لا تحتاج السفينة العملاقة لأكثر من خرق صغير لكي تُقْبَرَ في أعماق البحر الكبير، ولا يحتاج العالم المزور لأكثر من سقطة فاضحة لتدل على أنه دعي جهول لا علاقة له بالعلم ولا بأسبابه !!
أكثر المشاهير من علماء الأمة الآن زيف وباطل وزور يتوقر في ثياب العلم، ويتهندم في طلاء فنونه، ويتبختر في وشي زينته، والواقع يؤكد ذلك ولا ينفيه، ويضع خطوطا عريضة تحق الحق بإثباته في حق أهله، وتبطل الباطل بنفيه في مدعيه، والذكي الألمعي وحده هو القادر على تمحيص الحق ومعرفته والتشبث به، أما عموم الناس “فهمل ورعاع” يتحولون مع همسة رقيقة تطبل وتزمر لدعي أفاق، .. و”غوغاء ودهماء”، يثورون ثورة الجياع لغراب ينعق بالشؤم منددا بإمام كبير، ويُشَهِرُ بطود شامخ !!
المجتمعات الساذجة يعبث بها عدوها الخبيث بتسيير جماهيرها في طرق مسدودة لا يكتشفونها إلا بعد فوات الأوان، وحين يَفْضَحُ الخطة الماكرة عبقريٌ ملهمٌ لا يصدقه الناس ولا يفطنون إلى ما يقول، وكأنه أعجمي يتكلم بغير لغتهم، ويعبر بغير معقولهم !!
الفكرة الشريفة وليدة عقل حر، هجر السخافات وطلق الترهات وتبرأ من الخرافات، وهذا العقل لا يملكه أبدا إلا تقي عرف طريقه إلى الله وأخلص النية في التجرد له، وبات يحلم بالتمكين للحق ودعم الحياة بزاد معرفي خلاق تغنى به وترقى، وتتجمل به وتتكمل !!
وليس شرطا أن تتفق العقول في أمة من الأمم في طريقة تفكيرها لكي تنهض، فالاختلاف طبيعة البشر، وليس شرطا كذلك أن تتفق الأفكار والأفهام لكي تتحقق أمجاد الحضارة وترفرف راياتها الزاهية، ولكن الشرط اللازم الذي لا يُسْتَغْنَىٰ عنه أن تتفق القلوب، وتتكاتف الهمم، وتتعانق النوايا الحسنة لتدعيم قوى الأمة وتنشيط كل وسائل العمل الجاد والبحث الدؤوب والإبداع الخلاق !!
وما اختلاف العقول وتباين الأفكار التي تتولد منها إلا الشرارة المنقدحة من خلافها وتباينها لإيقاد الشعلة المضيئة التي تهدي الحياة إلى طريق صلاحها وفلاحها، وهذا ما ينادي به علماء التربية ورواد التعليم وأئمة الإصلاح ويرونه ضرورة دونها كل ضرورة، أما التوافق في الفهم والتطابق في طريقة التفكير والتشابه في النتائج النهائية التي يتوصل إليها فذلك ما لا يلد إلا النسخ المكررة التي تشبه عوالم النمل والنحل والسمك، ليس في دقة سلوكها وروعة انسيابيتها، وتَوَحُدِ أعمالها، ولكن في تشابه حركتها التي تكاد تكون متماثلة بحيث تكون كل نملة ككل نملة، وكل نحلة كبقية سربها بغير اختلاف ذرة في حركة أو سلوك أو طريقة عمل، وتلك هي خاصة الإنسان الأولى التي تميزه عن كافة الحيوانات التي تشاركه العيش على هذا الكوكب السيار !!
في عالم الإنسان اختلاف وتباين شديدان، إذ كل إنسان نمط فريد من نفسه الساكنة بين ضلوعه لا يشبهه مخلوق في نسق تفكيره ولا طريقة تدبيره ولا في نمط سلوكه، .. إذ لو فاجأت إنسانا بأمر ما، وكان لزام عليه أن يتخذ ردة فعل مناسبة لذلك الأمر المفاجئ، ثم كررت نفس الأمر على ألف إنسان، لحظيت بألف ردة فعل مختلفة فيها ألف طبيعة تفكير، وألف طريقة عمل، وألف دافع مخفي خلف الحركة الظاهرة، وألف إحساس مختلف من أثر ذلك الأمر المفاجئ !!
للنهر تياره المنحدر من منبعه إلى مصبه، وهذا التيار لا يقدر على تغيير وجهته إلا الذي خلقه وقدره، والذي يقول للشيء كن فيكون، كذلك تيارات الحضارات في الأمم، لا تغير اتجاهاتها تبعا لرأي مغفل، أو انصياعا لوجة سفيه، أما في الأمم المتخلفة التي يحكمها الزيف ويحدوها التناقض ويؤمها النفاق، فتيار نهرها متجه في الصباح إلى الجنوب، ثم راجع في المساء ليتجه إلى الشمال !!
فارقب الأمة الراشدة تلقها ملأى بأصحاب العقول الجبارة والنفوس العظيمة والأخلاق القويمة والفطر الصافية والشيم الآسرة، فهي بذلك قمينة أن ترتاد العالم وتقدم للحياة ما تعجز أمة سواها على تقديم ذرة منه لخدمة الإنسان وزيادة العمران ودعم الحياة بكل ما ينفعها ويصلحها في كل شئونها !!
أما أمة الهمل والرعاع، التي يؤمها بغلٌ شاردٌ، أو يحكمها شيطانٌ ماردٌ، أو يتسلط فيها مستبدٌ غشومٌ فهي مباءة سوء، أو هي ساحة شؤم ولؤم، تحدوها الموبقات، وتحركها السفاهات، وهي موطن الضنك والعذاب لجميع أبنائها القاطنين فيها، والقابعين في ذل إهابهم وجبن خورهم !!
أراقب علماء الأمة البارزين الآن، وأزن أقوالهم وأعمالهم، وأحصي حركاتهم وسكناتهم، فأجد أكثرهم خواء، وأحسب معظمهم عالة على الأمة في بضاعتهم الغثة الرخيصة، وزادهم المعرفي التافه، فأنى لهم أن يقدموا للعالم صورة حسنة للإسلام العظيم كدين يصلح لريادة البشر وتقديم الخير لهم ودعمهم بكل ما ييسر أمرهم ويرغد عيشهم في الدنيا والآخرة ؟!!
ولقد حاولت جاهدا الوقوف على سبب تكاثر هذه “الكائنات المزورة” التي تلبس أردية الدين، وتتبختر في طيلسان العلماء، والتي سودت زماننا بما اقترفت، ونكدت عيشنا بما ظلمت، فعرفت أن السبب في تكاثرهم يتركز في أمرين:
الأمر الأول: أن هؤلاء المناكيد هداهم شيطانهم لسلوك تلك السبيل التي يمكن للدعي الماكر أن يحتلب ضرتها فيجني الكثير من الدراهم والمنافع، ويغترف الكثير من الوجاهة والفخامة، ولو وضع وليُهُ وربُهُ قدمَه على صراط اللصوص وقطاع الطرق في بداية طريقه ما تمعر وجهه، ولا اقشعر جلده، لأنه مفرغ النفس من شرفها، ومجرد الضمير من وازعه، وخالي القلب من ورعه !!
والأمر الثاني: أنه ضعيف العقل والقلب والروح، يستمد علومه من خيال مربيه، وإملاء أستاذه، وتبعية شيخه، لكن القريحة التي للعالم ليست له، والملكة التي للباحث ليست عنده، والإباء الذي للرائد لا يعرفه، شبحه شبح عالم، وقلبه قلب مقلد، ونفسه نفس دعي، وروحه روح تابع، وكله دنس لا يطهره ماء البحر، ولا يغسله ماء المحيط ، وهو من نوع الفطريات التي تلدها الرطوبة، وتخلقها الميوعة، فلا تدع شيئا لصقت به إلا شانته وتسببت في إتلافه وتخريبه، فهو علة حاضرة، ووباء ماحق، ومرض مزمن، وداء عضال !!
وواقعنا المؤسف الآن يقول أنه ليس لدينا عالِمان كبيران يحترم أحدهما صاحبه ويوقر خلقه ودينه، ويشهد له بالعفة والصلاح في أقواله وأفعاله كما شهد الشيخ الغزالي بمثل ذلك عندما قال في حق القرضاوي: “كان تلميذا لنا، والآن، أنا تلميذ له”..
لامانع من التحقيق العلمي في أية مسألة..صغرت أم كبرت..ولكن بمنهجية البحث،وأخلاقيات الاجتهاد،وٱداب الخلاف،وعدالة الحكم
أما إدارة الحوار العلمى، بأدوات الجزارة ، وعدة النجارة ، فسيخرج لنا حصاداً مراً، لاشك أن شره أكثر من خيره ، وضرره أكثر من نفعه .
وهذا ماتعاني منه الساحة الدعوية، التي حملت أوزاراً من زينة القوم، من أمثال الجدليات العلوية الخئون.. لعدنان ابراهيم وبدر الدين حسون ..
والعمالات الحقود،لرسلان والرضواني. .
والرقص البائر للهلالي والجندي.
والكساح الفكري للعدوى وبرهاني.
والسفه التافه لعيسى ومنتصر والبحيري.
وكثير من نقانق صبيان الشوارع . ومن طخ طخهم، أو شخ شخهم
الحق أقول: ليس لدينا مدرسة فكرية تمثل الوسطية والاعتدال، تصلح لريادة الفائقين من أبنائنا ليكونوا قادة ممكنين يحملون الراية ويوجهون السفينة ببراعة إلى بر الأمان في كل شأن من شئون الحياة كما كانت مدرسة المنار أيام “محمد عبده” و”رشيد رضا” !!
لقد أخرجت أوربا للإسلام في زماننا “بيجوفيتش” من “البوسنه” و”جارودي” من “فرنسا”، و”مراد هوفمان” من “ألمانيا”، فقدم الأول كتابة المعجز “الإسلام بين الشرق والغرب”، الذي هز أركان أوربا قاطبة، وأخرج الثاني كتابه العظيم “كيف نصنع المستقبل” و”كيف صنعنا القرن العشرين” فهز أركان “فرنسا”، وأخرج الثالث كتابه المدهش “الإسلام كبديل”، و”الإسلام في الألفية الثالثة ديانة في صعود”، فهز أركان “ألمانيا”، فماذا قدم علماء الإسلام الكبار في أمتنا العربية المعاصرة ؟!!
إن أمة كبيرة تمتلك كل الأسباب المعينة على النهوض، وتحوز كل المقومات اللازمة للرقي، وتظل قابعة في مكانها، أو راسفة في وهدة حضيضها لأمة لا تستحق الحياة، فضلا عن دين شرف الله به هذا العالم بأجمعه منذ ظهر إلى أن تغرب الشمس من مشرقها ويعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون !!
علماء أمتنا الآن حالمون، يعشقون السباحة في تيارات من أخيلة السابقين، وإحياء ذكرهم، ثم فرضهم على الحياة بأفكارهم التي قدموها لأزمانهم، وغارقون في أوهام يظنونها علوما تبني الأمة وتشد عضدها وتقوي ساعدها وترفع بنيانها وتشيد أركانها، وكل جهودهم ستذهب بددا، وأحلامهم ستتبخر هباء، لأن العالم تغير، ويحتاج لعقول جديدة تفكر بنحو ما فكر حكيم الإسلام “محمد عبده”، وما فكر تلميذه الإمام “محمد رشيد رضا” وما فكر الدكتور محمد عبد الله دراز، والشيخ محمد الغزالي والدكتور القرضاوي، والشيخ المراغي وغيرهم من العلماء النجباء (رحمهم الله جميعا وأجزل لهم المثوبة والعطاء)، أما التقوقع في علوم الكلام التي أكلت شباب الأمة ونخرت قواها، مع غيرها مع العنعنات والهوامش والتعليقات في صفحات الكتب العتيقة فلا يصلح منها للمتخصصين إلا قليلها، مع كثير من توجيهات أئمة العصر وفقهائه النابهين الملهمين مثل الأمير “عبد القادر الجزائري”، و”الطاهر بن عاشور”، و”مالك بن نبي”، و”ابن باديس”، و”محمد أسد” وغيرهم من الأئمة الفاقهين والعلماء الربانين !!
لقد لاحظت تشوشا خطيرا، ولمست تناقضا مشينا، ووضعت يدي على فساد عريض في عقول ونفوس وقلوب كثير ممن مثلوا ديننا العظيم في عقيدته وشريعته، وفي كتابه ولغته، وفي آدابه وأخلاقه، وفي أفكاره وفلسفاته بسبب غياب النخبة من الرجال الأفذاذ الذين يستطيعون تقديمه بوجهه المشرق وبسطه بأسلوبه الأنيق !!
كان الشيخ “البوطي” رحمه الله عالما كبيرا في سوريا، له في الدعوة باع وذراع، ولكنك تعرف في أسلوبه ولغته المَيْنَ والمجاراةَ والمداهنةَ للحكام الظلمة والمستبدين الجائرين في بلده وفي غير بلده، فهو يبارك رئيس دولته الظالم، الذي سفك دم شعبه وشرد به، وهدم على رأسه الدور والجسور، ودمر المدارس والمصانع، وخرب المساجد والكنائس لكي يبقى ملكه، ويدوم جبروته، وتبقى دولته، فما كان من الشيخ العظيم إلا مباركته والدعاء له بالخير، في الوقت الذي تراه يتهم الإمام “محمد عبده” بالخيانة والعمالة للغرب، وتلك فضيحة في عقل الشيخ “البوطي” وفي نفسه وقلبه وضميره، كذلك بقية الشيوخ والعلماء الذين يمسكون بزمام الدعوة في جميع أنحاء أمتنا التائهة المسكينة، فأنى لها أن تنهض، وكيف لها أن تسود ؟!!
أن أكثر العلماء العاملين الآن في ساحة الدعوة إلى الله ليمسكون بفؤوسهم ليحطموا سفينة الأمة بدعوى حبهم للدين والغيرة على حرماته، في غيبة حراس القيم ورجال المبادئ والعلماء الربانين والفقهاء العارفين !!
ولن تصلح الأمة أبدا إلا بالضرب بيد من حديد على أيدي الكهنة المزورين أرباب الشهوات المفضوحة والرغبات الآثمة والتطلعات الرخيصة من الأدعياء الجهلة، والناعقين المأجورين، وأشباه العلماء الفتانين، أولئك الشرذمة المنكورة التي ملأت وسائل الإعلام فصارت كالشوكة في خلوق الناس، لا يستطيعون بلعها ولا يقدرون على ردها، كأنها قدرهم المحتم الذي كُتِبَ عليهم أن يجرعوه ويذوقوا ألمه وعذابه !!
الباحث في العلـــوم الإنسانية





