المجلة الثقافية الجزائرية

قصائد من ديوان “في الغياب نتعلم شكلنا الأخير”:

وليد الأسطل

 

1

جغرافيا الغياب:

 

أعبرُ إسبانيا،

كأنني أعبر ذاكرةً صقلها البحر والغياب،

 

في مدريد

المساء يلمع على الحجر

كأن النهار ترك عليه بقايا يده،

ويبدو الزمن أقل استعجالًا

 

في المقاهي

يتدلّى التعب من الأكتاف كشيءٍ مألوف،

ودخان القهوة يرتفع خفيفًا،

كأغنيةٍ لا تريد أن تُنسى

 

في متحف البرادو

ملوكٌ يثقل الوقارُ ملامحَهم كزمنٍ راكد،

أثوابٌ تتدلّى من الأجساد كهبوطٍ بطيءٍ للهيبة،

وخيولٌ واقفةٌ في ضوءٍ خافتٍ كأنه يختبر صبرها

 

ويمرّ فيلاثكيث،

هادئًا كمن يترك الصورة تكتمل وحدها،

يُبطئ ما بين العين وما يُرى،

ويترك للألوان أن تقول ما لا يُقال.

 

ومن جهة الجنوب

غرناطة تلوّح بأصابعها البيضاء من بين الجبال،

جبال تقترب من السماء

كأنها تريد أن تسمع آخر ما تبقّى من العربية.

تحدثني عن رخام أخفّ من الذاكرة، 

عن خطوات عربية مختبئة في الحجر،

 

تبعث لي رائحة الماء في الأفنية،

رائحة الرمان،

رائحة أبوابٍ أغلقتها القرون خلفها بهدوء.

 

يشرع البحر جهته

فتظهر برشلونة

بشرفاتها المائلة نحو الريح،

ومرافئها التي تلتقط خطى الغرباء،

مدينةٌ تترك الموسيقى سائبةً في الهواء

كأنها لا تخشى أن تضيع.

 

غير أن الليل

حين يتأخر فوق الأرصفة

يكشف الوحدة المختبئة تحت الموسيقى،

ويجعل الأضواء البعيدة

تبدو كسفنٍ صغيرة

ضلت طريقها في الماء.

 

وحين أبتعد

تمشي إسبانيا خلفي بلا ضجيج؛

ظلُّ حصانٍ في مدريد،

ماءٌ يلمع في الحمراء،

وصوتُ مدينةٍ على حافة البحر

لا يزال يفتح أبوابه للريح.

 

2

هُوِيَّةٌ فِي حَالَةِ عُبُورٍ:

 

تشكّلتُ من رعشةٍ أولى في صمتٍ كثيفٍ بلا اسم.

كأن الوجود لمحني ثم تراجع.

لا افتتاح يمسك به العقل، ولا لحظة تُعلّق في سطر.

فقط انزلاق خفيّ من عدمٍ لا يعترف بمرآة.

 

تدرّجتُ في إدراك الحركة كمن يتعلّم خيانة السكون.

لا يقين بالخلاص منه.

في داخلي شظايا نور أفلتت من عيونٍ أنهكها النظر.

كل تقدّم كان يمحو أثره وهو يمضي.

 

مرّت حولي كائنات ناقصة الاكتمال.

أفكار خرجت من ذهن لم يُنضجها.

تُرى لحظة ثم تتلاشى في اللحظة ذاتها.

كأن الزمن يرفض منحها شهادة وجود.

 

اقترب أحدهم من تخوم المعنى بلا رغبة واضحة.

اهتزّ ما لا يُرى فيّ.

تداخل القريب بالبعيد حتى انمحى الفرق بينهما.

وصار التلامس شظية من ارتباكٍ قديم.

 

تراكمت في داخلي طبقات من أثرٍ لا يشيخ.

كل ما يمرّ لا يغادر.

يتحوّل إلى طبقة إضافية من ثقلٍ شفيف.

لم تعد الذاكرة اسمًا للماضي، بل استمرارًا لما لا ينتهي ولا يُستعاد.

 

كل محاولة لتتبع جهة

كانت تفتح التباسًا أوسع.

المسار لا يريد أن يُرى طريقًا.

بل احتمالًا يتكاثر كلما اقتربت منه الرؤية.

لا مركز للمعنى، ولا حافة تمنحه يقينًا.

 

مع تراخي الزمن في قبضته

انكشف الصفاء كفكرة عابرة.

الوضوح ومضة بين اهتزازين.

والإدراك يتدرّب على التراجع دون أن يعلن انسحابه.

 

حين بلغ التراكم حدّه غير القابل للقياس

انطفأت إمكانية الفصل بين الذاتي والعابر.

كل ما مرّ صار جزءًا من نسيج جديد.

ما كان عابرًا استقرّ، وما كان يمكن استبعاده صار شرطًا في التكوين.

 

واصلتُ الامتداد كفعلٍ بلا بديل.

كأن التوقف اعترافٌ بأن العبور لم يكن نحو شيء.

بل انكشافٌ تدريجيّ لتحوّل لا يقبل التراجع.

السؤال يتغير شكله في كل لحظة دون أن يفقد حدّته.

 

وفي أقصى ما يشبه النهاية

تراجعتُ عن يقين التعريف.

لم أعد قادرًا على الإشارة إلى ما أنا عليه.

دون أن ينقسم المعنى في يدي.

صرتُ أبعد عمّا يتشكّل أثناء النظر إليه.

وأقرب إلى ما بدأ قبل أن يُرى.

 

3

 

خيط الصمت في العتمة:

 

ليلٌ يهبط من جدران الهواء كصوتٍ فقد مصدره،

يجرّ أطرافه على الأرض ويختبر هشاشته بصبرٍ طويل،

المساء ينفتح بلا حماية، تتساقط حدوده شيئًا فشيئًا،

ويبقى البرد في صورته الأولى، كثافة بلا تفسير

القاطنون داخل العتمة يتعلمون لغة الرعشة،

أجسادٌ تحفظ البرد بين أسنانها كسرٍّ لا يُقال،

الأصابع تبحث عن أثر دفءٍ في تجاويف الذاكرة،

جمرٌ قديم يُنفخ فيه كي لا ينطفئ المعنى دفعة واحدة

 

في الداخل لا أحد ينتظر أحدًا

الروح تخترع شريكها من فراغٍ قابل للامتلاء،

وتؤثث وحدتها بما يشبه الفرو حين يفكر في الجلد،

وأشياء عائدة من مناطق بعيدة من الإنسان

تحمل ألوانًا لا تنتمي لوقتٍ واحد، وعطورًا تبدو كأنها نجت من نجاةٍ سابقة

 

بقايا الطعام تتحول إلى وثيقة حياة

لقمة على حافة الطاولة تحتفظ بكل ما لم يُقل في العشاء،

وموائد الفقراء تكتب تاريخها دون ادعاء

ثم يبدأ المسرح الداخلي عمله بلا إعلان

لا جمهور، لا أسماء، لا ترتيب خارجي

الجسد يجرب شكله الممكن، والخيال يرفع الستار عن غرفة بلا مرآة

 

خشب خفيف، ضوء متواطئ، زجاجة نبيذ تلمع كفكرة لم تُستخدم بعد

وعطر يفتح فضاءً لا يحتاج إلى مناسبة كي يحدث

 

المدن تتشقق في الذاكرة

مدينة ترتدي حزنها كمعطفٍ لا يُخلع،

وأخرى تفقد اسمها حين تُستعاد من الداخل

المطر يواصل محو الفروق بين الحكاية وظلّها

الأصوات تتراجع إلى أصلها

والنباح يختبر حراسة ما لا يمكن حراسته

 

لا ستارة تهبط

تآكلٌ هادئ لكل ما ظنّ أنه مشهد

العالم يصير خيطًا خفيًا

يمسكه صمتٌ يعمل في الظلام