المجلة الثقافية الجزائرية

باقي من العمر عشرة أيام

بقلم: التجاني صلاح عبدالله المبارك 

قبل نحو عقدين من الزمان، كتبت قصة أو بالأحرى قصة قصيرة (القصة القصيرة تختلف عن القصة من حيث البناء والتركيب كما يقرر ذلك الاكاديميون والمتخصصون، إذ يقوم بناء القصة القصيرة على تكثيف حدث معين واحد، يترك أثرا في نفس القارئ وليس مجموعة احداث وشخصيات).. كتبت قصة قصيرة بعنوان (باقي من العمر عشرة أيام)، وكانت على نحو ما بقي عالقا في الذاكرة، في هذا الفن الذي استبد بقدر غير قليل من اهتمامي في تلك السنوات،.. يومها كنت أقضي ساعات طويلة بين رفوف المكتبات، متنقلًا بين مكتبة كلية الآداب بجامعة الخرطوم والمكتبة الرئيسية في الجامعة، أتنقل بين الدراسات النقدية والمجموعات القصصية، أبحث عن ذلك السر الصغير الذي يجعل حادثة عابرة تبقى بعد أن تنسى الحوادث كلها. 

 كانت (باقي من العمر عشرة أيام) تدور حول رجل أخبرته عجوز فانية بأن المتبقي من عمره عشرة أيام فقط، ولم تكن العجوز طبيبة مؤهلة، ولا تملك صلة خاصة بالسماء أكثر من بقية البشر، غير أنها كانت تتمتع بتلك الموهبة التي يمتلكها أو بالأحرى يدعيها بعض الناس، في إقناع الآخرين بأنها تعرف ما لا يعرفون، وأنها ترى في المنام ما يعجز الواقع كله عن رؤيته، ولم تكن _كما تدعي_ ترى حلما في المنام إلا وجاء كما رأت. 

أما صاحبنا فقد تعامل مع الخبر الذي نقلته إليه ، بجدية كاملة وعيون زائغة، وبدأ يرتب علاقته بالعالم على أساس أنه مغادر بعد أيام معدودات، وتحولت الأيام العشر إلى ما يشبه العد التنازلي الأخير في حياته، فأقبل على العبادة، وأكثر من الصدقات، وندم على تقصيره وتفريطه في جنب الله، وأعاد ترتيب أيامه كما لو كانت تحصى للمرة الأخيرة، بينما كانت العجوز الحيزبون تراقب المشهد من بعيد مطمئنة إلى نجاح توقعاتها، أو مطمئنة إلى شيء آخر لا أعرفه.

ومن العجب أن الإنسان، رغم يقينه بأن الموت حقيقة لا تحتاج إلى برهان، إلا أنه ينجح في معظم أيامه في إبعادها إلى آخر العمر، حتى إذا جاءت لحظة شعر فيها أن المسافة بينه وبين النهاية قد أصبحت قابلة للعد والحساب، تبدل كل شيء دفعة واحدة، فقد كان الرجل يعرف، كما نعرف جميعًا، أنه سيموت يومًا ما، ولم تكن العجوز قد أضافت إلى معلوماته شيئًا جديدًا، لكنها أضافت شيئًا أخطر من المعلومة نفسها: أضافت موعدًا محددا، وعلى حين الفجأة أصبحت الأشياء التي كانت تبدو مهمة أقل أهمية، وأصبحت أمور أخرى كان يؤجلها منذ سنوات أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. 

 ومضت الأيام العشرة كما تمضي كل الأيام، هادئة وعادية وغير مكترثة بالقصص والاوهام التي ينسجها البشر حولها، وبقي الرجل حيًا كما هو، يستقبل صباحاته المعتادة، ويواصل شؤونه المؤجلة، بينما مات حلم الحيزبون شيئًا فشيئًا حتى صار مجرد ذكرى محرجة، لعجوز بالغت في الثقة بأضغاث أحلام عابرة.

 ولم أعد بعد كل هذه السنوات أتذكر كثيرًا من تفاصيل القصة، لكنني ما زلت أتذكر الفكرة التي دفعتني إلى كتابتها، وهي أن الناس ربما يتغيرون في لحظة ما؛ إن لم يكن تغيرا نابعا من ذواتهم في محاسبة النفس والزامها وتزكيتها، ربما يكون من الخوف الذي يطل أحياناً بأسماء مختلفة؛ مرة في هيئة حلم، أو في هيئة شائعة، أو في صورة توقعات متشائمة. 

 ولعل أكثر ما يثير التأمل، أن العجوز لم تكن الشخصية الأكثر غرابة في القصة، فالعالم لم يخلُ يومًا من العرافين والدجاجلة وباعة الأوهام ومدّعي معرفة ما استأثر الله بعلمه، كما لم يخلُ من بشر يصدقونهم أو يتشاءمون منهم، الذي ظل يثير دهشتي حقًا هو شيء آخر تمامًا؛ فقد انقضت الأيام العشر ومضت ، كما لو لم تكن سوى إحتمال أخطأ في التحقق، وبقي الرجل حيا، لكنه لم يعد كما كان.