بقلم كاثرين مازوريك
ترجمة: ناصرة صلاح
يُشكّل تاريخ الكاميرون المعاصر تحديًا للأدب الروائي. وبمزيجٍ متوازن من الحساسية والذكاء والقوة، تتألق “هملي بوم” في روايتها النابضة بالحياة “حيواتنا المتوحشة”. فبينما يُحكم نظامٌ استبدادي قبضته على السلطة بالعنف والفساد، تتشابك حياة امرأتين. قد تُؤدي كل الظروف إلى نشوب خلافٍ بينهما، لكنهما ستتحدان في نهاية المطاف.
بطلة رواية “هملي بوم” الرائعة، رغم عيوبها، تُدعى ندولو إليمبي. وُلدت في عائلة ثرية للغاية، إذ ظل والدها رئيسًا لنقابة المحامين لعقود، تمامًا كما كان حال رئيس البلاد، قبل أن يتحول لاحقًا إلى شكل سطحي من المعارضة السياسية. أصبحت هي نفسها محامية، وبعد عودتها من فرنسا، انضمت إلى شركة محاماة مرموقة متخصصة في قانون الأعمال. لكن لقاءً مع شاب ثائر خلال الانتفاضات الشعبية عام 2008 سيُحوّل محامية الأعمال اللامعة إلى مناصرة كاريزمية وعازمة لحقوق الإنسان والديمقراطية.
في بداية الرواية، تخاطب ندولو، المسجونة في ياوندي، إينو ألاكا، الذي لا يزال حب حياتها رغم فراقهما المؤلم قبل سنوات. تعيش المحامية الدولية، المعارضة الشرسة للنظام، في المنفى. ندولو، وهي أم مطلقة لطفل صغير، عهدت بتربيته إلى والدتها. مع باسكال موتاسي، صديق طفولتها الذي تزوجته كزوجها الثاني، تشكل علاقة متناقضة وغير متكافئة. سيخونها باسكال. هل ندولو مجرد شخصية “عمياء، متهورة، ومتسرعة”؟ هذا ما قد يتبادر إلى الذهن عندما تخبرها المفوضة “زينبو ندام” أن جماعة المعارضة التي تنتمي إليها في الواقع “تعج بالخيانة والفساد على أعلى المستويات”.
وُلدت “زينبو ندام” في بيئة متواضعة (والدها مُدرّس رياضيات، ووالدتها قابلة)، وهي طموحة للغاية، وتجمع سرًا بين مهامها كمفوضة شرطة ومنصبها الرفيع في مديرية الأمن الإقليمي، حيث تتولى مسؤولية كشف جماعات المعارضة والتسلل إليها، وهي مهمة تُنجزها بكفاءة عالية. صحيح أن البعض قد يقول إنها باعت ضميرها للشيطان (مع أن هذا الأمر قابل للنقاش، ولكن دعونا لا نكشف تفاصيل القصة)؛ إلا أنها عازمة على استغلال هذا المنصب لتحقيق “كاميرون أفضل لأبنائها، بالقوة أو العقل أو الدهاء”.

تنتقل القصة عبر العديد من البيئات الاجتماعية والمناطق في الكاميرون، وصولاً إلى كوخ ضائع في الغابة بالقرب من الحدود النيجيرية، حيث تستقبل جدة إينو المعالجة، ما سيدو، امرأة من قبيلة ندولو أصيبت بجروح خطيرة جراء طلق ناري أصابها في فخذها، فتعيدها إلى الحياة !
تتوافر هنا جميع عناصر التشويق السياسي، وقراءة هذه الرواية ممتعة وجذابة تمامًا كقراءة رواية تشويق ممتازة. بل إنها تتجاوز ذلك بكثير. فالتحولات السردية، الكثيرة والمفاجئة حقًا، لا تُضفي جمالًا على الحبكة فحسب، بل تُعمّقها وتُضخّم تأثيرها. يجمع البناء الأدبي المتقن بين تعدد الأصوات النسائية والسرد الخارجي في فصول تحمل عناوين باردة مثل “الخيانة”، وهي كثيرة ومتنوعة. بعد أحداث الحرب الاستعمارية العنيفة (لاحظوا إعادة إصدار دار “فوليو” مؤخرًا لرواية *Les Maquisards*، التي نُشرت لأول مرة عام 2016، للمؤلف نفسه،(هملي بوم) ونظام “أهيدجو” المدعوم من فرنسا، تُستعاد أربعون عامًا من ماضي الكاميرون القريب من خلال ذكريات “ندولو” ووالدته و”سيبورا” و”زينبو”، بالتناوب مع كشوفات تُلقي ضوءًا جديدًا على هذه الذكريات.
في “أرض الثورات الفاشلة”، التي لا يخفى سياقها وتمتد إلى حاضر واقعي وكئيب في آنٍ واحد، تحدث خلالها العديد من الأمورٌ، في خضمّ اضطراب الذاكرة الظاهر، فشل الانتقال الديمقراطي (في تسعينيات القرن الماضي)، والانهيار الكارثي لقيمة فرنك غرب أفريقيا (عام 1994)، واضطرابات عام 2008، و”العام الكارثي للسلطة في الكاميرون” (عام 2017)، وانتهاكات جماعة “بوكو حرام”، وثورة الناطقين بالإنجليزية، وعودة النزعة القبلية، وكل ما يُغذي “التفكك الخبيث للبلاد”. ويتجلى هذا في ظلّ طول فترة حكم الرئيس، الذي ظلّ في السلطة منذ عام 1982، والذي بات ظهوره العلني نادرًا لدرجة تكاد تكون خيالية، وشعره الأسود الفاحم الناعم كشعر الأطفال يُشكّل نموذجًا لشعر نظيره الخيالي الأكثر إخلاصًا، رئيس الأمن القومي المهيب،”تيودور فوكام”. كان هذا السيد المتلاعب والمعذب، الذي كان في يوم من الأيام مرشد “زينبو”، مثل والد “ندولو” الوسيم، سيفقد غروره وسلطته مع بروز القوة البديلة للمرأة.

تقدم قصيدة لأودري لورد، ترجمتها جيرتي دامبوري، مفتاحًا لفهم “حياة البطلات الجامحة”. ندولو، في المقام الأول، وزينبو أيضًا، بالإضافة إلى شقيقة ندولو، بيكا، وخاصة نساء الجيل السابق: سيبورا، التي كانت “تنضح خوفًا من كل مسامها” تحت مظهرها الأنيق، أو أرليت “ماميواتا” مبوما، رئيسة مكتب ندولو للمحاماة – امرأتان سيمنحهما الجزء الأخير من الرواية تحولات تحررية في الحبكة. أرسل إينو ذات مرة بضعة أسطر من هذه القصيدة إلى حبيبته: “أكتب لهؤلاء النساء اللواتي لا يتكلمن، […] لأنهن – نحن – مرعوبات، لأننا مطالبون باحترام الخوف أكثر من احترام أنفسنا”. وتعلق ندولو، من زنزانتها، قائلة: “هذا ما يجعل شعر أودري لورد أساسيًا”. نحن نحترم الخوف أكثر من أنفسنا؛ وندرك الترهيب على حقيقته.
“تذكري يا ابنتي، أنتِ قوية لكنكِ لستِ مطلقة القوة، ولا أحد منا كذلك”، هكذا تحذر الأم. تكمن إحدى نقاط قوة هذه الرواية الجميلة في عالمية وجهات النظر النسائية الهادئة، المُصاغة بلغة دقيقة وعميقة، حتى في شخصية زينبو، القناصة المتصلبة، التي تختبر إحساس الأمومة العميق، “كأزيز في بطنها، كقطة تخدش بابًا”. الحب قادر على درء اليأس، كما يؤكد النص المقتبس من ريهانا. وكذلك تضامن “فيلق” من النساء، اللواتي يواجهن عالمًا أبويًا في جوهره، ونظامًا سياسيًا فاسدًا، واللواتي مع ذلك ينجحن في دحض شروره.
*ترجمة خاصة بالمجلة الثقافية الجزائرية





