شعر: منذر ابو حلتم
في آخرِ الليلِ
كانتِ الخرائطُ تتثاءبُ على الطاولة،
يسقطُ منها دبوسٌ أحمرُ ..
فيصحو المحيط.
على ضفّةٍ لا تُرى
كانتْ قاراتٌ تُقايضُ ظلَّها بالنار،
وتقيسُ المسافاتِ
بما يعلو من دخان.
من الذي أيقظَ الحديدَ
في حنجرةِ الريح؟
ومن علَّمَ الطائراتِ
أن تتهجّى أسماءَ المدن
كأنها صلواتٌ مقلوبة؟
في الشرق
كان جبلٌ يشدُّ عمامتَهُ إلى الشمس،
ويمدُّ يدًا من صخرٍ
ليُمسكَ بالبرق.
كلما سقطَ سهمٌ في صدره
نبتتْ غابة.
كيفَ يصبحُ الصبرُ لغةً
حين تضيقُ الأبجدية؟
وفي الغرب
كانت ذاكرةٌ تمشي بعكازٍ من مطر،
تتعثر في حقولٍ بعيدة،
وتسأل:
هل ما زال الوحلُ
يحفظُ بصماتِ الجنود؟
وهل تعيدُ الأنهارُ
قواربَها فارغة؟
من يوقظُ الهزيمةَ
حين تنام في المتاحف؟
ومن يقنعُ الظلَّ
أن التاريخ لا يُمحى؟
وفي جهةٍ أخرى
حيثُ البحرُ يُصغي للتراب،
كان الجنوبُ يكتبُ اسمَهُ بالحجر
ويخبّئهُ في الضوء.
القرى تمشي فوق النار
ولا تصرخ.
تعلّمتْ
أن الصمتَ أحيانًا
أعلى من صفيرِ الصواريخ.
كيف يصيرُ الترابُ درعًا؟
وكيف تصيرُ الشجرةُ ذاكرة؟
في التلال
تحرسُ الريحُ أسماءَ الغائبين،
كي لا تذوب.
وتفتحُ النوافذُ عيونها كل صباح،
تعدُّ الغيومَ
العائدة من الحدود.
من الذي أقنعَ الحقول
أن الحصادَ قد يكون نارًا؟
ومن علّم الأطفال
أن الطائراتِ ليست دائمًا طيورًا؟
الجنوبُ
ليس اتجاهًا …
بل قلبٌ يرفضُ الانحناء.
كلما مرّت الدبابات
تعثّرتْ بحكايات الجدّات،
وكلما طال الليل
أشعلت القرى قناديلها
من زيتِ الصبر.
أيمكنُ للغزاة
أن يحتلّوا ظلًا؟
أيمكنُ للرصاص
أن يقتل فكرة؟
الليلُ طويل…
لكن الفجر
لا يُشترى.
والبحارُ تعرفُ:
السفنُ التي تكثرُ من إطلاق النار
تنسى طريقَ العودة.
هل تُشفى السماء
إذا أُصيبتْ بنجمةٍ من حديد؟
أم يكبر العالم
كلما صغر قلبه؟
في النهاية
ينامُ الدخان
كطفلٍ أنهكته الحكاية.
وتبقى الأسئلة
معلّقة
كفوانيس بلا شرفات:
من يربح
حين تخسر الأرض أبناءها؟
ومن يخسر
حين تتعلّم الشعوب الوقوف؟



