قراءة في كتاب «احتمالات بيضاء» للأديب المحامي الحيفاوي «حسن عبادي»
هيثم جابر أبو الخطاب
من عادتي، كلما أهداني صديق أو كاتب عملًا من إنتاجه الأدبي، أقرؤه وأكتب عنه، قراءةً تعبّر عن وجهة نظري في هذا الكتاب أو ذاك. ولا أكتب بالضرورة قراءةً نقدية، أو أُقيّم من يكتب، وإنما أكتب انطباعي ورأيي فيما قرأت.
كتب الأديب والكاتب حسن عبادي حصلت عليها من صديقي الكاتب، الإنسان والرائع، حسن العبادي نفسه، ومن خلال دعوته لي ومشاركتي في إشهار هذه الكتب، إلا أنني لم أكتب عنها مباشرة، وكنت عندما أهمّ بالكتابة عن أحد هذه الكتب أؤجل مرة أخرى، وأنتقل إلى الكتابة عن كتاب أو رواية أو عمل أدبي آخر.
والسبب في ذلك هو أنه عندما كنت أكتب عن إنتاجات زملائي الكتّاب والأدباء، كنت أكتب ما هو أمامي من نص، أكتب وجهة نظري كقارئ؛ بعضهم التقيته في حفلات الإشهار فقط، وبعضهم الآخر جمعتنا حلاوة الكلمة وجمالية اللغة.
لكن في حالة أستاذي حسن العبادي، في الحقيقة، كنت كلما هممت بالكتابة عنه أتراجع، وأستحي من نفسي ومن حروفي ومن لغتي؛ لأنني بحاجة إلى لغة أخرى ومفردات أخرى لأكتب عن حسن العبادي، الرجل الذي كان يقطع المسافات والأميال ليلتقيني وأنا داخل السجن بحكم مهنته كمحامٍ.
أيامها لم أكن أخرج لزيارة المحامين ولا أحبها؛ لأنها كانت بروتوكولية ومجرد واجب مفروض على المحامي بحكم عمله، لكن الموضوع كان مختلفًا في حالة المحامي حسن العبادي، الأديب والكاتب والإنسان.
كنت بحاجة إلى أكثر من خمسة وأربعين دقيقة، (الحد المسموح به للمحامي للقاء الأسير). عندما كنت أعرف أن القادم هو رسول الحرية، ورسول الكلمة، ورسول الشعر، حسن العبادي، كنت أستعد لهذه الزيارة كمن يستعد ليوم عرسه؛ ألبس أحسن الثياب، وبعد حمام قصير أضع العطر إن وجد، وأخرج لمقابلة القادم من بعيد.
كنت أشعر بإنسانيتي وكياني ونحن نتحدث عن الأدب، عن الكتابة وأصولها، وعن أدب السجون، وهو مصطلح لا أحبه ولم أحبّه، حتى وضع له حسن العبادي، الأديب والإنسان، اسمًا آخر أعجبني كثيرًا، وهو «أدب الحرية»، مما أشعرنا بإنسانيتنا وكينونتنا ككتّاب وأدباء داخل السجون.

تحررت، والتقيت الأستاذ حسن وزوجته الرائعة «سميرة العبادي»، التي كان لها فضل كبير في معرفتنا بالأستاذ الكبير حسن العبادي.
قرأت ما كتبه الأستاذ حسن من أعمال أدبية وكتب توثيقية، وثّق فيها كل لحظة التقانا فيها حسن الإنسان، من خلال كتبه: «يوميات الزائر والمزور»، و«زهرات في قلب الجحيم»، و«احتمالات بيضاء».
كذلك قرأت الكتب التي أشرف وساهم في إخراجها إلى النور، مثل «أسرى يكتبون»، الصادر عن رابطة الكتّاب الأردنيين، وكتاب «حروف على جدران الأمل»، الصادر عن دار كل العرب للطباعة والنشر ـ باريس.
وها أنا أقرأ مجموعته القصصية القصيرة «على شرفة حيفا»، والتي ستكون لها أيضًا قراءة تستحق هذا العمل الرائع والكبير.
لكن اليوم قررت أن أستجمع كل لغتي، وأن أجمع كل الحروف، وأضع خجلي أمام كلمات وإنسانية هذا الكاتب المبدع والإنسان، وأن أكتب عن عمل ربما كنت أحد صفحاته وموضوعاته.
كتاب «احتمالات بيضاء»، الصادر عن دار الرعاة للنشر والتوزيع وجسور الثقافية للنشر والتوزيع، تم إشهاره في أماكن عدة، منها مؤسسة محمود درويش، حيث حضره العديد من الكتّاب والمفكرين.
يتحدث الكتاب عن مجموعة إصدارات لأسرى كتبوا جلّ إنتاجهم الأدبي داخل الأسر، وأنا واحد منهم. تناول الكتاب قراءات لهذه الكتب المنشورة، والتي أشرف وساعد الأستاذ حسن العبادي على إخراجها إلى النور، لتلامس عنان الحرية، وتجعل من الأسير المعذّب المقهور إنسانًا يمارس إنسانيته، ويخرج من دائرة الأرقام الجامدة المكفهرة.

تناول الكتاب دراسات وإنتاجات أدبية من قصص قصيرة ورواية، في عدة مؤتمرات أدبية لدعم أدب الحرية، نظّمها الأستاذ حسن العبادي في مختلف دول العالم وشارك فيها، مثل المؤتمر الأوروبي لمناصرة الأسرى الفلسطينيين، حيث كتب العديد من الكتّاب قراءاتهم النقدية والأدبية لهذه الإنتاجات القيّمة، التي توثّق أحيانًا الحياة داخل الأسر، إضافة إلى أنها كانت إنتاجات أدبية تحلّق بالأسير إلى فضاءات العالم الحر، ليكون إنسانًا بكامل إنسانيته.
فتناول أعمال الشهيد وليد دقة، الذي ارتقى داخل الأسر ولا يزال جثمانه معتقلًا حتى اللحظة.
فكانت الاحتمالات البيضاء تتحقق بعد أن أُفرج عن العديد من الأسرى الكتّاب، وكان اللون الأبيض سيد الموقف، ولون حمامة السلام التي هي حلم كل كاتب وأديب ومفكر، وكانت رمزًا للنقاء والطهارة والعذرية والبراءة.
بعنوان الكتاب كانت صفة الكاتب الذي بذل من جهده ووقته لخدمة هذه القضية دون مقابل، بل حورب هذا الرجل واتُّهم بالعمالة بسبب اهتمامه، لأنه كان يحرج الكثيرين ويعرّي تقصيرهم تجاه قضية مقدسة مثل قضية الأسرى.
توقف الكاتب عند اثنين وستين مؤلفًا لأسرى داخل السجون، وتم تسليط الضوء عليها بالنقد والتحقيق والتمحيص، حيث كتب العديد من النقاد دراسات ومقالات نقدية بحجم هذه الإنتاجات.
حاول الكثير من النقاد التهاون في نقد الأسير وعمله الأدبي نتيجة ظروف الأسر أحيانًا، وبدافع الشفقة والرأفة بالأسير لأنه أسير أحيانًا أخرى.
وكنت أناقش الأستاذ حسن في هذه المسألة، طالبته مرة أن يكتب عنا، وأن يحكم على كتاباتنا بما نكتب، وكما تتم الكتابة عن إنتاجات محمود درويش وغيره من الكتّاب الكبار، لا لكوننا أسرى، ولا نريد أن يُنظر إلينا بعين الشفقة.
واستعرضت مقولة محمود درويش: «أنقذونا من هذا الحب القاسي».
لأننا لا نريد أن نكون عالةً على الأدب. أنا لا أحب التجزئة والتقسيم والتفكيك في الأدب؛ الأدب هو الأدب. لا أدب نسوي، ولا أدب سجون، ولا أدب منفى. نحكم على نص الكاتب من خلال ما ينتج، وليس لكونه أسيرًا أو أنثى أو موجودًا في المنفى.
كتاب «احتمالات بيضاء» من الكتب المهمة والرائعة التي أخرجها الأستاذ حسن إلى النور، ووضع هذه الإصدارات بين يدي العالم الحر، وبين يدي كبار الكتّاب والأدباء والعظام، وهو الكبير والعظيم.
وقد صدر للكاتب والأديب المحامي حسن العبادي العديد من الكتب والإصدارات الأدبية، آخرها «أعطني فنًّا لنجعل الحياة ممكنة».





