المجلة الثقافية الجزائرية

“غرناطة.. آخر الأيام” رواية تعيد قراءة سقوط الأندلس

محمد مروان أبو غزالة

 

شذرات من رواية “غرناطة.. آخر الأيام”

منذ صدور رواية “غرناطة.. آخر الأيام” لكاتبها الدكتور وليد سيف، وضعتها على الرف وتهيبت قراءتها، لعلمي أنها تختتم السلسلة الروائية التي تشترك في سرديتها مع السلسلة الأندلسية التلفزيونية. وقد آثرت، قبل أن أشرع فيها، أن أنهي قراءة ما سبقها من الروايات التي تدور في عالم الأندلس.

فعلى الرغم من أنني شاهدت السلسلة التلفزيونية مرارا قبل ذلك، فإن الشكل الأدبي الروائي يختلف تماما عن الدراما التلفزيونية. ولقد وجدتني، وأنا أنكب بكلي على هذه الروايات، كأنني أقع للمرة الأولى على هذا العالم الآسر.

والآن، وبعد أن أتممت قراءة الملحمة الغرناطية، أجدني لا أزال هائما فيها، وكل ما أتمناه أن أوفق في عرض بعض مما عرض لي من أفكار وخواطر.

ما يميز رواية “غرناطة.. آخر الأيام” أن عدد الأبطال الشعبيين فيها لافت، وكلهم شخصيات أحادية؛ إذ شكلت هذه الشخصيات خط المقاومة والجهاد ضد الرومي

بين المثالية والواقعية

من يتابع أعمال الدكتور وليد سيف يعلم اهتمامه بالشخصيات المركبة الأكثر واقعية، تلك التي تنمو وتتطور وتتأثر وتتفاعل وتمر بتحولات درامية، إذ تنتهي نهاية مغايرة تماما لما بدأت عليه؛ كالمنصور بن أبي عامر، الذي أصبح متسلطا مستبدا بعد أن بدأ رجلا طيبا طموحا محاربا للاستبداد. وعلى الرغم من هذا الاهتمام، لم تخل أعماله من شخصيات مساندة ذات بعد واحد، كالأبطال الشعبيين، الذين يبقون أخيارا وأبطالا مهما كانت الاختبارات.

ما يميز رواية “غرناطة.. آخر الأيام” أن عدد الأبطال الشعبيين فيها لافت، وكلهم شخصيات أحادية؛ إذ شكلت هذه الشخصيات خط المقاومة والجهاد ضد الرومي. وقد يعزى ذلك إلى رغبة الكاتب الكبير في تخليد ذكرى هؤلاء الأبطال ذوي البوصلة الواضحة، ممن لم تتنازعهم الأهواء والأطماع، حيث استطاعوا الحفاظ على خيريتهم وبطولتهم وجهادهم، حتى ختموا حياتهم أماثل أماجد. فضلا عن كون هذا خطا أساسيا في القصة الغرناطية، وهو مما لا يمكن تجاهله.

ومما يتبدى أيضا أن هذه الشخصيات، بما مثلته من قيادة للجهاد والمقاومة، هي المثال الذي لم يستطع سائر الملوك ذوي الشخصيات المركبة، ممن تنازعتهم رغائب الخير والشر والأهواء الشخصية وشهوة الحكم، بلوغه والسمو إليه.

ولقد أظهرت الرواية كيف أن أبطالا كالعطار، والغساني، والثغري، قد أوفوا على الغاية، وأتعبوا الملوك الذين لم يستطيعوا التغلب على أهوائهم والاجتماع على كلمة واحدة، حتى في أشد الأوقات ظلمة وحلكة. فكانوا هم الأبطال والملوك العظماء على الحقيقة في ذاكرة التاريخ، وفي نظر الأندلسيين في تلك الفترة العصيبة.

إن تحقيق هذا التوازن بين الشخصيات الواقعية والشخصيات المثالية، في أي عمل أدبي، يضفي على العمل طابعا ملحميا ساحرا. والإنسان بطبعه يحتاج أن يرى المثال أمامه، وأن يسعى إلى بلوغه، وفي سعيه هذا تتحقق إنسانيته التي ستتنازعها الأهواء والشهوات من جهة، ورغبة الوصول إلى المثال من جهة أخرى. أما الواقعية الصرفة التي تتجاوز المثال، فإنها لا تسهم في رفع الإنسان والنهوض به إلا بقدر ما تزيده حيرة واضطرابا.

أما أبو عبد الله الصغير، فقد أسهب قراء الرواية في التعبير عن دهشتهم من البعد الإنساني الذي أضافه الدكتور وليد سيف إليه، ومن تبرئته مما استقر في الوعي الإسلامي من كونه العامل الأوحد لسقوط غرناطة. وفي ضوء المثالية والواقعية، ربما كان الصغير في الرواية أكثر الملوك سعيا إلى المثال، وأكثرهم مقاومة لشهواته.

كريستوفر كولومبوس

منذ أن شرعت في قراءة الرواية تساءلت: هل سأمر بشخصية كريستوفر كولومبوس في ثناياها؟ وعندما بلغت لحظة لقاء الصغير بالرسام، بت شبه متيقن من أن الرواية لن تغفل ذكر الرجل الذي كان عاملا من عوامل تشكيل العالم الجديد، والذي انطلقت رحلته التاريخية في العام نفسه الذي سقطت فيه غرناطة. لكنني، بكل الأحوال، لم أكن أتوقع أن يكون كولومبوس نفسه “ضيف شرف” فيها، وغاية ما كنت أتمناه أن تخبر إحدى الشخصيات عن تجهيزات رحلته.

لم يكن مشهد كولومبوس مشهدا عاديا، بل كان لحظة محورية شكلت نهاية غرناطة، حتى لو لم تكن قد سقطت بعد. فالسعي نحو العالم الجديد سيمحو، بالضرورة، ما تبقى من العالم القديم، حتى لو كان القصد بلوغ الهند من طريق آخر، لا اكتشاف أمريكا. ففي نهاية المطاف، استطاع كولومبوس جلب الثروات المنشودة من اكتشافه غير المقصود.

وبالمناسبة، فقد بثت الإشارة إلى التحولات في تضاعيف الرواية؛ كالإشارة إلى عصر النهضة، وإلى البدء في استخدام البندقية والمدفع في الحروب. بيد أن رحلة كولومبوس هي اللحظة المفصلية في الرواية والتاريخ سواء؛ لأنها ترجمت الحلم إلى واقع، واستطاعت استثمار النهضة والمنجزات العلمية في إعادة تشكيل العالم آنذاك.

تحفل الرواية بمشاهد وداعية عديدة على مستويات مختلفة. فمن جهة، يودع الدكتور وليد سيف سلسلته التي عاش في كنفها عقودا من حياته. ومن جهة أخرى، فهي وداع للأندلس كما أحببناها؛ وداع لحقبة ساطعة

الظروف التاريخية المحيطة بغرناطة

ومما لم تغفله الرواية أيضا أحوال العالم الإسلامي آنذاك، وأحوال العثمانيين الذين شكلوا الأمل الأخير للأندلسيين، وهذا مما يشار إليه بإكبار. فما أوردته الرواية من توضيح مقتضب لأسباب عجز بلاد الإسلام عن نجدة الأندلسيين؛ من بعد المسافة، والانشغال بالحروب المجاورة مع بلاد الروم، فضلا عن الصراعات الأخرى، يثبت، مرة أخرى، أن الدكتور وليد سيف مفكر اتخذ من الأدب ناقلا لأفكاره.

(أما ملوكها الوطاسيون الآن فلم يحوزوها من سابقيهم بني مرين إلا منذ بضع سنين، ولم تستقر لهم بعد. والقاهرة والقسطنطينية بعيدتان، وكل منشغل ببلده وصراعاته، وبنو عثمان لم يحوزوا القسطنطينية إلا منذ نحو 30 سنة، ويقارعون بلاد الروم القريبة منهم).

الوداع

تحفل الرواية بمشاهد وداعية عديدة على مستويات مختلفة. فمن جهة، يودع الدكتور وليد سيف سلسلته التي عاش في كنفها عقودا من حياته، والتي أخذنا فيها إلى عوالم شتى من البطولة، والخيانة، والأدب، والعلم، والحب، والتاريخ، والجمال الأندلسي الآسر. ومن جهة أخرى، فهي وداع للأندلس كما أحببناها؛ وداع لحقبة ساطعة، ونقطة مضيئة في تاريخنا الإسلامي المجيد، ما أضاءت وانطفأت إلا لتكون لنا درسا ونبراسا نهتدي به في الأيام الحالكات.

(كان يمشي كالمسحور، ويصطدم بالمارة، وينقل بصره في كل اتجاه، ويتسمع إلى أصداء الماضي المجيد. وما هي إلا أن محا عقله المشاهد الحاضرة، وإذا بالطرقات تعج بالمسلمين الأندلسيين بثيابهم الزاهية، ولا تسمع إلا العربية. وهذا جامع قرطبة يتزاحم المصلون وطلبة العلم على الدخول إليه والخروج منه، وبينهم بعض بني الأصفر من بلاد الروم، فيما يقع وراء جبال البرتات، ممن قدموا لتلقي العلوم هنا في جامع قرطبة).

لا أستطيع أن أختم مقالي هذا قبل أن أهمس في آذان القراء الأعزاء، وأدعوهم إلى قراءة الروايات الأندلسية للدكتور وليد سيف متتابعة؛ فهي تجربة تستحق أن تعاش، وهو عالم تستحق أرواحنا أن تهيم فيه. وإن التجربة التلفزيونية مختلفة تماما عن التجربة الأدبية، فلا تغني الواحدة عن الأخرى، مهما تشابهت السرديات.