المجلة الثقافية الجزائرية

موت حمامة زرقاء

قصة: منذر أبو حلتم

أنهى الشاعر قصيدته.
كان قد أمضى عشر دقائق يحفر نفقًا بين الواقع والحلم. عشر دقائق كاملة، لم يكن يسمع خلالها إلا صوته، وهو يصعد وينزل بين الكلمات، كمن يمشي في بيت قديم لا يعرف عدد غرفه.
توالدت الصورة من الصورة.
خرج الوقت من جيبه كحمامةٍ زرقاء، حطّت للحظة على حافة نافذة لم تكن موجودة، ثم طارت إلى جهة لا يعرفها أحد. تحولت المرايا إلى أشجار، والأشجار إلى مرايا تتذكر وجوهًا لم تولد بعد. كان الليل يمشي حافيًا في الممرات، وكانت امرأة من ضوء تقف عند آخر القصيدة وتلوّح بيدها لشخص لن يأتي.
حين نطق الشاعر بالكلمة الأخيرة، رفع عينيه عن الورقة.
ساد الصمت.
لم يكن صمتًا طويلًا، لكنه بدا له أطول من القصيدة نفسها.
نظر إلى الوجوه أمامه. بعضها كان منصتًا، وبعضها شاردًا، ووجهٌ في الصف الثالث كان يحدق في هاتفه تحت الطاولة، محاولًا أن يخفي الضوء بيده.
انتظر.
ثم بدأ التصفيق.
تصفيق متردد في البداية، كأن الأيدي تسأل بعضها بعضًا إن كان الوقت قد حان. ثم تصفيق آخر، أقوى قليلًا، حتى امتلأت القاعة بالأيدي أكثر مما امتلأت بالقصيدة.
ابتسم الشاعر.
لم يعرف لماذا ابتسم.
ربما لأن التصفيق، مهما كان، أفضل من الصمت. وربما لأن الإنسان حين يقف وحده أمام الآخرين يحتاج إلى شيء يعلّق عليه خجله.
انحنى قليلًا، وجمع أوراقه.
كانت الأوراق خفيفة على نحو غريب.
خرج من القاعة.
عند الباب، اعترضه ثلاثة رجال وامرأتان، بوجوه يفيض منها الحماس.
قال أحدهم وهو يصافحه بحرارة:
ـ والله يا أستاذ… شعرك حلو بيجنن.
ابتسم الشاعر.
قالت المرأة الواقفة إلى جواره:
ـ حلو كثير. خصوصًا موضوع المرايا والشجر.
تساءل الشاعر في داخله: أيّ موضوع؟
لكنها نلعثمت ولم تقل شيئًا.
وأضاف رجل آخر، كان يضع نظارة كبيرة ويبدو كأنه يعرف الشعر منذ زمن بعيد:
ـ بصراحة، الواحد لازم يسمع هيك شعر. يعني مش كل يوم الواحد بسمع كلامًا… عميق وفيه فلسفة.
هز الشاعر رأسه شاكرًا.
ثم تقدم أكثرهم اندفاعًا.
كان رجلًا ممتلئًا، أحمر الوجه، يرتدي سترة رياضية رغم أن المناسبة أدبية. وضع يده على كتف الشاعر، وربت عليه كما يربت خبير مواشٍ على حصان رابح، وقال بإخلاص لا تشوبه شائبة:
ـ شعر حلو…
توقف لحظة، كأنه يبحث عن العبارة التي تليق بما سمعه.
ثم أشرق وجهه:
ـ بصراحه شعر حلو طقع بجنن!
ضحك الرجل.
ضحكت المرأة.
وضَحِك الرجل الذي يرتدي النظارة.
حتى الشاعر ضحك.
لم يكن يعرف على ماذا يضحك، لكنه ضحك.
قال:
ـ شكرًا.
صافحهم جميعًا.
ثم مضى.
في الطريق إلى البيت، كانت المدينة تمضي إلى جانب سيارته بلا اهتمام.
إشارات المرور تتبدل.
المحلات تغلق أبوابها.
بائع الخضار يغسل الرصيف أمام دكانه.
امرأة تحمل كيسًا من الخبز تعبر الشارع مسرعة.
كل شيء كان واضحًا أكثر مما ينبغي.
نظر الشاعر من نافذة السيارة.
حاول أن يرى الحمامة الزرقاء.
بحث عنها فوق الأسلاك.
فوق الأشجار.
بين الأبنية.
لم يجدها.
قال لنفسه إن القصيدة كانت مجرد قصيدة.
وإن الرجل كان يحاول أن يكون لطيفًا.
وإن الكلمات لا ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد.
لكن الجملة ظلت معه.
“شعر حلو… طقع بجنن.”
في تلك الليلة، جلس الشاعر أمام مكتبه.
كان المصباح الأصفر يترك دائرة صغيرة من الضوء على الورقة، فيما بقيت بقية الغرفة في الظلام.
فتح دفتراً جديدًا.
أمام الصفحة البيضاء، شعر بشيء يشبه الخوف.
كتب:
“في المساء، خرجت حمامة زرقاء من جيب الوقت…”
توقف.
قرأ السطر.
كان جميلًا.
أو هكذا ظن.
ثم سمع الصوت.
“شعر حلو… طقع بجنن.”
شطب السطر.
كتب:
“كانت المرايا أشجارًا…”
توقف.
“شعر حلو… طقع بجنن.”
شطبها.
كتب:
“امرأة من ضوء…”
رفع القلم.
جاء الصوت مرة أخرى.
“شعر حلو… طقع بجنن.”
وضع القلم.
نهض.
ذهب إلى المطبخ وشرب كوبًا من الماء.
عاد.
جلس.
ظل ينظر إلى الصفحة.
حاول أن يستعيد القصيدة التي ألقاها قبل ساعات.
تذكر الحمامة.
كانت زرقاء.
متأكد أنها كانت زرقاء.
لكن كيف كان لونها بالضبط؟
أغمق من السماء؟
أم أفتح؟
هل كانت تطير أم تحلم بالطيران؟
وهل خرجت فعلًا من جيب الوقت؟
أم أن الشاعر أضاف ذلك في اللحظة الأخيرة؟
بدأ يشك في كل شيء.
فتح الدرج وأخرج الأوراق التي قرأ منها القصيدة.
قرأها مرة أخرى.
كانت الكلمات هناك.
مرتبة.
صامتة.
لا تضحك.
لا تصفق.
لا تقول شيئًا.
اقترب من النافذة.
فتحها.
دخل هواء بارد.
رفع رأسه إلى السماء.
لم تكن هناك حمامة.
فقط قمر ناقص، وسلك كهرباء، وشجرة تتحرك أغصانها في الظلام.
قال:
ـ ربما لم تكن زرقاء.
ثم سكت.
للمرة الأولى، خاف الشاعر من كلمة “ربما”.
عاد إلى مكتبه.
أمسك القلم.
حاول أن يكتب شيئًا لا يشبه قصيدته السابقة.
شيئًا بسيطًا.
واضحًا.
قال في نفسه: ربما أكتب عن رجل يشرب القهوة.
كتب:
“جلس الرجل أمام فنجان القهوة.”
تأمل الجملة.
ثم سمع الصوت.
“شعر حلو… طقع بجنن.”
مزق الورقة.
كتب:
“استيقظت المدينة…”
مزقها.
“كانت النافذة مفتوحة…”
مزقها.
“ماتت حمامة…”
توقف.
بقي القلم معلقًا فوق الورقة.
لم يشطب.
قرأ الجملة مرة أخرى.
“ماتت حمامة.”
كان يستطيع أن يكتب: حمامة زرقاء.
لكنه لم يفعل.
شعر أن اللون قد يلفت انتباه الرجل.
وأن الرجل سيظهر من مكان ما، يضع يده على كتفه، ويقول بإعجابه الصادق:
ـ شعر حلو… طقع بجنن.
أغلق الدفتر.
ثم فتحه من جديد.
أضاف كلمة واحدة:
“ماتت حمامة زرقاء.”
ظل ينظر إليها.
كانت الحمامة الآن على الورق.
وحيدة.
لا سماء حولها.
لا شجرة.
لا نافذة.
لا وقت.
لا أحد.
مد الشاعر يده إلى القلم.
أراد أن يكتب لها سماءً.
لكنه تراجع.
كان يخشى أن يسمع الصوت مرة أخرى.
أغلق الدفتر ببطء.
وفي الصمت، شعر بشيء يرفرف داخله.
شيء صغير.
أزرق.
حاول أن يمسكه.
لكنه لم يستطع.
وظل يرفرف لحظات، ثم خفت صوته.
ثم سكت.
ظل الشاعر جالسًا أمام الدفتر المغلق.
بعد قليل، أطفأ المصباح.
وفي الظلام، لم يبقَ في الغرفة سوى جملة واحدة، ترددها ذاكرته بإعجاب لا ينتهي:
“شعر حلو… طقع بجنن.”
وفي مكان ما، داخل الصفحة البيضاء، ماتت حمامة زرقاء.