بقلم محمد بصري*
“كل شيء في التحليل النفسي خاطئ باستثناء المبالغات” **
تيودور أدورنو
لاشيء يُدهشنا في فهم أفلاطون أفضل مما فهم هو نفسه لأنه قام بنفسه وبشكل غير اف بتحديد تصوره”
ايمانويل كانط نقد العقل المحض.
“إذا ما ظهرت لك نظرية على أنها الوحيدة الممكنة فاعتبر ذلك مؤشرا على أنك لم تفهم النظرية ولم تفهم المشكلة التي يفترض أن تحل لها هذه النظرية”
كارل بوبر
أقحم سيغوند فرويد العقل الغربي في أزمة ابيستيمولوجية جديدة فلم تعد مدرسة التحليل النفسي مكانا لخطاب علمي متأخر يريد تثبيت ذاته في الطب التجريبي كما أراد لها روادها فرغم الإستقطابات الأديولوجية التي راهنت عليها سقطت وانتهت بعد فورة الغضب الوجودي الذي بدأ مع سارتر وانتهى معه جراء ظهور سرديات لاهوتية مُقنعَة بالفلسفة مَثَّلها بول ريكور الضابط الفرنسي الاحتياطي سجين الألمان النازيين بعد سقوط باريس سنة 1940.
التحليل النفسي قادم من الدراسات الانسانية التي راهنت على اقتحام العلمية والتمسك بمنهج عميق يرفعها إلى مراتب الثقافة العقلانية المنضبطة بقوانين وصرامة منطقية.
ريكور الأستاذ والجامعي ورجل الحرب والفينومينولوجي الذي تتلمذ على يد أستاذه هوسرل، فداخل كل أفق فلسفي نسقي غربي تجد الظواهرية متوثبة وحاضرة .اعلن افلاس التوجهات الوجودية و حارب فرضية أن تكون الفلسفة موضة حداثية يستمتع بها الشارع كأي أسطوانة غنائية جديدة مثيرة تحاكي طربيات وصخب فرقة The Beatles الخنافس.
تَكمُن أهمية التحليل النفسي أنه أدخل النفس البشرية ضمن حلقة فلسفية تبدأ من الفضاء الأنتروبولوجي الذي يكشف عن البنى الطبيعية والغرائزية التي ألهمت وأثرت على كثير من التحولات السلوكية في حياة البشري .فاللاوعي من حيث هو موضوع يهتم بما هو بشري صرف. بل إن بدايات هذا المبحث الثقافي الذي حفر عميقا في الذات البشرية عوّل على تحييد الميتافيزيقا وإضعاف أي تساؤل غامض حول تصرفات الانسان بإحالتها إلى مسوغاتها الدفينة في النفس.العلاقة التأويلية بين الدال والمدلول مشوشة ومركبة وفي غاية التعقيد هناك تبعية مُتقصدة نابعة من تطويع المعنى وإعادة تكريس اعتباطية الدال والمدلول وتعدد المعاني وفيوضاتها التأويلية “”إن الذاتية تعيش تجربة التبعية تجاه وجود لم تضعه بنفسها يجردها من ملكية أصل المعنى ،إلا أن التأمل الذي يلغي ذاته كتأمل هو كذلك نتاج التأمل، التأمل النقدي والتأويلي'”[1]
ميشال اونيفراي كعادته يسخر من الفرويدية ويصنفها داخل نظام من الأساطير فهي براديغم أنتروبولوجي أكثر منها نظريات علمية هذا الكتاب يفند مزاعم التحليل النفسي ويُقوِّض الفرويدية معتبرا اياها نكتة أسطورية بالغت في قيمتها مدارس علم النفس .بل يرفض أن تكون الدراسات النفسية علوما فهي لم تبلغ بعد درجة التجريب والتقنية التي وصلها الطب البيولوجي البشري. إذن لا يوجد طبيب نفسي بل راقي أو شامان بالمفهوم الأسيوي.
التأويلية ازدهرت كاتجاه ومدرسة وفضاء انضوت حوله وتشابكت مدارس لغوية كثيرة وفلسفية كالبنيوية والتفكيك التي راهنت دائما على الانقلاب النتشوي للحداثة مما يؤيده دلتاي Wilhelm Dilthey 1833/1911 حول خصوصية العلوم الانسانية وتنوع مواضيعها وفرادتها و”تأملا منهجيا يتناول الرغبة في الوصول إلى الحقيقة وإلى وضعية العلوم الانسانية ” [2] وكي تنضج هذه الدراسات والمباحث الانسانية وتتخطى الضعف “فإن عليها أن تستند إلى منهجية يجدر بالتأويلية أن تظهرها”[3]
التأويلية حاولت تصحيح مسارات منهجية في قراءات النصوص المقدسة منذ شلاير ماخر واللاهوتي ايكهارت وتجدد القطيعة الابيستيمولوجية مع تأويليات عتيقة بالانقلاب على الوجودية السارترية وهو تقليد عكف عليه بول ريكور1913/2005 Paul Ricœur ليدحض فكرة النزوع الذاتي كرؤية خاصة لفهم الوجود .بل التأويل هو اعادة فهم الوضع البشري من الداخل والخارج أو نقل للمعنى من خطاب إلى خطاب كما يقول جون غروندان في كتابه التأويلية. الغريب أن ميلاد فيلسوف التأويل ريكور بول المدافع الشرس عن فرضيات الهيرميونيطيقا هو الزمن القريب من وفاة المفكر والطبيب النفسي المثير دلتاي أي 1911.بول ريكور الذي يعتقد أن التأويل ليس حكرا على النصوص بل إن الحياة كلها لعبة تأويلية تفترض كائنا واعيا هو بمثابة نص متنقل.وظيفته تأويل الظواهر كما هي معروضة عليه في وعيه.
مباحث النفس هي خطاب،علينا أن نصنفها داخل حقلها الفلسفي والدلالي والفيلولوجي حتى يمكننا أن نصفها بالعلمية جزافا ، لا يكفي تمتعها بالمنهج والخصوصية الثقافية والانتروبولوجية فقط فهي تقع تحت رحمة صلاحية مناهجها وطرائقها الخاصة مما دفع دلتاي أن يسميها “العلوم الروحية” مع استبعاد أطروحات كانط الميتافيزيقية التي تفصل العلوم الانسانية حسب غروندان قارئا دلتاي عن تاريخيتها .فهي نصوص لها متون مفاهيمية تخضع لفكرتي الفهم والشرح الذي لا يتعدى التفسير.بناءا على ترسانة من الشروط المعرفية يحددها علم فقه اللغة “الفيلولوجيا” كما تحددها الأنشطة الثقافية والفكرية لكل خطاب.
المجازفة التي اقتحمها سيغوند فرويد هي نقل معرفته حول النفس واللاوعي نقلا ميتافيزيقيا من خانة الفلسفة إلى الطب أي كما يقول جان لاكان تحويل نسقه اللاشعوري إلى مشروع سيكولوجيا علمية، هذا الجهد يتطلب مرحلة تأويلية صلبة بل فيوضات لغوية جبارة أي الاستعانة بالخطاب اللغوي والهرميونطيقي لنقل اللاوعي من طابعه الفلسفي والانتروبولوجي إلى مراحل متقدمة من التجريب الطبي وهو ما تؤكده تجاربه حول مرضى الهستيريا حيث لم يكن هناك تمييز إكلينيكي دقيق بين المصابين بأمراض بيولوجية ودماغية وبين المضطربين عصابيا ونفسيا وهو اخفاق عظيم لا طالما اغفلت آنا فرويد Anna Freud1895/1982 عن ذكره بل طمست حقائق كثيرة في حقل التجريب النفسي الذي تزعمه والدها وارتكب فيه أخطاءً قاتلة. .
البنية اللاشعورية( أنا/أنا أعلى / الهو) التي كانت كشفا عظيما في مراحل أولى من حداثة العقل الغربي المركزي والتي زاحمت أعتى الاكتشافات الكبرى في الطب والفيزياء ومجال التجريب عكست عقلا مبدعا كشفيا وحدسانيا رهيبا لفرويد كما يصفه لاكان1901/1981 Jacques Lacan انبثقت من تجليات فلسفية ميتا سيكولوجية انزاحت بفضل مطرقة الأسئلة الفلسفية والتقنية حول مصير النفس البشرية ومكوناتها بمعنى هذه الوجاهة المعرفية لاكتشاف اللاوعي عليها أن تعترف برمزية الميتافيزيقا وغموضها وهي تعاين أكثر الموضوعات البشرية عمقا وحساسية وهي النفس.
فرويد كشف عن سحر آخر وبراديغم جديد جعل مباحث الفلسفة تعيد ترتيب أولوياتها ومواضيعها تحت تأثير وقع الحقيقة و اللغة فهو صيد أسطوري وميتافيزيقي جعل لاكان مترددا في توظيفه بصورة علمية نهائية ما دعاه لوصفه بصياد الاساطير Actaeon أكتيون الاغريقية الذي تحولّ إلى أيِّل قتلته كلابه، لأنه رأى أرتيمس إلهة الصيد وهي تغتسل” [4]
محمد بصري.
الهوامــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــش
** أنظر مقالا لعصام موخلي “عطاء التحليل النفسي .مجلة المعرف العدد العاشر 2023
1- نبيهة قارة الفلسفة والتأويل دار الطليعة بيروت طبعة اولى 1998 ص 33..
2- جان غروندان التأويلية ترجمة د.جورج كتوره دار الكتاب الجديدة ص 11
3- نفس المرجع ص 11.
4- جمع وترجمة عبد المقصود عبد الكريم لاكان وإغواء التحليل النفسي مؤسسة هنداوي ص69.
*باحث من الجزائر





