المجلة الثقافية الجزائرية

البطل المُتوّج ثلاث مرّات يكشف أسراره

غابرييل غارسيّا ماركيز

ترجمة وضّاح محمود

مقدّمة المترجم

في العام 1955، أحرز رامون أويّوس بايّخو لقب بطولة كولومبيا في سباق الدرّاجات للمرّة الثالثة على التوالي، فنال شهرة واسعة، وأصبح رمزًا رياضيًّا كبيرًا وأيقونة شعبيّة في بلاده.

وبُعَيْدَ إحرازه اللقب بأسبوعين، مثل أمام رئيس الجمهوريّة، الجنرال غوستابو روخاس بينيّا، وتسلّم منه شخصيًّا كأسًا تذكاريّة تزن اثني عشر كيلوغرامًا ونصف. آنذاك، كان غابرييل غارسيّا ماركيز مجرّد شابّ يعمل صحافيًّا لصالح صحيفة الاسبكتادور، فكلّفته إدارتها بإجراء لقاء مطوّل مع البطل المتوّج ثلاث مرّات.

كان البطل معروفًا بتحفّظه الدائم على إجراء المقابلات الصحافيّة، لكنّه قبل عرض ماركيز بسهولة هذه المرّة. ولاحقًا أثبتت له الأيّام أنّه أصاب في قبوله. أتى الحوار المطوّل في أربع عشرة حلقة، شكّلت سيرة ذاتية للبطل، حرّرها ماركيز ونُشِرَتْ أوّلًا في الصحيفة المذكورة، ثمّ جُمعتْ لاحقًا في كتاب. وهي سيرة “أتت نقلًا عن لسان البطل، ودُوّنتْ بضمير المتكلّم المفرد، وفيها حافظ المحرّر، قدر المستطاع في هذا النوع من الكتابة، على النكهة والمفردات التي روى بها البطل روايته. امتدّت المقابلات معه خمسة أيّام متتالية، بمعدّل خمس ساعات يوميّا، تخلّلتها بعض الاستراحات. كان البطل يتكلّم أثناء المقابلة، والمحرّر يرشده في كلامه، طالبًا إليه أن يكون أوضح في روايته أو أدقّ، وذلك وفقًا لما تقتضيه لحظة السرد.”

يُعتَبر هذا العمل وثيقة نادرة تغوص في أعماق نفسيّة البطل الجماهيري، وتُبرز نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين، وكذلك إلى الحياة في مناحيها المختلفة، مثل الشهرة والمال والحبّ والكراهية وغيرها. إضافة إلى ذلك، يمكن اعتباره أيضًا بمثابة رحلة في التاريخ، تعيد القارئ إلى ماضي كولومبيا في أواسط الخمسينات. وأخيرًا يظلّ هذا العمل شاهدًا حيًّا على ألمعيّة صاحبه في العمل الصحافي ومضاء قلمه في الكتابة، وهو لا يزال في البدايات، وقبل أن يغدو بعد سنوات أحد أعظم كتّاب القرن العشرين.

نشير أخيرًا إلى أنّنا ترجمنا فصول الكتاب جميعها عن الإسبانيّة، كما وردت على موقع صحيفة الاسبكتادور الكولومبيّة، ما عدا الفصلين الثاني والسابع، فقد اضطُررنا لترجمتهما عن الفرنسيّة – تُرجم الكتاب إليها مؤخّرًا- لتعذّر الوصول إليهما بالإسبانيّة.

الفصل الأول

دولابي الأوّل

في التاسع من شباط من العام 1939 أتى إلى المدرسة الريفيّة في قرية تشورّو أوندو -على مسافة عشرة كيلومترات من مدينة مارينيّا الواقعة في مقاطعة أنتيوكيا- وَلَدٌ عمره سبع سنوات، قادم من الجبال، خجول، متشرّب بالطين، ويقطر ماء وسخًا من ملابسه كلّها. لم يكن ذلك الطفل أحدًا سواي، أنا رامون أويّوس بايّخو، وذكرى يوميّ الأوّل في تلك المدرسة هي أبعد ذكرى هاجعة في مخيّلتي: مدرسة مطليّة بالأبيض، تقع وسط أشجار البرتقال النضرة، أوصلني إليها أخواي الأكبر منّي، خوان دي ديوس -الذي يمتلك مقهى الآن- وخوسيه الذي يعمل سائق تاكسي حاليًّا. اصطحباني إلى المدرسة بناء على إصراري أنّ الوقت حان كي أتعلّم القراءة والكتابة، في حين لم يكد يمضي وقت طويل على تعلّمي المشي. وفي صباح هذا اليوم تحديدًا حدث أن اجتاحتني رغبة عارمة لا تُقاوم في أن أسجّل رقمي القياسيّ الأوّل: ونحن في الطريق إلى المدرسة، حاولتُ أن أقفز فوق أحد الجداول -بعد أن عبرتُ الجسر الصغير- فسقطتُ في الماء وكلّ ساق من ساقيّ في جهة.

خطاياي الأولى

تلك السقطة -التي أعتبرها أوّل حادث في حياتي- نَجَمَتْ عن ميلي إلى أن أمشي دائمًا بسرعة زائدة، وهو ميل متأصّل فيّ، يثير في نفسي البهجة ولا أستطيع كبحه. منذ ولادتي بدأتُ أمشي بسرعة زائدة، حتّى إنني لا أستوعب كيف لم أكن أكبر إخوتي في عائلتنا. ويوم توجّهت إلى المدرسة للمرّة الأولى، من دون أن أكون قد بلغت السنّ النظاميّ لذلك، ثمّ حاولت القفز فوق الجدول، من دون أن أمتلك القوّة اللازمة أو الطول الكافي لذلك، لم أكن قد أكملت عامي السابع بعد، لكنّي كنت قد أصبحت مسيحيًّا وأنعم بثلاثة أسرار: سرّ المعموديّة، وقد تلقّيته بعد يومين على ولادتي، ثمّ سرّا الاعتراف والمناولة الأولى. لا أتذكّر أمر الاعتراف جيّدًا، لكنّي أتذكّر أنّ من اعترفتُ له بخطاياي الأولى وأنا ابن أربع سنوات ونصف، كان الأب تورو، وهو خوريّ رؤوف وقويّ البنية، أصله من مدينة مارينيّا. بالطبع لا أتذكّر أيًّا من هذه الخطايا الآن، بل ولا يمكن لي أن أتصوّرها.

“الأب أويّوس” 

ولدتُ في 26 أيّار 1932، في ناحية موحشة من نواحي مارينيّا، اسمها لاكوتشيّا، وذلك في مزرعة جدّتي لأبي. وسمّيت رامون على اسم جدّي لأبي. وهناك في المزرعة عاش والداي حتّى بُعَيْدَ ولادتي بفترة قصيرة. وحينها اشتريا مزرعة في ناحية تشورّو أوندو، فيها بستان وحظيرة للخنازير وقنّ للدجاج، فعملا بزراعة الموز والذرة وتربية الحيوانات. لا أتذكّر شيئًا فعلته قبل أن أذهب إلى المدرسة للمرّة الأولى، إلّا أنّني أتذكّر تمامًا ما حدث بعد ذلك: كانت المعلّمة دونيا آنا أربِلايِث تعيش في المدرسة فتعتني بالأولاد وبأشجار البرتقال في الوقت نفسه. أهدتني علبة أقلام للتلوين “كي أتعلّم الرسم وأصبح رسّامًا”. غير أنّي كنتُ ماضيًا في طموحي إلى ما هو أسمى من ذلك: كنتُ أريد أن أصبح خوريًّا، مثل الأب تورو.

أهمّيّة معرفة الحساب

أمضيتُ في المدرسة الريفيّة عامين، ولم يكونا عمليًّا سوى عام واحد، لأنّنا نحن الصبيان لم نكن نلتقّى الدروس إلّا في الصباح. عانيتُ كثيرًا في استيعاب الكتابة، لا سيّما الإملاء، فهو لا يزال حتّى اليوم مصدر قلق لي. أما التربية الدينيّة -إذ كنت راغبًا في أن أصبح خوريًّا- فلقد وجدتُ سهولة فائقة في تعلّمها؛ فيما كنتُ -إذا ما نحّينا التواضع جانبًا- أفضل التلاميذ في مادّة الحساب. اليوم فقدتُ مهاراتي في المادّة الأولى، لكنّها تطوّرت في الثانية بالممارسة، حتّى إنّني أستطيع الآن أن أجري الحسابات الذهنيّة بسهولة ملحوظة، لا سيّما حسابات الزمن والسرعة، وعمليّات النسب المئويّة. ففي بضع دقائق وأنا على متن درّاجتي، أستطيع أن أحدّد ترتيبي بدقّة في السباق، من دون الاستعانة بقلم وورقة.

فيما مضى، أبطأ مرّتين وبلا حذاء

منذ التاسعة من عمري وأنا أقطع المسافات. في ذلك السنّ تسجّلتُ في مدرسة مارينيّا، لأنّني كنت متقدّمًا جدًّا في مستواي على مدرسة القرية الريفيّة. كانت تلك المرحلة أوّل مرحلة تدرّب في حياتي، وذلك قبل أن أعرف ما هي الدرّاجة بكثير، بل وقبل أن أعرف أنّ بوسع الإنسان أن يسير على دولابين. كان عليّ أن أقطع ثلاثة كيلومترات يوميًّا مشيًا على الأقدام، وذلك منذ السادسة صباحًا، وعلى درب باردة، وعرة، موحشة. في البداية، كنت أستغرق أكثر من ساعة كي أصل من بيتنا إلى المدرسة الضخمة التي تشغل كتلة كاملة من البناء في مارينيّا. الآن، بظروفي الراهنة أحتاج إلى إحدى وثلاثين دقيقة كي أقطع بدرّاجتي هذه المسافة بوضعها السابق نفسه، هذا إن لم ينثقب الدولاب أربع مرّات، ويتكسّر رأسي بحجارة الطريق.

دولابي الأوّل

وبهذا التبدّل لم تتبدّل ميولي: ما برحتُ أستوعبُ مادّتي التربية الدينيّة والحساب، وما فتئتُ أعاني في الكتابة والإملاء. إلّا أنّ مشكلة أخرى صارت تواجهني الآن: مادّة التاريخ. إذ كنت أعاني صعوبة في التمييز بين بوليفار وسانتاندير اللذين عُلّقتْ صورتاهما في الصف على الجدار، إلى جانب صورة ضخمة لدونيا سيمونا دوكي، المربّية الشهيرة في مارينيّا. كان المعلّم دون ميغيل ريبيرا رجلًا نحيلًا وصبورًا وودودًا، فاستذكر تلك الحقبة منذ بضع سنوات، حينما حقّقت انتصاراتي الرياضيّة الأولى، ودعاني إلى مأدبة أقامها على شرفي في مارينيّا، ألقى خلالها كلمة مؤثّرة.

لم تدُمْ طويلًا المهمّة اليوميّة في قطع الكيلومترات الستّة، ذهابًا وإيابًا، ذلك أنً والديّ انتقلا من مزرعة تشورّو أوندو إلى منزل آخر في مارينيّا. لكنّي في ذلك الحين كنت قد صرت قادرًا على قطع ثلاثة كيلومترات بما يقارب النصف ساعة، لا على دولابين كما بوسعي أن أفعل الآن، إنّما خلف دولاب واحد فقط: كنت قد اشتريت طارَة ورحت أدحرجها أمامي كلّ يوم وأنا ذاهب إلى المدرسة. كان ذلك دولابي الأوّل.

في البدء كانت الحقيقة

كان الأوّل فعلًا، غير أنّ الثاني لم يتأخّر في المجيء كثيرًا. في مارينيّا وعلى طريقي من منزلنا إلى المدرسة، ثمّة شارع ضيّق، وعر، شديد الانحدار. وفيه لم أكن أستطيع التحكّم بالطارة. فخطر في بالي أنّه مكان مثاليّ كي أنزل فيه بإحدى العربات الخشبيّة، ذات الدواليب الأربعة، والتي ينقل بها الحمّالون البضائع في مارينيّا. ترسّخت الفكرة في ذهني، فضحّيت بالسنتافات التي تصلني يوميًّا لإنفاقها في استراحة الظهيرة في المدرسة، ووفّرتها بانتظام؛ وأخيرًا أفلحت في الحصول على مساعدة أمّي في إكمال المبلغ حتّى وصل إلى بيسوَين اثنين، فصنع لي العربة نجّار، نسيت اسمه الآن.

في الصحف يُقالُ إنّني ماهر في الصعود، ويُسلَّمُ بداهة بأنّني أخسر في النزول؛ مع ذلك فإنّ أوّل عهدي بالسرعة بدأ في النزول، حينما كنت أهبط متّجهًا إلى المدرسة بتلك العربة الخشبيّة، المخلّعة، البدائيّة. اليوم، وبالدرّاجة، لا أستطيع أن أبلغ السرعة التي كنت أهبط بها كلّ صباح بالعربة نحو المدرسة، حيث يقول لي المعلم ريبيرا: “تذكّر يا رامون، أنّ كثرة السبق تسبّب التعب”.

الضربات تعلّم

لم أتعرّض لأيّ حادث، خلال السنوات التي كنت أنحدر فيها نزولًا في الشوارع، راكبًا تلك العربة التي منحتني نشوة السرعة للمرّة الأولى. وذلك على العكس من مسيرتي في عالم الدرّاجات التي حفلت بالحوادث، أكثر بكثير من الانتصارات. وعمليًّا، فإنّ العربة الوحيدة التي لم أتعرّض بها لحوادث هي عربة بثلاث عجلات: لم يُتَحْ لي أن أمتلك إحداها في طفولتي، وحينما تمكّنت من ذلك لاحقًا، كنت قد كبرت على ركوب هذا النوع من العربات.

قبل يومين من تأهّبي للسفر إلى باريس من أجل المشاركة في بطولة فرنسا لسباق الدرّاجات، كدتُ أن أُقْتَلَ على طريق انفيغادو، إذ تحطّمت أمامي شاحنة بعد اصطدامها بشاحنة أخرى. وقبل يومين من سفري إلى كالي في العام الماضي، من أجل المشاركة في دورة الألعاب الرياضيّة الوطنيّة، ضمن فريق القوّات المسلّحة، أُصِبْتُ بكسور في الجمجمة وفي يديّ الاثنتين، وذلك في حادث على درّاجة ناريّة. وحينما كنّا في الطائرة مسافرين من باستو إلى بوبايّان، للمشاركة في الدورة الأخيرة من سباقات كولومبيا، تعطّل أحد محرّكات الطائرة في الأجواء، فهبطنا هبوطًا اضطراريًّا. وعن هذه الحوادث سوف أتحدّث بإسهاب في سياق هذه المقابلات. غير أنّ ما يهمّني الآن هو أن أبيّن أنّ حياتي لم تكنْ سوى سلسلة طويلة من الحوادث. أمّا اليوم، فلديّ سيّارة مكشوفة، خضراء اللون، تحمل نمرتها الرقم 2993، وهي مسجّلة في ميديّين، أقودها بحذر شديد، وبسرعات عاديّة، لأنّني أعرف جِبِلّتي المفطورة على ارتكاب الحوادث. مع ذلك، فإنّ أصدقائي يؤكّدون لي أنّني أقود السيّارة كما لو أنّها درّاجة.

لم يكن الذنب ذنبي

ما من شيء في هذه الدنيا أحبّ إلى قلبي من درّاجاتي. وحينما كنت أعيش في مارينيّا، وأنا ابن أحد عشر ربيعًا، لم يكن حبّي لأيّ شيء يضاهي حبّي لعربتي الخشبيّة. كنت أدهنها وأزيّنها بكلّ أنواع الزينة وأصونها فأحفظها في أحسن حال، كما لو كانت سيّارة للسباق.  بعد ذلك، بدأت العربات تكثر في مارينيّا، ثمّ انتشرت فيها وعمّت خلال بضعة أشهر: اشترى العديد من رفقائي في المدرسة عربات مماثلة، فصرنا كلّ يوم، صباحًا وظهرًا ومساءً، نهبط معا عبر شوارع المدينة وسط القرقعة المدويّة التي تحدثها الدواليب المقدودة بالسكين. لم أصبح قطّ بطلًا في تلك المسابقات، بسبب العقبة نفسها التي حالت بيني وبين أن أصبح بطلًا في سباقات الدرّاجات إلّا بعد مضيّ زمن طويل: لم تكن العربة تساعدني. وفي الواقع لم أستطع اقتناء درّاجة جيّدة وبمواصفات ملائمة إلى أن شاركت في الدورة الثالثة من سباقات كولومبيا.

وداعًا مارينيّا

إنّ استعجالي للوصول إلى مكان ما جعلني أفكّر في العام 1942 بترك المدرسة كي أنتقل إلى ميديّين. فهناك كان أخواي الكبيران، يعملان في محلّ سان إغناسيو لبيع المثلّجات -وهو محلّ لا يزال قائمًا حتى اليوم عند تقاطع شارعي أبيخورّال وبومبونا- وفي ذلك الوقت كان يملكه دون بيدرو نيل ريستريبو. بدا لي أنّ أخويّ نالا حظوة كبيرة بوجودهما هناك، ولم يبقَ عليّ سوى أن أترك المدرسة وأركب أيّ مركبة تسير على دولابين، فألحق بهما إلى محل بيع المثلّجات في ميديّين. ولو كان الطريق إلى مارينيّا سهلًا ومنبسطًا أو فيه شيء من الانحدار، لركبتُ من دون شكّ عربتي الخشبيّة وانطلقتُ بها. آنذاك لم أكن أرغبُ بفعل أيّ شيء آخر، لكنّي ولسوء الحظّ لم أكن أمتلكُ في تلك الحقبة من حياتي أيّ عربة تصلح للصعود.

في أقلّ من عامين -والآن لا أعلم لماذا- نسيتُ أنّني، حينما كنت في مدرسة تشورّو أوندو، كنت أرغب في أن أكبر بسرعة كي أصبح خوريًّا.

هكذا بدأت الأمور

إنّ مارينيّا اليوم ناحية كبيرة ومزدهرة، يبلغ عدد سكّانها 16000 نسمة وتُرى فيها درّاجات كثيرة. لكنّي في العام 1942، حينما كان عمري عشر سنوات- اثنتان منها عشتهما فيها- لا أتذكّر أنّني رأيت في شوارعها أيّ درّاجة. غير أنّه في ذلك العام أتى إلى المدينة رجل غريب عنها، بدين وأشقر، عُرف باسمه الأول، خوان دي لا كروث، وذلك من دون كنيته. هذا الرجل افتتح محلًّا تجاريًّا مثيرا للغرابة: تأجير درّاجات، والربع ساعة بعشر سنتافات. كان في محلّه أربع درّاجات سياحيّة قديمة، مرمّمة بأسلاك معدنيّة. أتذكّر أنّني مرَرْت بمشغله عدّة مرّات ورأيت المركبات العجيبة ذات الدولابين، لكنّي أتذكّر أيضّا أنّني ظننتُها قطعًا من مركبات أخرى أو من سيّارات مفكّكة. لم يخطر ببالي قطّ أنّه يمكن للمرء السير على مركبة بدولابين.

ما هذه المركبة الغريبة؟

وفي مساء أحد الأيّام، كنت عائدًا من المدرسة، في الساعة الخامسة والنصف جريًا على عادتي، وأنا على عربتي الخشبيّة ذات الدواليب الأربعة، فرأيت مشهدًا أصابني بالجمود ولم تصدّقه عيناي: مرّ أحد الأولاد في الشارع وهو جالس بارتياح على مركبة بدولابين، وأخذ يهبط نزولًا وهو سعيد من دون أن يبذل أيّ جهد. بدا لي ذلك أمرًا لا يُصدّق.

أصابتني الدهشة، فأوقفت عربتي ورحت أتأمّل لحظة تلك المركبة التي تدور عجلتاها حول المحورين دورانًا سريعًا من دون أن تفقد توازنها. بعد قليل تجاسرت وسألت الولد:

-كيف تسيرُ بهذه المركبة ولا تسقط؟

فأجابني:

-هذا سرّ لن أبوح به إليك.

في تلك الليلة، وأنا لم أستفق بعد من دهشتي، أوضح لي أحدهم أنّ هذه المركبة العجيبة هي الدرّاجة الهوائيّة.

ملاحظات المحرّر

خمسة أيّام من المحادثة

إنّ الانطباع الذي يعطيه رامون أويّوس، لدى رؤيته أوّل مرّة، هو أنّه شابّ ضعيف البنية وذو طبع جافّ. إلّا أنّ المحاور بعد ساعات قليلة معه، إذ ينكسر الجليد وتعمّ الثقة، يكتشف أنّه على العكس من ذلك تمامًا: له جسد نحيف لكنّه صلب، وعضلاته بارزة ومفتولة بشكل عجيب. أمّا طبعه فرقيق وودود وحارّ مثل أهل الريف في أنتيوكيا. “في بعض الأوقات، يبدو جافًّا، حتّى إنّه يكاد يكون عنيفًا”، قالت عنه مؤخّرًّا إحدى الصحف. ثمّ أضافت: “وهيهاتُ له أن يكون لطيفًا”. كان ذلك أحد التعليقات الصحافيّة القليلة التي أثارت استياءه. وحول ذلك يقول موضحًا: “حينما أُجرِيَ هذا الريبورتاج عني، كنت في اليوم الأوّل من أيّام الراحة في ميديّين، خلال الدورة الخامسة من سباقات كولومبيا. كنت متعبًا وأضعتُ يوم راحتي بأكمله في تلك المقابلة”.

أسباب لسوء المزاج

في حقيقة الأمر، إنّ رامون أويّوس رجل وديع مع الصحافيّين، وهو فائق الودّ مع أصدقائه والمُعجبين به. “الآن، أنا أكثر لطفًا معهم -يقول- حتى لا يزعجوني بتقوّلهم أنّ الانتصارات كبّرت من رأسي”. مع ذلك، فخلال خمسة أيّام متتالية استغرقتها هذه المقابلات التي يبدأ نشرها اليوم، اضطُرِرْنا أن نحتجزه في مكتب المرشدة الاجتماعيّة في معمل كولتيخر للنسيج، السيدة العطوفة اللطيفة غابرييلا أربوليدا، وذلك كي نتمكّن من إبعاده عن عيون المعجبين وفضولهم. كان إجراء المقابلة في منزله أمرًا مستحيلًا: ليس فيه مجال للحياة الخاصّة. فحول المنزل يطوف طوال اليوم درّاجون صغار وناشئون، طلبًا لبعض الإرشادات من المعلّم رامون أويّوس. أما داخل المنزل، ففيه جمهرة دائمة من الحجيج المعجبين به، والراغبين في مشاهدة الكؤوس والميداليّات. وإن غفلتْ عينا رامون لحظة، وسط زحام الغرباء الذين يذرعون أرجاء المنزل، اختفى أحد الكؤوس أو الميداليّات. وهذا الحال يدوم اثنتي عشرة ساعة يوميًّا، ولا يمكن لرامون أويّوس أن يسيطر عليه إلّا بقفل غرف منزله كلّها وحمل المفاتيح في جيبه. ولذا فإنّ الغرف كلّها تُقفل بالمفتاح حينما لا يكون في المنزل، والصالون الصغير الذي يتغطّي أحد جدرانه بعلم كولومبيا، يغصّ بالمعجبين الذين ينتظرون قدومه كي يريهم الكؤوس والميداليّات. أثناء إجراء هذه المقابلة، انتظرتْ إحدى العجائز ثماني ساعات كي تقابل البطل، وذلك بعد أن قَدِمَتْ من مدينة سونسون إلى ميديّين.

من يستطيع العيش هكذا؟

في ميديّين، حيث الناس جميعًا يعرفونه، لا سيّما الأطفال والنساء، لا يمكنه أن يوقف سيّارته في أيّ شارع من شوارع وسط المدينة، لأنّ المعجبين به يمنعونه من متابعة السير. وحينما يتوقّف على شارات المرور، يحيط به الشبّان وهم على درّاجاتهم ويحاولون التحدّث إليه. وفي أيّ لحظة أينما يحلّ بين الناس، يتكرّر المشهد نفسه تمامًا. مع ذلك فإنّ رامون أويّوس لا يتذمّر ولا يتأفّف، بل يمضي وهو يشقّ طريقه وسط جمهور المعجبين، وينصرف إلى الاهتمام بمشاغله الشخصية الكثيرة. أمّا فيما يخصّ الطعام، فلا بدّ له من إخلاء المنزل من الزوّار كي يتمكّن من تناوله. وفي ساعات الليل يُقطع نومُه بألحان وأناشيد شاعريّة آتية من الشارع. ومنذ أن بدأ رامون أويّوس يصبح نجم سباق الدرّاجات الأوّل على المستوى الوطنيّ، لا يتذكّر أنّه نَعِمَ فعلًا بلحظة واحدة من الراحة أو العزلة، ما خلا الأوقات التي يتفرّغ فيها لتحضير نفسه للمسابقات. وبالتالي فإنّ مودّته الدائمة تجاه الجميع ليست عفويّة تمامًا. ولديه من الأسباب ما يكفي كي يكون سيّء المزاج، لكنّه لا يتذكّر لحظة أنّ صوته علا في وجه المعجبين به، مع أنّه يتعرّض لإزعاجهم بشكل رهيب. وهذا لا يمكن إلّا أن يُعتبر مؤشّرًا على حسن تحكّمه بطباعه ودليلًا على سلامة أخلاقه الأصيلة فيه.

ذاكرة عجيبة

يعبّر رامون عن نفسه بسلاسة ويسر، وإن كانت طريقته في ذلك بسيطة. غير أنّه يتمتّع بذاكرة مذهلة ومثيرة للدهشة، لاسيّما فيما يتعلّق بالأحداث المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمسيرته الرياضيّة. ما من فعلٍ خيّرٍ أو شرّير حاول أحدهم أن يوجّهه إليه إلّا ويتذكّره بدقّة. وفي حالة فعل الخير يبدو ممتنًّا لأصحابه، ويصرّ على ذكرهم في هذه المقابلة. وفي حالة فعل الشر، لا يبدو حاقدًا، إنّما قاسيًا لا يرحم في طريقة تذكّر فاعليه.

خلال الساعات الأولى من هذه المقابلات كان رامون أويّوس متحفّظًا وصعب المراس. إلّا أنّ الحماس دبّ فيه فيما بعد، وأبدى حرصه على ألّا ينسى أيّ تفصيل، فكان بالتالي صريحًا، واضحًا، صادقًا، ويوحي بأنه لم يخفِ عنّ المحرّر أيّ شيء. وحينما تعثّر مرّة في ذكر تفصيل جوهريّ متعلّق بحياته الخاصّة، ولم يكن يشأ مع ذلك أن يراه منشورًا في الصحف، توسّل إلى المحرّر بضرورة إغفاله ونسيانه، لكنّه عاد وأوضح له ماهيّة هذا التفصيل. لقد يسّر هذا الظرف عمل المحرّر بشكل ملحوظ، حتّى إنّه يمنحه الحقّ في التأكيد أنّ سيرة رامون أويّوس الذاتيّة -مثلما رواها وأُعيدَتْ صياغتها الصحافيّة- أتتْ، بهذا المنحى، على أكمل وجه ممكن.

الرواية بذكر الأسماء

لم يطلب رامون أويّوس إغفال أي اسم من أسماء الأشخاص الذين تحدّث عنهم، حتّى المشاهير منهم. فغالبيّة هؤلاء ساهموا في إنجاح مسيرته الرياضيّة. أمّا بعضهم الآخر، لا سيّما من زملائه الدرّاجين، فلقد حاولوا عرقلتها وإفشالها. ارتأى البطل المتوّج ثلاث مرّات أنّه لا بدّ من ذكر هذه الأسماء وأفعالها في سيرته الذاتيّة، كي تكتمل وتكتسب مصداقيّة أكبر.

تأتي سيرة البطل الذاتيّة نقلًا عن لسانه، مدوّنة بضمير المتكلّم المفرد، وفيها حافظ المحرّر، قدر المستطاع في هذا النوع من الكتابة، على النكهة والمفردات التي روى بها البطل روايته. امتدّت المحادثات مع البطل خمسة أيّام متتالية، بمعدّل خمس ساعات يوميّا، تخلّلتها بعض الاستراحات. كان البطل يتكلّم أثناء المقابلة، والمحرّر يرشده في كلامه، طالبًا إليه أن يكون أوضح في روايته أو أدقّ، وذلك وفقًا لما تقتضيه لحظة السرد. اسْتُعملت في المجمل أثناء المقابلات اثنتان وخمسون ورقة بيضاء لتسجيل الملاحظات، وشُرِبَ تسعة وعشرون فنجانًا من القهوة، لم يكن للمحرّر نصيب في أيّ منها. أما حساب السجائر فلقد ضاع، ذلك أنّ المحرّر كان يشعل سيجارة تلو الأخرى؛ فيما كان رامون أويّوس في فترة الراحة هذه يدخّن وسطيًّا ثماني عشرة سيجارة كلّ يومين.

إيضاحات حول الأيّام الخمسة

في أوقات الاستراحة، كرّس رامون أويّوس نفسه لمشاغله الشخصيّة، مستخدمًا سيّارته المكشوفة. فرافقه المحرّر في هذه المهمّات التي استغرقت ثلاث ساعات تقريبًا كلّ يوم، وذلك على مدار الأيّام الخمسة التي أمضياها معًا. في تلك اللحظات جرى الحديث معه حول حياته الشخصيّة حصريًّا، لكن المحرّر لم يسجّل ملاحظاته، ذلك أنّ هذه الأحاديث لن تدخل ضمن السيرة الذاتيّة للبطل، إنّما تبقى جزءًا من انطباعات المحرّر الشخصيّة التي ستُنْشَرُ منفصلة على شكل ملاحظات ملحقة بكل فصل. وهذه هي ملاحظاته الأولى.

إضافة إلى ذلك، سوف تُعرض في هذه الملحقات الجانبيّة آراء بعض الدرّاجين الآخرين، في مقابل آراء أويّوس المعروضة في متن سيرته. وهنا أيضًا سوف تُنشر انطباعات الجمهور، وكذلك آراء المدرب الأرجنتيني الطريف المحبّ للكلام، خوليو أرَّاسْتيّا، الذي قاد أويّوس إلى أن يصبح بطلًا. كما ستُنشر هنا أشياء أخرى، مثلًا: أكّد أويّوس للمحرّر -وهذا ما يرد في نص السيرة- أنّه يقود سيّارته بحذر وبسرعة عاديّة. إلّا أن المحرّر لديه رأي آخر: لا يستطيع أويّوس أن يتحكّم في رغبته الجامحة بالسرعة مطلقًا، وهو يقود سيّارته بسرعات خطيرة؛ ففي يوم الخميس من الأسبوع الماضي، وعند الساعة الثالثة، كادت سيّارته أن تُدمّر بإحدى الشاحنات. وعلى كلّ حال سوف تُحترم تفاصيل حياة أويّوس الشخصيّة، ذلك أنّه بنفسه طلب التحفّظ عليها. وهنا يسمح المحرّر لنفسه أن يؤكّد ببساطة أنّ هذه التفاصيل غير ضروريّة لفائدة السيرة ولا تؤثّر على صدقيّتها.

في نهاية اللقاء، ظلّ رامون أويّوس على ودّه، لكنّه بدا متعبًا تعبًا واضحًا. وحينما ودّع المحرّرَ، فركَ عينيه ومطَّ ساقيه ثمّ قال:

-إنّ هذا العمل متعبٌ أكثر من سباقات كولومبيا.