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،1991)، 26.

لوشن، نور الهدى، “التناص بين التراث والمعاصرة،” (2013) 26:15 مجلة جامعة ام القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وادابها 1023.

مرتاض، عبد الملك ، ” فكرة السرقات االادبية ونظرية التناص،” (1991) 1:1 مجلة علامات في النقد 80.

مفتاح، محمد ، تحليل الخطاب الشعري: إستراتيجية التناص، ط 3 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1993)، ص 125

موسوعة النخبة الفلسطينية،” حلمي الزَّواتي”، <https://shorturl.at/7tfJ9>

(تم التصفح يوم 18 تشرين أول 2025).

موسوعة ويكيبيديا الحرة، ،” حلمي الزَّواتي”، < https://shorturl.at/c0P2h>

(تم التصفح يوم 18 تشرين أول 2025).