عبد الغفور روبيل*
تعد الرواية من أهم الأجناس الأدبية الحديثة، والشكل الأدبي القادر على استكناه الذات والواقع واستقراء المجتمع والتاريخ بصدق موضوعي، وكذلك التعبير عن الواقع اليومي الذي يعيشه الفرد داخل المجتمع. فالرواية هي امتداد للملحمة التي كانت تعبر عن الحياة اليونانية في السابق، ولكن نظرا للتطور الذي عرفه الأدب والمجتمع الأوربي ظهر لنا ما يسمى بالرواية.
كثيرا ما نطرح تساؤلات مثل: ما علاقة الرواية بالواقع؟، وبمفهوم أدق ماذا تقدم الرواية للواقع أو العكس؟ هل الرواية هي انعكاس آلي للواقع؟ أم هي بناء وتصور جديد له؟، وعلى أي أسلوب تعتمد الرواية في التعبير عن الواقع؟.
أولا: الرواية والواقع أية علاقة؟:
لا يقف مفهوم الواقع في الرواية عند حدود وصف ما يوجد في الحياة اليومية أو ما يختزل في الوعي، فالواقع بالنسبة للروائي هو المجهول واللامرئي واللامكشوف الذي يصعب على أي شخص أن يعبر عنه، ويستعصي على الأشكال التعبيرية المألوفة والمستهلكة التقاطه ووصفه، مما يحتاج إلى أشكال تعبيرية أكثر عمقا في سبر ذات الواقع التي تكشف عن نفسه وعن غموضه، مادام الواقع يتكون من عناصر متناثرة ومجزأة، ترتبط أو تتناقض في ما بينها بشكل دقيق وغامض.
ترتبط الرواية ارتباطا وثيقا بالواقع، فهي تحاول تصوير الواقع وما يحدث بداخله، من أحداث ومجريات، لكن ليس بطريقة آلية معكوسة، لأن علاقة الرواية بالواقع كما يقول عبد الرحيم جيران “ليست علاقة مباشرة، فهي مركبة وفق مستويات متضافرة، وهي الواقع والواقعي والبنية التمثيلية والتحبيك، فالواقع مادة مبنية، وليس معطاة ومستقرة وموحدة، وأهم ما يمكن التقاطه في فهم الواقع الموصوف على هذا النحو- بالنسبة إلى الرواية (والسرد العامة) كونه بناء ومتحققا يترجم تطلعات تتصل بالعيش غير مقتنع بها، وموضوعة موضع ريبة أو عدم كفاية ونقص”(١) في ظل محدودية إرادة الذات أمام إرادة الواقع، فهذا الأخير لا يظهر بشكل واضح يمكن القبض على أسسه وفهمه إلا من خلال وضعه في سياقات معرفية مختلفة وأسئلة متعددة.
فالمادة الروائية تتجذر في الواقع والحياة الإنسانية، ولعل هذه السمة هي التي تصوغ النص الروائي الذي يمثل وقائع تاريخية واجتماعية بين طياته، فالرواية بوصفها جنس أدبي، تمتلك آليات وتقنيات فنية وجمالية تجعلها تقوم بخلق واقع جديد، غير مناف أو معارض مع الواقع الذي يعيشه الروائي، فهذا الأخير “يستعين بواقع عادي تكون مهمته الكشف عن واقع جديد، أو يستهدف واقعا جديدا من خلال رصده للواقع العادي. حينئذ، يكون هذا الواقع العادي هو ما يتلقطه القراء وأغلب النقاد. إنه واقع يخفي في رأيهم واقعا جديدا”(٢)، لكن هذا الأخير الذي يحاول الروائي كشفه، فإنه يتعرض إلى التهميش والنفي والردع أو صعوبة تقبله، لأنه ينافي ويعارض لما هو مألوف ومغاير لذلك الواقع الذي نعيش فيه.
إن عملية التهميش أو النفي الذي يتعرض له الواقع الجديد هو راجع إلى القارئ أو الناقد الذي يقوم بهذه العملية، حيث تقول ساروت “إذا حدث أن قرأ هؤلاء(أي القراء والنقاد) نصا جديدا، ولم يعثر على تلك المكونات التي تبدو لهم ضرورية في كل إبداع روائي، فإنهم يعتبرونه نصا مستهجنا ومخالفا للمألوف، واسمين إياه بالتجارب المخبرية التي لا يمكن أن تنتج أثارا فنية حقيقية ما دامت لا تعكس ذلك الواقع المرئي والمبتذل الذي لا يستطيعون الاستغناء عنه”(٣)، هذا ما يجعل النص الجديد في صراع مع النقاد والقراء لأنه لا يكون سهل المنال، وصعب في فهمه، أو خارج عن حدود النقد والإبداع المتعارف عليه، لأن أي نص جديد يتميز بعدم الثبات والخضوع، فهو دائما يحاول تصوير ما يحدث في هذا العالم بطريقة فنية دقيقة يعجز القارئ في بعض الأحيان على فهم تلك العناصر. فالكاتب على الرغم من اعتماده على الواقع الذي يعيشه، فهو لا ينقله كما هو متمثل وإنما يسعى من خلال عمله إلى صياغة الواقع صياغة جديدة، بعيدا عن المحاكاة.
فالكتابة الروائية عندما تستفيد من الواقع، أو عندما يقوم الروائي بتصوير ما حدث في الماضي أو ما سيحدث في المستقبل انطلاقا من تمثله ووعيه بالحاضر، ففي هذه الحالة لا يعكس الكاتب الواقع عكسا آليا و فوتوغرافيا.
عندما يستفيد الكاتب من الواقع، فهذا الأخير لا يعني مطابقة بين ما يتضمنه النص من وقائع وأحداث وشخوص، وبين ما هو موجود في الحياة اليومية؛ لأن الكاتب يجري على مادته الملتقطة من الواقع انزياحا وتغييرا، وهذا الانزياح هو ما يطلق عليه بعملية التخييل التي تجعل ما يقدمه الكاتب الروائي فنا لا تقليدا، بحيث يخلق الكاتب شخصيات داخل الرواية، قد تتشابه مع الشخصيات الواقعية الموجودة داخل المجتمع، أي محتملة الوجود، لكن هذا لا يعني أن الشخصيات داخل الرواية بأنها مطابقة للشخصيات الموجودة في الواقع؛ لأن الكاتب يستمد منه بعض التفاصيل والجزئيات والأحداث، ثم يعيد تركيبها وتنسيقها إبداعيا وفق ترتيب تتحكم فيه رؤيته وثقافته ومعرفته بما يجري من حوله، وتوظيفها داخل الرواية بطريقة فنية جمالية، تجعل القارئ يستمتع بتلك النشوة الفنية وهو يقرأ العمل الروائي.
ثانيا: علاقة الرواية بالمتخيل الروائي
إن الرواية تعبر عن الواقع باعتمادها على المتخيل الذي يجعل الواقع الروائي غير مطابق للواقع الوجودي، أي أن المتخيل يضفي على الرواية لمسة فنية تجعل منها جنسا أدبيا يحظى بمكانة مهمة عند القارىء، بسبب انزياحه عما هو مألوف وملموس في الواقع الذي نعيشه، وإن وجد هذا الأخير داخل الرواية فإنه يكون موظف بشكل فني، نظرا إلى اعتماد الروائي أحداث ووقائع مستوحاة من الخيال، على الرغم من كونها شبيهة بما يقع في الواقع.
فالمتخيل كما يراه جابر عصفور هو “عملية إيهام موجهة تهدف إلى إثارة المتلقي، يتم على مستوى اللاوعي من المتلقي بين الخبرات المختزنة والصور المخيلة، فتحدث الإثارة المقصودة، ويلج المتلقي إلى عالم الإبهام”(٤) وبهذا يعمل المتخيل على التأثير في المتلقي ليوهم بواقعية النص، فينتج بدوره انفعالا؛ نظرا لارتباط المتخيل بالعقل الإنساني، وهذا ما ذهب إليه لودري إلى كون المتخيل مرتبط بشكل حميمي بالعقل والمعرفة، فلا عقلاني وحده ولا متخيل وحده قادر دون الآخر على أن ينتج معرفة، لأن المعرفة تكتسب بالفهم، لكي تتجسد الحقيقة في الواقع.
ثالثا: علاقة الواقع بالمتخيل
إن العلاقة بين الواقع والمتخيل ليست علاقة سطحية بسيطة، لأن الواقع كونه حياة عاشها الروائي، في حين المتخيل حياة فردية يصطنعها لنفسه، وهنا تتجلى العلاقة بين الواقع والمتخيل في كون “المتخيل بناء ذهني؛ أي أنه إنتاج فكري بالدرجة الأولى؛ أي ليس إنتاجا ماديا، في حين الواقع هو معطى حقيقي وموضوعي، فالمتخيل يحيل إلى الواقع والواقع يحيل إلى ذاته”(٥) فالروائي يعتمد على الخيال لتنشيط ذاكرته وفكره، لأن الخيال هو فضاء واسع غير مقيد بضغوطات كالواقع، هذا ما يجعل الكاتب يفر إلى الخيال بغية التعبير عن مشاعره وأحاسيسه ومكنوناته بكل حرية.
فالرواية بطبعها تستسقي مادتها الخام من الواقع لتحوله إلى المتخيل يثري شغف وتأثير الآخر، فالمتخيل هو مستودع لتخزين الصور الخيالية، فأضحت العلاقة بين الواقع والمتخيل كعلاقة الدال بالمدلول الذي تحكمهما علاقة اعتباطية، فالدال بكونه الملموس هو الواقع، في حين أن المتخيل هو المدلول؛ أي الصورة الذهنية، لهذا يصعب الفصل بينهما لأنهما وجهان لعملة واحدة، فالإنسان يعيش في متاهة الحياة من صراع ومعاناة، لذلك يلجأ إلى الخيال لكي يصنع عالما خاصا به عندما يعجز عن تغيير واقعه.
الهوامش:
1● عبد الرحيم جيران (تعارض الرواية والواقع)، مجلة القدس العربي، 2017.
2●كولدمان/ساروت/روب/مويلو”الرواية والواقع”، ترجمة رشيد بنحدو، منشورات عيون المقالات، الطبعة الأولى، البيضاء 1988، ص ١٤.
3● المرجع نفسه.
4● أمنة بلعلى “المتخيل في الرواية الجزائرية من المتمثل إلى المختلف”، دار الأمل، تيزي وزور، الجزائر، ط ٢، ٢٠١١، ص 58، نقلا عن جابر عصفور، مفهوم الشعر (دراسة في التراث النقدي).
5● حسن خمري “فضاء المتخيل مقاربات في الرواية”، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، ط ١، ٢٠٠٢، ص ٤٤.
باحث مغربي في مجال الأدب والفن





