المجلة الثقافية الجزائرية

السنة الجديدة.. حتى لا نَنسى، ولا نُنسى!

أجدور عبد اللطيف

اجتزنا الأيام الأولى من السنة الجديدة بنجاح لم نتعرض لجلطة دماغية، حادث سير، سكتة قلبية، أو مجرد موت مفاجئ، وهذا الشيء الوحيد الذي قد يشكل فارقا، الانقطاع عن الحياة.

 غير ذلك فقط يؤكد حقيقة أن انقضاء الأعوام وتجددها لا يغير من كنه الوجود شيئا، بل يجدد وعينا بأن الزوال سنة كونية لا يفلت منها أحد، قائمة وتنتظر.

  يضعنا هذا مباشرة أمام سؤال الجدوى، جدوى علاقاتنا بذواتنا وبالآخرين وبالطبيعة، جدوى طاقاتنا، آمالنا، مخاوفنا، واختياراتنا اليومية. سؤال الجدوى من الوجود، ومن الوعي الذي يطبعه.

لنفلت من كماشة العدمية والبوهيمية، لا بد أن نتعرض لهذا الإشكال بشكل مستمر، لأن انتظار رأس كل سنة قد يفوّت على الإنسان، الكثير من الفرص، والمسارات، والاحتماليات التي تغنيه وتثري تجربته بمحطة الحياة. لا يمنع ذلك من الوقوع في الخطأ، بل إنه كما يعلمنا التاريخ لصيق بالتحسن والثراء. الخطأ الوحيد الذي لا يمكن قبوله بحال هو التردد والخوف والتلكؤ في سبيل اكتشاف آفاق الكائن البشري، والعوالم التي بدون شك ما تزال في انتظاره ليفض عنها الستار، في العلم والفكر.

يتعرض كل شخص، عادة، لتساؤلات الوجود، وشلالات الجدوى، حسب تمثلاته وإيديولوجيته، نستطيع هنا أن نجزم بأن الزعم بأن نمطا حياتيا وحيدا وإختيارا بعينه، في حدود الوعي الإنساني، في أقصى ما توصلت إليه الفلسفة، على الأقل حتى هذه اللحظة، غير ناجزة، وغير ممكنة على ما يبدو.

يصرفنا ذلك، بالتالي، إلى التعاطي مع الحياة ضمن معانيها السامية الكونية المشتركة، أي ما نتفق حوله جميعا بوذيين ومتدينين وملاحدة ولا أدريين، وهي المبادئ التي اتفق توماس هوبز، وجون جاك روسو، وجون لوك على تسميتها بالحقوق الطبيعية، وهي الحرية، التطلع إلى البقاء والسلم، والعدالة.

ونضيف ما جاءت به الفلسفة المعاصرة، خاصة مع برتراند راسل المحبة والتسامح والتآزر والاستدامة. وكف الميز والحقد والعنف بكل مستوياته، والتجني على أنفسنا والموجودات من حولنا حيوانات ونباتا وبيئة. 

   جلي أن تغيرا رقميا من 23:59 إلى 00:00 أو استبدال رقم أو اثنين في عدّاد السنوات، لن يجعل الحياة بكل تناقضاتها المؤذية – أحيانا كثيرة – تختفي، لن يصبح الوجود Disney Land، لن يشبع الفقراء، ويكتسي العراة فجأة، ولن ينصف المظلومون، ويفك أسر القابعين في ظلمات القهر والقمع. للاسف. لكننا، حتى لا نكون متقاعسين، نستطيع أن نتخذ هذه البدايات الزمنية منبعثات لإعادة النظر، وإعمال حفريات في كل ما علق باعتقادنا، باختياراتنا، بأرواحنا من الشرور، أن نعمل العقل الأخلاقي العملي الكانطي في ضمائرنا، أن نسلط الشك الديكارتي على أفعالنا وعاداتنا، أن نعيد تشكيل وعينا خارج القوالب التي وضعنا فيها بشكل أو بآخر.

ولنطمئن بعدها أن السيرورة المنطقية ستوصلنا يوما لنكون راضين عن وجودنا ككائنات عاقلة اجتماعية، متسائلة وطموحة، في هذا يقول أينشتاين عراب قانون النسبية الذي يسري

على كل شيء: لا يمكن حل المشكلات بالعقلية نفسها التي أنتجت هذه المشكلات. ويقول مارك توين: الجميع يخطط لتغيير العالم، ولا أحد يخطط لتغيير نفسه.

سنة سعيدة لكل رفاق الدرب، لكل النصحاء الأمناء، لكل هدايا الحياة، لكل نساء العالم، لكل الأطفال الذين نعلق عليهم آمالا عريضة، لكل الشعراء أينما كانوا، لكل عازفي البيانو، للفلسطينيين وجميع الذين يقاومون الظلم وقساوة العالم بالأمل وبالإيمان. 

ولتكن هذه دعوة متجددة لمواصلة درب الحياة الشاق جدا والمتعب جدا، والرائع الرائع الرائع – ثلاثا – جدا.