بقلم: وردة بوعفار*
سأخونكـ، ولكن من أجل قضية.
الجملةُ التي كان عليٌّ يُمازحُ بها سُمَيَّة، باتت شبحًا يُطاردُ ذاكرتَها منذ أن فقدت الأملَ في عودته. عليٌّ الذي غاب في ظُروفٍ غامضةٍ، تاركًا وراءَهُ أسئلةً بلا أجوبة. بحثت عنه طويلًا في كلِّ زاويةٍ، في كلِّ ظلٍّ، لكن عبثًا. وحينما تآكلَها اليأسُ، لجأت إلى تفتيشِ مكتبِه، أوراقِه، ومذكّراتِه. كانت جميعُها مكتوبةً بالإنجليزية، وكأنها شفرةٌ مستعصيةٌ على فكِّ رموزِها.
لم تكن هناك مصيبةٌ أشدُّ من أن ترتبطَ امرأةٌ برجلٍ لا تفهمُ لغةَ أفكارِه. استعانت بابنِها البِكر، تُجلِسُهُ لساعاتٍ يقرأُ لها مقالاتِه الصحفيّة. اكتشفت أنّه وهبَ قلمَه وقلبَه لقضيّةِ فلسطين. وعندما ضاق به التعبيرُ على صفحات الجرائد ومنشورات “فيسبوك”، قرّر التخلي عن كلّ شيء: قلمِه، وأسرتِه، وحتى حياتِه المستقرّة، ليلتحق بالثوّار في غزّة.
من مراسلاتِه مع أصدقائه هناك، تكشّف لها كلّ شيء. لم يكن الهرب، بل اختيارُ النضال.
الانتظارُ في الحرب، أشدُّ وطأةً من الموت. كم من الجنودِ يعودون، وكم منهم يختار البقاءَ حتى النصر أو الشهادة. الحربُ قاسيةٌ، لا تلتهمُ الأجسادَ فحسب، بل الأرواح. والزوجةُ، على شرفتِها التي تطلُّ على شارعِ الوحدة، أدمنت انتظارًا بلا نهاية.
كلُّ مساء، كانت تتوهّمُ سماعَ صوتِ محرّكِ سيارته القديمة، السيّارة التي أهداها له جدُّه عند نجاحِه في الثانوية. لكنّ الأوهامَ تخذلُها، فتعود إلى فراشِها، تغرقُ الوسادةَ بدموعِها، ويزورها عليّ في أحلامِها. الليلة، جاءها مختلفًا، أنيقًا، مشرقًا، كأنّه في عامِه الأوّل من الزواج. جلس أمامَها، يضع يديهِ خلف رأسِه، يستعيدُ ذكرياتِهما المشتركة، أحلامَهما المعلّقة.
لكنّ لحظاتِ السعادةِ في الأحلامِ قصيرة، مؤقتةٌ كوميض. في الهزيع الأخير من الليل، أيقظتها طرقاتٌ عنيفةٌ على الباب. فزعت، هرعت إلى الباب بعينين مثقلتين بالنعاس. فتحت، لم تجد سوى صريرِ الرياحِ وهمساتِ الرعد. هناك، تحت السجادة، برقيةٌ ملقاة.
فتحتها بيدٍ مرتجفة: خبرُ استشهاد عليّ. في تفجيرٍ مروّعٍ في جباليا. لم يعثروا على جثتِه. تفحّمت بين عشرات الجثثِ الأخرى.
انهارت، صرخت صرخةً أوجعت الليلَ كلّه، هرع إليها أبناؤها وجيرانها يحاولون تهدئتَها، لكنها كانت غارقةً في نوبةٍ من الهستيريا.
أكان عليٌّ آخرَ الرجال الأوفياء؟ أكانت خيانةً أم تضحية؟
ما أكثرَ ما تتحققُ الوعودُ التي نُطلقها مازحين، ونحن ندركُ عمقَها في قرارةِ أنفسنا:
“سأخونكِ، ولكن مع أجل قضية.”
*الجزائر


