إليزابيث رودانيسكو
ترجمة : الحسن علاج
إننا نعيش في حقبة غاية في الغرابة. لا يتم الكف عن إحياء ذكرى الأحداث الكبرى، الرجال العظام، الأفكار الكبرى، الفضائل العظمى: سنة رامبو، سنة هوغو، سنة جيل فيرن. ومع ذلك، لا تتم أبدا مراجعة أسس كل تخصص علمي، كل مذهب، كل مغامرة محرّرة وتقديرها حق قدرها. لقد تم الاعتراض على النسوية، الاشتراكية، التحليل النفسي، بشدة وتم الإعلان عن موت فرويد، ماركس أو نيتشه، على قدم المساواة مع كل شكل من أشكال نقد المعيار. لا يتم الحديث إلا على الحق في وضع جرد أو تقييم ، كما لو أن المسافة اللازمة لكل مقاربة عالمة كانت تنحصر في جرد عريض للأشياء والناس، أو على الأصح ناس وقد تحولوا إلى أشياء.
لا أفكر فقط في إنكار الإبادة الجماعية négationnisme) (والتي من المعروف أنه تم حظرها من قبل مجتمع المؤرخين لكنها استمرت في العمل بشكل سري، لكني أفكر بالأحرى في تلك التحريفيات العادية التي كانت تسعى إلى وضع نظام فيشي Vichy) (والمقاومة على قدم المساواة باسم التنسيب ال” ضروري ” للبطولة وإرادة تفكيك ذلك مع فكرة التمرد . أو : ما يتمثل في الجعل من سالفادور أليندي مثلا، من خلال معارضة بارعة للنصوص، عنصريا، معاديا للسامية ومن دعاة تحسين النسل تحت ذريعة شجب الأساطير المزعومة المؤسسة للتاريخ العالمي للاشتراكية 1 .
وبالنسبة للفلسفة، فكلما كان تدريسها مهددا في المدرسة أو في الجامعة، من قبل أولئك الذين يعتبرونها عديمة الجدوى، متجاوزة، إغريقية إلى حد كبير أو مغرقة في الألمانية، يستحيل تقييمها أو حبسها في مقولات العلموية ـ باختصار، تخريبية بامتياز ـ ، كلما ازداد الطلب على ال” تفلسف ” أو ” أن يتعلم المرء التفكير نفسه بنفسه”، خارج مؤسسات الدولة: أفلاطون، سقراط، الماديون ما قبل السقراطيين، اللاتينيون، المعاصرون، ما بعد المعاصرين، القدماء والمعاصرون الجدد، الرجعيون الجدد أو القدماء . فبين الاتباعية التي تعود بقوة إلى التعليم الرسمي والطلب الملح على تعليم “حي” وخارج الإطار الجامعي، ثمة انقسام قيد التحقق لا يكف عن فرض نفسه في عالم يفترسه الخوف من فقدان هويته، حدوده، قومياته.
نادرة هي الملفات التي أعدتها الصحافة ولا تكرس إلى إعلانات كارثية: نهاية التاريخ، نهاية الإيديولوجيات، نهاية المعلمين، نهاية الفكر، نهاية الإنسان ، نهاية كل شيء.
مع أو ضد جان بول سارتر ؟ مع أو ضد رايمون آرون Raimond Aron) (؟ هل تفضل أن تكون على حق مع هذا وضد ذاك أو العكس؟ هل ينبغي إحراق ماي 68، فكره، مفكريه، أعمالهم، التي اعتبرت عصية على الفهم، نخبوية، محفوفة بالأخطار وغير ديموقراطية؟ هل تحول فاعلو ثورة الأخلاق والعقول إلى بورجوازيين، رأسماليين، شهوانيين صغار بدون إيمان ولا قانون؟
في كل مكان نفس الأسئلة ونفس الأجوبة التي تزعم تقديم الدليل على قلق الحضارة الجديد. هل اختفى الأب، لكن لماذا الأم لا ؟ ألم تكن الأم، في آخر المطاف، أبا والأب أما؟ لماذا لا يفكر الشباب في أي شيء ؟ لماذا أصبح الأطفال لايطاقون؟ هل ذلك بسبب فرانسواز دولتو Françoise Dolto) (، التلفاز ، الإباحية أو بسبب القصص المصورة؟ والقدوات الفكرية، تحولوا إلى ماذا؟ هل ماتوا، هل هم قيد التكوين، في سبات شتوي، في الطريق إلى الانقراض النهائي؟
والنساء: هل هن قادرات، شأنهن شأن الرجال، على قيادة الرجال، على التفكير مثل الرجال، على أن يكن فيلسوفات ؟ هل لديهن نفس الدماغ، نفس الخلايا العصبية، نفس المشاعر، نفس الغرائز الإجرامية؟ هل كان المسيح عشيقا لمريم المجدلية، وبناء على ذلك، هل تعتبر الديانة المسيحية ديانة مجنسنة، منقسمة إلى قطب أنثوي خفي وقطب ذكوري مهيمن؟

هل دخلت فرنسا في الانحطاط؟ هل أنتم مع أو ضد سبينوزا، داروين، غاليليو؟ هل تحبون أمريكا؟ ألم يكن هايديغر إلا نازيا؟ هل كان ميشال فوكو ممهدا لأسامة بن لادن، جيل دولوز مدمن مخدرات، جاك دريدا معلما روحيا للتفكيك؟ هل كان نابليون مختلفا جدا عن هتلر؟ حددوا التشابهات، عبروا عن أفكاركم، قيموا معرفتكم، تكلموا باسمكم .
من تفضلون، من هم الأصاغر، الأكابر، الأكثر سوءا، الأكثر خداعا، الأكثر إجراما؟ صنف، رتب، عد، قاس ، فحص، عاير. هذه هي الدرجة الصفر للتساؤلات المعاصرة، التي لا تكف عن فرض نفسها باسم حداثة مقنّعة تثير الشكوك في كل شكل من أشكال التفكير النقدي المشيد على تحليل تعقيد الأشياء والبشر .
لم تكن الجنسانية في أي وقت من الأوقات حرة ولم تكن العلوم بتاتا متقدمة كثيرا في استكشاف الجسد والدماغ. ومع ذلك، لم تكن المعاناة النفسية إطلاقا معاناة حادة: عزلة، تناول أدوية نفسية، سأم، إرهاق، حمية، سمنة مفرطة، إضفاء الطابع الطبي على كل لحظة من لحظات الحياة. تحرر ذاتي ملح جدا، تم الحصول عليه بعد جهد جهيد خلال القرن العشرين، يبدو أنه استدار نحو حاجة ملحة إلى إكراهات طهرانية . وبالنسبة إلى المعاناة الاجتماعية، فقد أصبحت أكثر إزعاجا لاسيما وأنها في تقدم مستمر في سياق بطالة الشباب والانتقال المأسوي للأنشطة إلى الخارج .
متحرر من القيود الأخلاقية، لا يُعاش الجنس مثل ترابط لرغبة ما بل مثل إنجاز، تمارين رياضية، تنظيف لأعضاء لا يفضي إلا إلى كسل مميت . كيفية بلوغ النشوة؟ كيف يمكن تحقيق الرغبة الجنسية ؟
ماهو الحجم المثالي للمهبل، الطول الطبيعي للقضيب؟ ماهي المدة الزمنية؟ ماهو عدد الشركاء في حياة ما ، في أسبوع، طيلة يوم واحد، في دقيقة ؟ لم يكن علم نفس التكييف والاغتراب الجنسي في أي يوم من الأيام فارضا نفسه كما هو اليوم . إلى درجة أن المرء يشهد من الآن فصاعدا توسعا لكل تلك الشكاوى. لأنه كلما تم التعهد بالسعادة والنموذج الأمني، كلما استمرت المحن، كلما تنامت الأخطار وكلما تمردت ضحايا الوعود الكاذبة ضد أولئك الذين خانوها.

كيف بالمرء ألا يرى في تلك النزعة النفسية psychologisation) (الغريبة للوجود التي هيمنت على المجتمع برمته، والتي أسهمت في نزع الطابع السياسي المتزايد، التعبير الأكثر خداعا لما كان يطلق عليه ميشال فوكو وجيل دولوز “ميكروفاشية مألوفة”، خاصة، مرغوب فيها، مطلوبة، مقبولة، محتفىً بها من قبل هذا الأخير الذي شكل بطلا لها تارة وضحية لها تارة أخرى؟ فاشية صغرى لا تمت بطبيعة الحال، بأي صلة إلى الأنساق الكبرى للفاشية، بما أنها تتسلل إلى كل فرد ، من غير علم منه ، من دون وضع المبادئ المقدسة لحقوق الإنسان موضع مساءلة، النزعة الإنسانية والديموقراطية.
لقد اخترت تكريم ستة من الفلاسفة الفرنسيين ـ كانغيلام Canguilhem) (، سارتر، فوكو، ألتوسير Althusser) (، دولوز Deleuze) (ودريدا ـ الذين أصبح عملهم معروفا ومشروحا في العالم قاطبة، والذين تجمعهم قواسم مشتركة، عبر اختلافاتهم، خصوماتهم أو اندفاعاتهم المتواطئة، الذين يتصدون، بطريقة نقدية، ليس لمسألة الالتزام السياسي فحسب (بمعنى التصدي لفلسفة الحرية) بل إلى التصور الفرويدي لللاشعور (بمعنى التصدي لفلسفة البنية). لقد كانوا جميعهم أسلوبيين بارعين في اللغة، شغوفين بالفن والأدب .
ويعود السبب في ذلك إلى أن مثل هذه المواجهة توجد ماثلة في أعمالهم وفي حياتهم والتي يكون بمستطاعهم إدراجها هنا. لقد رفضوا جميعهم، مقابل ما سأطلق عليه عبور العاصفة، أن يكونوا خداما لتوحيد الإنسان، الذي ما هو، في نسخته الأكثر تجريبية، إلا إيديولوجيا الخضوع لخدمة الهمجية. لقد قاموا بنشر أعمالهم قبل أن يحتل التلفزيون ووسائل الإعلام الكبرى أهمية معينة في انتقال المعارف، ومن بين هؤلاء قام كل من دولوز ودريدا بوضع أسس تفكير جديد حول الوسائطية médiologie) ( الحديثة .
بإيجاز، وبعيدا عن تخليد مجدهم القديم أو انكبابي بشوق على إعادة قراءة بسيطة لأعمالهم ، فقد سعيت إلى إبراز، عاملة على تشغيل فكر البعض عن طريق فكر البعض الآخر، مفضلة بعض اللحظات المبهرة من تاريخ الحياة الفكرية الفرنسية في النصف الثاني من القرن العشرين، إذ إن الموافقة النقدية لإرث ما تسمح وحدها بالتفكير في المستقبل وابتكار فكر آت، فكر من أجل أزمنة فضلى، فكر لعدم الخضوع، هو بالضرورة فكر تنقصه الدقة .
ــ
مصدر النص: إليزابيث رودانيسكو
فلاسفة في قلب العاصفة Elisabeth Roudinesco
Philosophes dans La tourmente
Fayard, 2005




