سلسلة على حافة الأدب: أمّة اقرأ
بقلم: بومدين حدوش
3- أمّة اقرأ
الساعة تجاوزت الثانية فجرًا، والشاشة ما تزال مضاءة. إصبعه يمرّ على الشاشة بلا توقف تقريبًا: خبر، ثم صورة، ثم مقطع، ثم تعليق، ثم خبر آخر. يقرأ كثيرًا في تلك الساعات المتأخرة، لكنه حين يُغلق الهاتف أخيرًا، لا يتذكّر شيئًا واحدًا يستحق أن يُتذكَّر. وكأنّ عينيه وحدهما هما اللتان قرأتا، أما هو، فبقي غائبًا عن كل ما مرّ أمامه.
ذلك ليس هو المعنى الذي توحي به الكلمة الأولى من الوحي. لم يكن الأمر الإلهي الأول مجرد دعوة إلى مرور العين على الحروف، بل جاء في سياق يربط القراءة بمصدرها وغايتها:
﴿اقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]
لم تأتِ الكلمة وحدها؛ جاءت مقرونة باسم. وكأن القراءة، في معناها الأول، ليست فعلًا محايدًا يستهلك الحروف، بل فعل ينبغي أن يصدر عن مصدر، ويتجه نحو غاية.
نعيش اليوم في زمن تضخّمت فيه الحروف كما لم تتضخم من قبل. لم يعد الوصول إلى المعلومة هو المشكلة؛ فقد أصبحت المعلومة تصل إلينا قبل أن نبحث عنها. لكن كثرة ما نراه لا تعني أننا نعرف.
قد يقرأ الإنسان عشرات الأخبار في ساعة واحدة، ثم يعجز عن تذكّر خبر واحد في نهاية اليوم؛ وقد يجمع آلاف المعلومات، دون أن يملك القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، ولا بين المعرفة والانطباع. فالمعلومة تخبرك بـ”ماذا”، أما الفهم فيدفعك إلى أن تسأل “لماذا”.
وهذه المسافة بين الكثرة والفهم لا تُقاس بعدد الصفحات، بل بما تتركه القراءة من أثر: سؤال جديد، أو فكرة تُراجَع، أو نظرة تتبدل. فإن لم تترك القراءة شيئًا من هذا، فقد تكون مجرد حركة للعين فوق السطور.
ولعل أدق ما يكشف هذا الفارق، بين مرور الحروف وحدوث الأثر، حديث رسول الله ﷺ.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«مَن سَلَكَ طريقًا يَلتمسُ فيه علمًا، سهَّلَ اللهُ له به طريقًا إلى الجنَّةِ»
رواه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث رقم 2699.
تأمّل كلمة «سلك». لم يصف الحديث طالب العلم بأنه من «يقرأ» فحسب، بل بأنه من «يسلك»؛ من يمشي، ويقطع مسافة، ويبذل جهدًا يوازي جهد السالك في طريقه الحقيقي. والطريق لا يُقطع بنظرة عابرة، بل يحتاج وقتًا وصبرًا واستمرارًا. فكأنّ العلم الذي لا يتحول إلى سلوك لم يبلغ بعد نهاية طريقه؛ توقف عند الحرف، ولم يبلغ الأثر.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للقراءة أن تتحول إلى استعراض: أن نقرأ لنقول إننا قرأنا، ونملأ رفوفنا بالكتب بينما تبقى حياتنا خالية من أثرها، ونحفظ أسماء المفكرين دون أن نتعلم منهم كيف نفكر. عندها يصبح الكتاب شهادةً تُعلَّق على جدار، لا إمكانًا للتغيير. ولعل هذا لا ينشأ من فراغ؛ فالمساحات التي يتحرك فيها القارئ اليوم لا تكافئ التأمل بقدر ما تكافئ السرعة: كل قراءة تُختصر لتفسح مكانًا لقراءة أخرى، وكل فكرة تُستهلك قبل أن تكتمل. وحتى تقدير الناس لبعضهم صار يُقاس أحيانًا بما يُنشَر لا بما يُفهَم، فيصبح الظهور بمظهر القارئ أهم أحيانًا من أثر القراءة نفسها.
بين الأمر الأول: «اقرأ»، والوعد الأخير: «سهّل الله له به طريقًا»، تقف مسافة لا تُقاس بالزمن، بل بما يفعله الإنسان بما قرأ. كم من قارئ قطع آلاف الصفحات ولم يتحرك خطوة واحدة نحو ما فهمه؟ وكم من سالكٍ خطا خطوة واحدة، بعلمٍ قليل، فبلغ ما لم يبلغه أصحاب الحروف الكثيرة؟
فهل كانت أمة «اقرأ» أمةً لا تقرأ، أم أمةً تقرأ كثيرًا، ولا تسلك؟





