شعر: آدم دانيال هومه.
يا امرأةً
إذا مرّتْ على شُرَفِ المساءِ
تساقطتْ من خُطاها النجومُ
وأيقظَ عطرُها في معابدِ الروحِ تراتيلَ الكهنةِ الأوّلين.
عندما أتناولُ القربانَ من شفتيكِ
أشعرُ أنّ السماءَ قد انحنتْ على قلبي
وأنَّ أسرابَ الملائكةِ راحتْ تنثرُ حولي أزهارَ الجنان
ألهو بضفائرِ الشمسِ وأصعدُ سُلَّمَ الضوءِ
نحو حدائقَ لم تطأها أقدامُ الحزن
وأقطفُ من أغصانِ الأبديةِ تفاحةَ الحلم
ثم أعودُ إليكِ طفلاً يحملُ في راحتيه دهشةَ الخليقة.
أكرعُ الوحيَ الإلهيَّ من كأسِ عينيكِ
فتنهضُ الكلماتُ من رُقادها العميق
وتغادرُ القصائدُ كهوفَ الصمت
وتخفقُ في دمي أجنحةُ النبوءاتِ القديمة
أراكِ في مرايا الغيمِ مليكةً للسماء
يلتفُّ القمرُ حولَ جيدها قلادةً من لجين
وتجلسُ النجومُ عند قدميه كوصيفاتٍ صغيرات
ينتظرنَ إشارةً من يديها كي يبدأنَ رقصةَ الضياء.
وحين يغمرُ الأرضَ زمهريرُ الثلج
أغفو بين ذراعيكِ دافئاً كعصفورٍ عاد من منافيه
وأسمعُ قلبكِ يوقدُ في دمي مواقدَ الربيع.
هناك… لا يصلُ إليَّ صقيعُ الأزمنة
ولا تعثرُ بي رياحُ الغربة
فحضنكِ وطنٌ لا تحدُّه الخرائط
ومعبدٌ لا تطفئُ قناديلَه عواصفُ القرون.
وقبيلَ بزوغِ الفجرِ
حين تكونُ السماءُ بين حلمٍ ويقظة
ألبسُ ردائي النورانيَّ
وأمضي على دروبٍ فرشتْها الآلهةُ القديمةُ بالوردِ واللآلئ
أعبرُ سهولَ بابل فتنهضُ السنابلُ لتحيّيني
وتعودُ دجلةُ فتاةً سومريةً تغسلُ ضفائرها بماءِ الخلود.
ومن بينِ أنقاضِ المدنِ أسمعُ صوتَ أجدادي يعلو كالرعد:
لا يموتُ شعبٌ حفرَ اسمَه في الصخر
ولا تنطفئُ حضارةٌ حملتِ الشمسَ مصباحاً في مسيرتها.
أقتربُ من الثورِ المجنّح
ذاك الحارسِ الأبديِّ على أبوابِ الذاكرة
فأحتضنُ جناحيه وأُصغي إلى نبضِ الحجر.
أقولُ له: يا حارسَ المدنِ التي نامتْ تحت رمادِ الغزاة
هل ما تزالُ تسمعُ صهيلَ جياد ملوكِ آشور؟
هل ما تزالُ ترى مواكبَ الأبطال تعبرُ ساحاتِ نينوى؟
فيجيبني الحجرُ بلغةٍ لا يسمعُها إلا العاشقون:
إنَّ البلادَ التي تسكنُ القلبَ لا تُهدم
وإنَّ أوروك ما زالتْ تضيءُ في عيونِ أبنائها
وإنَّ دورشاروكينَ ليستْ أطلالاً صامتةً
بل قيامةٌ تتهيّأ خلفَ ستائرِ الفجر.
فأشدُّ جناحيه إلى صدري
وأشعرُ أنَّ آلافَ السنين تجري في عروقي
وأنني شجرةٌ آشوريةٌ جذورُها في عمقِ التاريخ
وأغصانُها تطرقُ أبوابَ السماء.
ثم أمضي إلى بوابةِ أدد
حيثُ الغيومُ تركعُ أمامَ سيّدِ العواصف،
وحيثُ البرقُ يكتبُ فوق جبينِ الليل وصايا النور.
أقفُ هناكَ وحيداً
لكنَّ أرواحَ أجدادي تحيطُ بي كسياجٍ من الهيبة.
فأرفعُ كفّيَّ وأصلّي: يا ربَّ هذا الكون
يا مَن وهبتَ للريحِ سرَّ الترحال
وللمطرِ رحمةَ الهطول
وللإنسانِ… وجعَ الحنين
احفظْ لي تلكَ التي حين أتناولُ القربانَ من شفتيها
تولدُ في قلبي ألفُ سماء.
احفظْ مليكةَ روحي
واجعلْ ضفائرَها مرافئَ للشمس
وعينيها نافذتينِ تُطلّان على فردوسكَ الأبدي.
واجعلْ حبّنا كنهرِ الفرات يعبرُ ممالكَ الزمان ولا يشيخ
وكالثورِ المجنّح راسخاً في الأرضِ
مرفوعَ الجناحين نحو الأعالي.
وحين أفرغُ من صلاتي
تفتحُ بوابةُ أدد مصراعيها للنور
ويخرجُ الفجرُ منها ملكاً متوَّجاً بأكاليلِ النار.
فأخلعُ عن روحي غبارَ السنين
وأعودُ إليكِ محمّلاً بعطرِ المعابد
وبأغاني الرعاة
وبحفنةٍ من ترابِ سهل نينوى
وبنجمةٍ سرقتُها من جبينِ الصباح.
أعودُ إليكِ لأجدَ الكونَ كلَّه مختصراً في ابتسامتك
والمجد نائماً تحت قدميك
وأجدني من جديد ألهو بضفائرِ الشمس
وأكرعُ الوحيَ الإلهي
وأغفو آمناً في زمهريرِ هذا العالم
بين ذراعي مليكةِ الأرض والسماء.
،،،،،،،،،،،



