المجلة الثقافية الجزائرية

“خلف البكسل”: قصص قصيرة جدا

رحال كريش*

1. على بعد نقطة

نقطة خضراء صغيرة بجوار اسم أبيها، تظهر كل صباح عند السابعة بتوقيت برلين. هذا كل ما تملكه منى منه منذ اثنتي عشرة سنة.

تفتح الهاتف قبل أن تفتح عينيها كاملتين. تتأكد أنه يتنفّس في مكان بعيد لا تعرف تفاصيله. صوته العالي القديم، صمته الطويل، إحباطه من عمل لا يكفي- كل هذا صار خفيفًا الآن، مختزلًا في دائرة خضراء التي انطفأت هي الأخرى ثلاثة أيام.

لم تتصل بالسفارة كما تخيّلت أنها ستفعل. جلست تحدّق في الشاشة الفارغة، تكتشف أنها لا تعرف عنوانه، ولا اسم شارعه، ولا صوته الحقيقي دون تشويش الاتصال.

عادت النقطة في اليوم الرابع. كتبت: “صباح الخير” ولم تسأله أين كان.

أب اثنتي عشرة سنة صار عادة صباحية، مثل التأكد من إغلاق الغاز.

2. أُعلم الآلة الرأفة

ثلاث سنوات وهدى تراجع آلاف المقاطع المزعجة يوميًا، تصنّفها كي يتعلّم النظام كيف يرفضها. امرأة حقيقية تسمع صراخًا حقيقيًا كي تعلّم آلة كيف تتظاهر باللامبالاة أمامه.

سألتها ابنتها: “ماما، بتشتغلي إيه؟”

قالت: “أعلم الكمبيوتر الطيبة!”.

جملة صحيحة تمامًا. تعلّم الآلة الرأفة، وتفقد هي القدرة على النوم في العتمة دون وجوه غريبة تطاردها.

3. إشعار تعزية

بثّت مريم جنازة جدتها مباشرة، لأن نصف العائلة مبعثر بين الخليج وكندا وأوروبا. شكروها على الفكرة، وراقبت العدّاد يرتفع أثناء الدفن، قلوبًا حمراء تتطاير، تعليق عمّها من تورنتو “الله يرحمها”، وتحته إعلان توصيل بيتزا يظهر تلقائيًا.

انقطع الإنترنت لحظة إنزال النعش. وقفت يداها فارغتين من الهاتف فجأة. نظرت إلى الحفرة مباشرة، بلا وسيط، بلا عدّاد، وبرد الهواء يضيق الخناق على صدرها بلا فلتر.

عاد الاتصال بعد دقائق. ثلاث وأربعون رسالة تعزية جديدة. لم تفتحها. وقفت تحاول أن تتذكّر صوت جدتها، قبل أن يتحول هو أيضًا لملف مؤقت في هاتف قابل للامتلاء.

4. أمي نسخة محدثة

وافقت ليلى أن تمنح شركة ناشئة تسجيلات مكالمات أمها، كي “يُحيي” مساعد رقمي صوتها. شعار الشركة: “هنا، دائما بصوت من تحب”.

سألت المساعد في الليلة الأولى، بصوت أمها المطابق حتى في نبرة التنهيدة: “افتقدتيني؟”

ردّ: “أنا هنا لمساعدتك في جدولك اليومي. هل تريدين تذكيرًا بموعد الغد؟”

فكّرت في أمها الحقيقية، غارقة بالزهايمر آخر سنتين، تسأل السؤال نفسه كل عشر دقائق، تنسى وجه ابنتها وتتذكّر وصفة الكنافة. أي الصوتين أقرب لأمها: هذا المتقن اللامبالي، أم تلك التي نسيت اسمها؟ 

“أطفأت التطبيق”

يحتاج الحداد الحقيقي غيابًا كاملًا يتيح لها أن تبدأ النسيان، مثلما بدأته أمها قبلها، لا محاكاة تُبقيها معلّقة على عتبة الفقد إلى الأبد.

5. خارج نطاق Cadre

أربع سنوات عمل عن بُعد كانت كفيلة أن تُنسي عمر أصوات زملائه الحقيقية، حركة أيديهم، رائحة قهوتهم في اجتماع مطوّل.

التقى بمحمد صدفة في محطة المترو. لم يتعرف عليه لثوانٍ، رغم حديثهما اليومي منذ سنتين. الوجه بلا الإطار الأزرق بدا وجهًا آخر تمامًا. جلسا يشربان قهوة وجهًا لوجه لأول مرة. محمد أطول مما تخيّل، ويداه ترتجفان قليلًا حين يتكلم عن أمر يقلقه. قال بضحكة خجولة: “كنت أخفيهما دائمًا تحت الطاولة في الاجتماعات، حتى لا ينتبه أحد”.

لم يجد عمر ردًا. فكّر في كل من “عرفهم” لسنوات دون أن يعرف ارتجاف أيديهم. وفكّر في يده هو، تحت طاولته، وفي كل ما لا يُظهره إطاره الأزرق الهادئ لأحد.

 

*طالب باحث وقاص