حفيظ محمد إسلام
إنه السادس من أكتوبر 2024…
عندما بدأت القراءة في سنوات مراهقتي الأولى، وقعت بين يدي رواية الكاتب الفرنسي الشهير ألبير كامو، الغريب. قرأت الرواية باللغة الفرنسية كعادتي، إذ لطالما آمنت بأن الترجمة – خاصةً إن لم تكن على مستوى عالٍ – قد تضعف نكهة النص الأصلي وعمقه. لذا، سعيت دائمًا إلى قراءة الكتب بلغتها الأصلية، ما عدا رواية تحت أشجار الزيزفون لألفونس كار، التي أجد أن ترجمة المنفلوطي أضفت عليها عمقًا وجمالًا يفوق النص الأصلي.
في الغريب، يبدأ كامو نصه بجملة صادمة: “اليوم توفيت أمي، أو ربما بالأمس، لا أدري. لقد تلقيت تلغرافًا من الملجأ: ‘الأم توفيت، الدفن غدًا، مشاعرنا الخالصة’.” ثم يضيف بطل الرواية: “هذا لا يعني أي شيء، ربما قد تُوفيت بالأمس!”. كانت هذه الجملة كصدمة أدبية أولى لي، بقيت محفورة في ذهني لسنوات. كنت أتساءل، ما الذي يجعل إنسانًا يصل إلى هذا الحد من الجفاف العاطفي وعدم الاكتراث؟ خاصة وأن بطل الرواية كان يصف علاقته بأمه بأنها قوية، وأنها كانت الحب الوحيد في حياته. فكيف يموت هذا الحب عندما تموت الأم؟ كيف يتعامل مع وفاة أمه بهذا البرود؟ كيف لإنسان يحب والدته أن يضعها في ملجأ لكبار السن، ولا يزورها إلا نادرًا؟ وهل يمكن لهذا الحب المزعوم أن يتحول إلى تجاهل بهذا الشكل؟ قمت حينها ببحث صغير وعلمت أن كامو ينتمي إلى ما يسمى بأدب العبث، الذي لا يقدم بالضرورة إجابات منطقية وان موضوعاته لا ادرية وعدمية. لكن لم تكن هذه الإجابة كافية.
مرت السنوات، وبقيت تساؤلاتي، حتى تركت منزل عائلتي لأول مرة. حينها فقط، أدركت أن الغربة ليست مجرد بعد جغرافي عن الأهل والوطن، بل هي شعور خفي يتسرب إلى النفس، ويتسلل بين تفاصيل الحياة الجديدة. فكلما اعتدت على المسافات، شعرت بضعف في الأحاسيس التي كانت تملأ قلبك سابقًا. بدأت أفهم ما قاله بطل الغريب، وبدأت أعي كيف أن الانفصال عن الوطن والأهل يمكنه أن يقسو على القلب دون أن نشعر.
لقد التقيت بأشخاصٍ مغتربين تُوفيت لهم أمهاتهم أو آباؤهم في الوطن الأم، لكنهم لم يكترثوا. لم يتحملوا حتى عناء شراء تذكرة لحضور الجنازة. تلقوا التعازي ببرود، وكأن الموت لم يمسهم. هنا فقط يا صديقي وصلت لأجوبة عن تساؤلاتي ..!
فهمت حينها، أن الغربة نوع من الصدأ الذي يصيب الذاكرة. تبدأ بنسيان تفاصيل وجوه العائلة، رائحة المنزل، ضجيج الشارع المحاذي له. وفي لحظة غير متوقعة، تجد نفسك تتذكر هذه التفاصيل، لكنها تبدو غريبة عنك، كأنها مشاهد من فيلم قديم لم تشارك فيه.
فهمت أن الغربة وحش يأكلك تدريجيًا. تقسو، وتغيرك من الداخل، تسرق منك أحاسيسك دون أن تدري. تحولك إلى كائن لا يشبهك. تدخلها كملاك طاهر، وتخرج منها كوحش بلا قلب. تغتال مشاعرك، وتجعل منك غريبًا عن نفسك وعن وطنك. لا تجد السعادة فيها، ولا الانتماء في وطنك.
أعدت قراءة “الغريب” مؤخرًا، ولفتتني تفاصيل كانت قد غابت عني في قراءتي الأولى. أدركت أن بطل الرواية كان مغتربًا هو الآخر، عاش وحيدًا منذ أن كان طالبًا. لم يكن بلا عواطف، بل عاش في عزلة عاطفية فرضها عليه الزمن والظروف، حتى أصبح يقتات على اللااكتراث. ربما كان هذا الجفاف الذي صدمنا به، مجرد نتيجة حتمية لهذه الغربة التي عاشها منذ شبابه، ولم يجد من يشاركه إحساسه بالضياع.
لكن الفرق بيننا أنني أدرك الآن هذه النهاية المحتملة، وأتساءل إن كنت سأستطيع أن أقاوم هذا التحول، هل سأصبح يومًا بهذا القدر من القسوة؟ وهل سأدرك التحول الذي قد يحدث لي بسبب الغربة؟ حقيقة لا أعرف. قد لا أستطيع الإجابة أبدًا !!





