بقلم: التجاني صلاح عبدالله المبارك
من أكثر الأشياء المحزنة ـ بل المفزعة حقًّا ـ في حياتنا العامة المعاصرة، أن يرى المرء بأم بعينيه كيف تنحدر لغة الرأي والاحتجاج، سواء كان سياسيًّا أو اجتماعيًّا أو أيًّا كان سياق الاحتجاج، من كونها ممارسة عقلانية وأخلاقية، تهدف إلى عرض المظالم وتفكيك الوقائع، وإقناع الآخرين بالحجة والدليل، إلى هاوية سحيقة لا تنطوي على عرض اختلاف أو إبداء الرأي الآخر ـ وهو حقّ مشروع ويفترض ان لا ينازع فيه أحد، عدا طبعا في الدول التي يكثر فيها الطغاة والمستبدون، وهذا للأسف واقع منظور في كثير من دول منطقتنا العربية ـ وإنما تنزلق لغة الاحتجاج إلى تعرية الجسد والبدن!، والظهور أمام الناس بمظهر شبه عار!، إذ كيف يتحوّل مشهد الغضب العام من موقفٍ أخلاقيٍّ له مطالب واضحة وسياق ومشروعية، إلى فوضى رمزية أقرب إلى الهذيان الجماعي، أليس هذا محزنا ومفزعا أن يعرّي المرء ذاته أمام الناس، كما لو كان طفلًا فقد اللغة والمنطق معًا، فلم يجد وسيلة للتعبير عمّا يعتمل في دواخله سوى أن يخلع ثيابه أمام الناظرين، في محاولة بدائية لجذب الانتباه بدلًا من إقناع العقول؟!
لقد شاهدنا جميعًا في الأيام الماضية متحدثًا يخطب في جمع من ابناء الجالية السودانية، بإحدى القاعات الكبرى في كمبالا، خطابا مشحونا بالحسرة والغضب على ما آل إليه حال السودان، وعلى الحرب المستعرة فيه، تلك الحرب التي يرى المتحدث أن «الكيزان والفلول» ـ وهو الوصف الذي تطلقه قوات الدعم السريع الإرهابية على مؤسسات الدولة السودانية وجيشها الوطني ـ مع قوات الدعم السريع الإرهابية نفسها، يتحملون مسؤوليتها كاملة.
لكن الفاجعة لم تكن في مضمون الخطاب، ولا في سخطه المشروع أو غير المشروع، بل كانت في المشهد ذاته؛ في تلك اللحظة التي قرر فيها الرجل أن يخلع قميصه، ثم يُرخِي بنطاله، ثم يقف عاريًا إلا من ملابسه الداخلية!، كأنما أراد فجأة أن يستبدل البيان السياسي بعرضٍ جسديٍّ فوضويّ، وأن يحوّل القاعة من منبر للرأي إلى مسرح للانهيار العصبي!
لا أحد، بطبيعة الحال، ينكر حق الإنسان في الغضب، ولا حقه في الاعتراض، ولا يملك أحد أن يصادر حقّ إنسان في التعبير عن رأيه، لكن التعبير، مهما بلغ من حدة وانفعال، لا يستلزم بالضرورة أن يصاحبه عرضا مسرحيا بتعرية الجسد، مثلما فعل صاحبنا، وكان بإمكان هذا الرجل ـ بل بإمكان كل سوداني طحنته نيران الحرب، التي نتمنى جميعًا أن تنطفئ اليوم قبل غد، وأن ينصر الله فيها الجيش الوطني النظامي نصرًا كاملًا شاملا ـ أن يوضح موقفه بالوسائل الطبيعية والمألوفة، وأن يعرض سياقه وأدلته وحججه، دون ان يخلع عنه ستره، باعتبار أن الصدمة وحدها هي الطريق الأسرع لجذب الانتباه، في حين أن قوة الخطاب وصدق الألم، كانا أقدر على بلوغ العقول والقلوب معا، لو أحسن التعبير عنهما بالكلمة الواضحة والحجة المستقيمة.
وإذا كان “محمد تروس” ـ وهذا هو اسم المتحدث ـ يتصوّر أن اللجوء إلى مشاهد غير مألوفة وصادمة في ظاهرها، كفيل وحده بمنح رسالته القدرة على اختراق العقول، فماذا سيقول صاحبنا لو اطّلع على تجربة حركة Fkk الألمانية التي نشأت في أواخر القرن التاسع عشر، والتي لم أقف ـ في حدود اطلاعي ـ على جماعة أخرى غيرها جعلت من التعري مذهبًا اجتماعيًا عامًا بهذا الاتساع والوضوح، حين رأت في خلع الملابس عودةً إلى الطبيعة، وتحرّرًا من قيود المدينة والصناعة والأخلاق الفيكتورية الخانقة، ثم انتهى بها المسار الفظيع إلى تحويل الملاعب والشواطئ والأندية إلى ساحات مكتظة بأجساد عارية، كما ولدتهم أمهاتهم، رجالًا ونساءً، دون أن يفضي ذلك إلى وعيٍ أخلاقي أرقى، أو حسٍّ إنساني أعمق، بل إلى نمط آخر من العبث المستتر بخطاب تحرّري!
لا أدري هل يقصد صاحبنا بهذا العرض العاري إحداث تلك الهزّة البصرية المقصودة وجذب الأنظار بأي وسيلة كانت، أم أنه ـ على طريقة جماعة Fkk ـ يحاول ابتداع مذهب اجتماعي جديد في حدود الخطابات والمنصّات، غير أنّ السؤال الأشد إلحاحًا، والذي يفرض نفسه على هذا المشهد كلّه: إذا خطب رجل أو امرأة خطابًا سياسيًا أو اجتماعيًا، ثم انكشفت عورة الرجل أو عورة المرأة أيضاً أثناء إلقاء الخطاب، هل يدل ذلك على جسامة القضية المطروحة وخطورة اللحظة التاريخية، أم يدلّ على ان السقوط في الفوضى الجسدية صار بديلًا للخطاب العقلاني.
نعم، لا أحد يتمنى استمرار الحرب، وكلنا نترحم على الشهداء الذين سقطوا فيها، لكن ثمّة حدًّا دقيقًا لا يجوز تجاوزه بين الحرية والفوضى، وكان بوسع صاحبنا،أن يقول ما يريد، وأن يحتج على من يريد، أما أن يقرر فجأة أن يخلع ثيابه على المسرح ليضمن التفات العيون بوصفه أداة احتجاج، فذلك في تقديري ليس جرأة، بل اعتراف صريح بالعجز عن إنتاج خطاب، وربما لا يبقى في الذاكرة سوى ابتسامة ساخرة تقول: حين تخذل اللغة أصحابها، يختصرون الطريق.. إلى خلع الملابس.
_ أشاهد بين الفينة والأخرى ما تيسّر من البرامج الترفيهية المتداولة في وسائل الإعلام، وقد هالني وأفزعني، ما جرى في إحدى قاعات المدارس، حين تحوّل الفصل الدراسي، الذي يفترض فيه أن يكون محرابًا للعلم، وفضاءً للتربية، إلى مسرح عبثي يستعرض فيه طالب مراهق، نزقه الجسدي أمام معلمه، لا ليقول فكرة، أو يجيب على سؤال، بل ليبدأ رقصة هز الكتفين، ويهز كتفيه هزًّا سريعًا مستفزًا أمام معلمه وزملائه.
وقد يقول قائل هنا: وماذا في هذا؟ أليست هذه مجرد حركة صبيانية؟ أليس الشباب اليوم أكثر جرأة، وأكثر تحررًا؟ بل ماذا تكون هذه الرقصة الهوجاء إذا ما قورنت بما تمتلئ به الشاشات والمنصات والمسارح من مشاهد أشد فجاجة، وأقسى على الذوق العام، وأبعد عن كل معيار سليم؟ ولمثل هذا القائل أقول: هناك فارق شاسع، لا يراه إلا من لا يزال يحتفظ بحد أدنى من الحس التربوي، بين سلوك فردي عابر في شارع أو فضاء مفتوح، وبين ما يقع داخل مؤسسة تعليمية يُفترض أنها الحاضنة الأولى للقيم والانضباط والتربية.
فالمدرسة ليست نادٍ ليلي، ولا ساحة استعراض، ولا منصة لإفراغ الشحنات النفسية، بل هي مؤسسة ممولة من المجتمع، قائمة على الثقة العامة، ومؤتمنة على أخطر ما تملكه الأمة: عقول أبنائها وضمائرهم. ومن واجبها بل من جوهر رسالتها أن تحافظ على ما استقر في وجدان الناس من قيم الاحترام، ومكانة المعلم، وهيبة العلم، وإلا تحولت إلى مجرد مبنى فارغ تدار فيه الفوضى باسم الحرية.
هل رأيتم مؤسسة تعليمية محترمة في العالم تسمح لطالب بأن يهين معلمه علنًا بالرقص أمامه، ثم تمر الحادثة كأن شيئًا لم يكن؟ لاحظ أننا هنا لا نتحدث عن مجتمعات تقليدية مغلقة، بل عن أعرق المؤسسات التربوية في أكثر المجتمعات انفتاحًا، ومع ذلك فإنها لا تُبدي أدنى قدرٍ من التسامح، ولا تسمح ولو بمسافة تكاد لا تُرى، بأي عبثٍ يمسّ مكانة المعلّم أو يجرح النظام الأخلاقي داخلها.
ورغم ان الطالب الذي أدى رقصة الكتفين الغريبة ظهر بعد ذلك في فيديو قصير، معتذرًا للناس الذين شاهدوا المشهد، وللذين طالبوا بجلده عشر جلدات، وللذين طالبوا بفصله من المدرسة وهم الاغلببة، فإن ما جرى ليس شأنا تربويًا عابرًا،بل مؤشرا فادحا على تآكل منظومة كاملة.ولهذا فإنني أناشد من بيده سلطة القرار التربوي، أن يتعامل مع هذه الواقعة بما تستحقه من حزم وحكمة، حماية للمؤسسات التعليمية والتربوية، ورد اعتبار للمعلم، الذي هو عنوان للهيبة والتربية، وهو الذي قال الشاعر أحمد شوقي في حقه:
قم للمعلم وفه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
_ من أشدّ المشاهد إيلامًا في الأيام الأخيرة أن يرى الإنسان طبيبًا ـ وهو المفترض ان يكون ملاك الرحمة وسكينة الخائفين ـ ينهال ضربًا على مريضٍ مُنهكٍ في سريره داخل مستشفى حكومي في الهند، في لحظة لا تكشف عن انفعالٍ عابر، بل عن سقوطٍ أخلاقي مكتمل الأركان، في المكان الذي لا يُسمح فيه بالسقوط أصلًا. فالمسألة هنا ليست جسدًا ضُرب واشبع لكما، بل وعدًا أخلاقيًا انكسر، لأن الطبيب لا يداوي بالأدوية وحدها، بل يداوي بحضوره وبثقة الناس فيه، وبالطمأنينة التي يُفترض أن تسبق الدواء.
وحين تستبدل الرحمة والابتسامة باللكمات الموجعة داخل غرفة الاستشفاء، فإنه لا تُجرح الأجساد وحدها، بل تُجرح فكرة الطب ذاتها، وتُصاب الثقة الإنسانية في مقتل، إذ لا شفاء باللكمات أو ضربات الرأس.
وقد قال زهير بن أبي سُلمى قديمًا، وكأنه يصف هذا المشهد بعينه:
ومن يصنعِ المعروفَ في غيرِ أهلِهِ
يلاقِ الذي لاقى مجيرَ أُمِّ عامرِ
وقال طرفة بن العبد، قبله:
وظلمُ ذوي القُربى أشدُّ مضاضةً
على المرءِ من وَقعِ الحُسامِ المُهنَّدِ





