المجلة الثقافية الجزائرية

كعبة أور

علي عبدالكريم السعدي

لا يخفى على الكثيرين أن الزقورة (كعبة) أور في العراق جنوباً

تعد من أقدم المعابد في التاريخ، عمرها يتجاوز 4100 عام تقريباً،

 توجد بقايا معابد أقدم منها في تركيا ومالطا، لكنني أتحدث عن معبد لا يزال شاخصاً وضمن حضارة تُعتبر هي الأقدم في الكوكب بإجماع أغلب علماء الآثار في العالم، وهي الحضارة السومرية الرافدينية العراقية.وفق السردية الدينية والأدب العبري والمسيحي

وبعض الروايات الإسلامية، هي موطن إبراهيم أبي الأنبياء.

هذا بحسب الميثولوجيا الدينية،

حيث هاجر إبراهيم العراقي من أور إلى سواحل البحر المتوسط لدى الكنعانيين.يرجى الأخذ بعين الاعتبار

أن الأركيولوجيا (علم الآثار) شيء،

والميثولوجيا والقصص والأديان شيء آخر.فمثلاً: الزقورة في أور العراق، أركيولوجياً كعلم آثار عمرها يتعدى 4000 عام تقريباً،

أما ميثولوجياً فعمر التوراة وما تحتويه ككتاب ديني بحسب بعض المختصين لا يتجاوز 2800 سنة تقريباً.السؤال الذي يطرح والذي يفكك الكثير من الألغاز

ما الرابط بين أور شليم وأور العراق

؟

وما معنى اسم أور وأور شليم؟يختلف الباحثون في معنى مفردة أور،

ويُعتقد أنها تعني نوراً أو ضوءاً أو ينير شيئاً من هذا القبيل، 

لأنها لغة قديمة جداً من أقدم اللغات والكتابات في العالم.أنا برأيي الشخصي أن مفردة أور تعني المركز أو الأساس أو المرتكز، وليس هذا المهم فيما سأتناوله في مقالي هذا، على الرغم من أن السؤال الأهم له صلة بالمعنى.الأهم هو ما الرابط بين

أور بلاد النهرين (العراق) السومرية 4100-4200 سنة تقريباً

وبين أور شليم في مملكة يهوذا 2900 سنة تقريباً؟إن الكعبات أو ما يُطلق عليها دار الإله أو بيت الرب

الغاية منها هي النفوذ والسيطرة وليست معبداً دينياً فحسب، 

وإنما مركز قرار سياسي وعسكري واقتصادي واجتماعي.لهذا حاول العبرانيون – وهم قبائل من الرحل قبل أن يكونوا ديانة يهودية بشكلها اليوم –

سحب بساط المركزية من بلاد النهرين وتحديداً

من الإمبراطورية البابلية التي واكبوها،

فقاموا ببناء بيت مقدس الذي هو الهيكل

وأطلقوا على اسم المنطقة التي تحتويه اسم أور شليم ويعني أساس السلام أو مركز السلام، على غرار أور السومرية النهرينية 

في العراق لسحب البساط من الإمبراطورية البابلية التي هي امتداداً ثقافياً وعقائدياً وسياسياً للسومريين رغم الفارق الزمني بينهما إلا أنهم يتبنون أغلب المتبنيات الدينية والثقافية آنذاك،

فادّعى العبرانيون أن الرب أمر سليمان ببناء الهيكل:

“ثم ابتدأ سليمان ببناء بيت الرب في أور شليم” (سفر أخبار الأيام).

ولهذا قام الإمبراطور البابلي النهريني نبوخذنصر الثاني قبل حوالي أكثر من 2580 سنة

بمهاجمة الهيكل وهدمه، لكونه إمبراطوراً سياسياً وبحسه الأمني شعر بالخطورة ثم قام بسبي العبرانيين في السبي البابلي الشهير.يرجى الأخذ بعين الاعتبار

أنا هنا لست بصدد مدح فعلٍ ما أو ذم فعل آخر

وإنما بصدد استعراض وتحليل تاريخ قد حدث قبل آلاف السنين من أجل الفهم أو كمحاولة للفهم، لأن الحقيقة المطلقة لا أحد منا يعلمها فيما يتعلق بعموم التاريخ لكافة البشر.وكذلك الإمبراطور الرافديني الآشوري سنحاريب وقد سبق البابليين بذلك بمئتي عام تقريباً وهاجم بقواته مملكة يهوذا وحاول هدم الهيكل أو هدمه بالفعل لا أحد يعلم، بحسب السردية الدينية أنه لم يهدمه، لكنه حاصر الملك حزقيا

وجعله يدفع الجزية من الذهب والفضة بعد تفاوضات فانسحب عن حصارهم.وكذلك باقي أباطرة آشور هاجموا مملكة يهوذا والسامرة الشمالية على اختلاف حقبهم

كشلمنصر الخامس وأسرحدون،

وهذا الصراع مثبت في العهد القديم كدين

وكذلك في الآثار كأركيولوجيا لكن طريقة تناوله وتفسيره قد تختلف وهذا أمر طبيعي.فمن بين الاختلاف في الآراء والمعتقدات

على الباحث أن يستنتج ويخرج بنتيجة ربما تكون صحيحة وربما تكون خاطئة.إن حديثنا هذا حول أهمية بيت الإله على مدى التاريخ والغاية منه ولمن الأسبقية والأصل،

وتأثر الثقافة العبرانية ببلاد النهرين بوجهة نظري له علاقة وطيدة بالسبي البابلي الذي حصل لهم، كانت بابل عاصمة العالم القديم دينياً وثقافياً وسياسياً مركز الإمبراطورية الممتدة من دلمون (البحرين حديثاً)

جنوباً إلى (أرمينيا حديثاً) شمالاً

إلى حدود مصر غرباً وكذلك الإمبراطورية الآشورية فتارة تنهض الآشورية وتارة البابلية

بحكم الصراع الداخلي النهريني بينهما،

رغم أنهما يحملان ثقافة ولغة واحدة وأحياناً معتقدات واحدة تتعلق ببعض الآلهة والرموز، لكن الصراع استمر بينهما حتى ضعفا الاثنان

وهذا سبب انهيارهما واستغلال ذلك من قبل الأعداء (عسى ولعل أن يكون درساً للأجيال الحديثة الحالية على اختلاف معتقداتهم ومسمياتهم كمواطنين نهرينيين عراقيين منتمين لوطنٍ اسمه العراق المشتق من أوروك).

بحسب البروفيسور الإنجليزي الأمريكي جيفري باركر جامعة أوهايو، 

‏إنّه أقدم أسم بلد على وجه الكوكب بقي محافظا عليه ،

في اللغة النهرينية القديمة أوروك ، وكذلك في اللغة النهرينية الحديثة كعراق من أقدم الأسماء حيث موجود في دواوين المتنبي وقيس بن الملوح وأبي تمام وغيرهم الكثير.جدير بالذكر أن في الصراع البابلي الآشوري

أيضاً كان يُستخدم هدم المعبد كنوع من الهزيمة النفسية وكسر الإرادة

ففي حملات الآشوريين أكثر من مرة صادروا تمثال الإله البابلي مردوخ وهو نوع من الحرب النفسية الدينية، علماً أن أباطرة بابل يستمدون التعاليم والقوانين من إله مردوخ بحسب ادعائهم، والأبرز من بينهم حمورابي البابلي واضع

أول دستور قوانين واضح في تاريخ البشرية،

يسبقه الملك أور نمو مؤسس أول شريعة قوانين في العالم لكنها غير مكتملة كما شريعة حمورابي، نظراً لقدمها وتلف بعض أجزائها.بالعودة لموضوع الكعبات أو بيت الرب

يوجد في مدينة شيراز على ما أظن

كعبة شهيرة معروفة بكعبة زردشت

يعود عمرها إلى 2500 عام تقريباً

وكان يُعبد فيها إله أهورا مزدا ويدّعون أنها بيت الرب أو مكان لقاء الرب، على اختلاف التعابير والمكان والزمان إلا أن الفكرة واحدة.وربما يخفى على الكثيرين أن ما يُعرف بشبه الجزيرة العربية حديثاً كذلك كانت توجد فيها كعبات كُثر، لكل قبيلة كعبة تعبر عن مدى نفوذ وقوة القبيلة، بعضها لا تزال آثارها موجودة في جنوب المملكة العربية السعودية، في نجران والطائف وغيرها، بعضها هُدِم قبل وقت ليس ببعيد.كذلك الكعبة في مكة هي مركز قرار سياسي قبل أن يكون دينياً، وهذه هي الفكرة والغاية من الكعبات أو البناء الذي يدّعون أنه بيت الرب أو الله على مر التاريخ، فمؤخراً رأينا سياسة المملكة العربية السعودية وانفتاحها وإقامة المهرجانات لمختلف الصنوف والمجيء بفنانات

ومن حولهن الناس تطوف،

علماً أن الكعبة في مكة قد هدمت وضُربت عشرات المرات بحسب السرد الديني الإسلامي

على يد يزيد بن معاوية مرة وعلى يد الحجاج بن يوسف مرة أخرى،

وعلى يد أبي طاهر الجنابي بزمان لاحق،

وآخر مرة هدمت من الأساس عام ١٩٩٦

بسبب الأرضة بحسب كلام القائمين عليها

وتوجد صور وفيديوهات عن ذلك قبل وأثناء البناء والترميم،

وكذلك نُسب بناؤها لجدي نبي الله إبراهيم العراقي

لشرعنتها وإضفاء الرسمية،

علماً أن الحقبة الزمنية بين نبي إبراهيم العراقي النهريني وبين ظهور الإسلام آلاف السنين

فكيف بناها في الحجاز؟!

الأمر الآخر أن نبي إبراهيم الذي موطنه أور العراق قد أمره الرب بالذهاب إلى أرض كنعان

(فلسطين-إسرائيل) فكيف بنى كعبة في الحجاز وهو لم يواكب الحقبة الإسلامية أصلاً؟!

علماً أنني مؤمن لكن موضوع البناء واختزال إله خالق مليارات المجرات ببضعة حجرات أو بغرفة أو معبد والادعاء أن هذا بيت الإله

هي فكرة قديمة ليست الأولى من نوعها ولا الأخيرة،

من وجهة نظري أن ادعاء العبرانيين والعرب كأقوام من الرحل و على إختلاف حقبهم

 أنهما يمتلكان بيت الرب أو الله هو غير صحيح، وما هو إلا تزوير حصل بأزمنة تاريخية بالتدريج كمحاولة لسحب البساط من بلاد النهرين،

وكما يقول المثل العراقي (يشتري منك ماء يبيع عليك ثلج)

وكل هذا وغيره حصل تدريجياً بعد سقوط الإمبراطورية البابلية..

علي عبد الكريم السعدي